; ترتيب أوراق سقوط الخلافة: عبد الحميد يتصدى للفساد الداخلي (الحلقة التاسعة) | مجلة المجتمع

العنوان ترتيب أوراق سقوط الخلافة: عبد الحميد يتصدى للفساد الداخلي (الحلقة التاسعة)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1980

مشاهدات 120

نشر في العدد 470

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 19-فبراير-1980

السلطان عبد الحميد:

قال عنه جمال الدين الأفغاني: «لو وزن بأربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم ذكاء ودهاء وسياسة، ولا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام في ملكه من الصعاب من دول الغرب».

وقال عنه جلادستون مادحًا بأسلوب الذم: «إن السلطان عبد الحميد هو الشيطان».

محاولات الإصلاح داخل دولة الخلافة:

 كان سوء الأحوال الداخلية مدعاة لمحاولات إصلاحية كثيرة قامت بها دولة الخلافة، خصوصًا في عاصمتها الأستانة، فأنشأوا أنواعًا من الإصلاحات تسمى في عرف الأتراك «التنظيمات الخيرية»، ويريدون بها الإصلاحات التي تهدف إلى إنقاذ الدولة من ضعفها وعلاج مشاكلها في الداخل والخارج، وقد بدأت هذه السلسلة من الإصلاحات منذ عهد السلطان محمود الثاني 1784 - 1839 وهو جد السلطان عبد الحميد. 

ويعتبر عهد السلطان عبد الحميد بحق أكثر الفترات محاولة للإصلاح الجاد حتى اقترن اسمه بحركة التنظيمات العثمانية، وقد واجه السلطان عبد الحميد المؤامرات تلو المؤامرات من الخارج والداخل، فقد كانت الدول الأوروبية على الخصوص تخيط المؤامرات السياسية الكبيرة، وكان اليهود والنصارى يحيكون وينفذون المؤامرات من الداخل، وكان السلطان عبد الحميد يواجه بصلابة كل هذه المؤامرات، وقد تعرض لأكثر من محاولة لاغتياله، وظل يقاوم سقوط الخلافة قرابة ثلاثة وثلاثين عامًا يدين له المسلمون فيها بكل يوم بل كل ساعة فيها. 

حتى شهد له بالصلابة والحنكة السياسية الأعداء قبل الأصدقاء، فهذا «جلاد ستون» يمدحه بأسلوب الذم فيقول «إن السلطان عبد الحميد هو الشيطان»، وجمال الدين الأفغاني الذي خالطه وعايشه يزود السلطان بالتقارير والترجمات وغيرهما، ثم حدث بينهما ما حدث... وأصبح السلطان عبد الحميد من أشد خصومه يقول: «إن السلطان عبد الحميد لو وزن بأربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم ذكاء ودهاء وسياسة، خصوصًا في تسخير جليسه.. ولا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام في ملكه من الصعاب من دول الغرب، ويخرج المناوئ له من حضرته راضيًا عنه وعن سيرته مقتنعًا بحجته، سواء في ذلك الملك والأمير والوزير والسفير، ولكن يا للأسف عيب الكبير كبير، والجبن من أكبر عيوبه»، ولقد ورث السلطان عبد الحميد الخلافة وهي محملة بمشكلات كثيرة خارجية وداخلية اقتصادية واجتماعية وسياسية، وكان ينطلق في خطته الإصلاحية من منطلقات ثلاثة:

أولًا: الإصلاح الداخلي: فيرى أن دولة الخلافة لا يمكنها بسط قوتها وهيمنتها على بقية الأقطار التابعة لها ما لم تحل مشكلاتها الداخلية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فيعبر عن السلطان عبد الحميد عن سياسته الإصلاحية هذه بقوله: «إن ضعف الدولة العثمانية نابع من اتساع رقعتها، فاجتماع كثير من الشعوب تحت راية واحدة جعل إدارة هذه الشعوب أمرًا صعبًا... إن عدد سكاننا قليل جدًا إذا قيس بالأمم الأخرى، فلا يمكن الاحتفاظ بالبلدان المفتوحة مدة أطول.... وفي اليوم الذي نقوى فيه من الداخل ستجد الدول الأوروبية أن «الرجل المريض» الذي يسخرون منه تعافي وأصبح الرجل القوي».([1])

فالإصلاح لا يكون من تأثير وضغوط خارجية، بل لا بد أن يكون نابعًا من صميم الواقع بشكل طبيعي وباتجاه صحيح.

ويرى السلطان عبد الحميد من هذا المنطلق أن الإصلاح نفسه قد يكون وبالًا ونكبة على الدولة، فيكون سببًا في زيادة ضعفها بدل أن يكون سببًا في رفعتها، فيشبه الدولة العثمانية بتوسعها المفاجئ بشاب ضعيف البنية، لا تقدر بنيته على ممارسة حركات سريعة، فتكون هذه الحركات وبالًا عليه إن هو مارسها. وعلى ذلك فالتجديد والإصلاح بالشكل الذي يطالبون به سيكون وبالًا وسببًا في اضمحلال الدولة. والدول الأوروبية تدرك هذا جيدًا، فتحث الدولة على الأخذ بعمليات الإصلاح بالشكل والمضمون الأوروبي، في حين أن هذا الإصلاح داء وليس دواء كفيل بالقضاء على دولة الخلافة ككل.([2])

ثانيًا- مراعاة تركيبة المجتمع:

ويرى السلطان عبد الحميد أن عملية الإصلاح ينبغي أن تكون مستجيبة لتركيبة المجتمع، ولذلك لا بد وأن تكون وطنية يقوم بها أبناء البلاد، ولذا كان السلطان يرفض ويهزأ بكل توصيات الإصلاح التي كان يقدمها سفراء الدول الأوروبية، ويرى أن كل هذه التوصيات إنما تهدف إلى الحط من شأن دولة الخلافة تجاه بقية الأقطار الإسلامية، وفي الوقت نفسه إعلاء شأن النصارى ومن والاهم، فما يصلح في دول أوروبا قد لا يصلح لدولة الخلافة لاختلاف الظروف والشعوب.

ويطلب السلطان عبد الحميد لتطبيق سياسته الإصلاحية فترة من الهدوء والاستقرار، لأن ذلك ضروريًا لنجاح عملية الإصلاح، وهذا ما لا تتمكن منه الدول الأوروبية. فيقول: «أرجو من الله القدير أن يهب لبلادنا الهدوء والاستقرار، فما من بلد يعوزها الصلح والسكينة أكثر مما تحتاجه بلادنا، هناك ثغرات كبيرة في الإدارة واسترخاء شديد لدى الموظفين، مما سبب قيام ثورات وحوادث عصيان، ليس من الجائز السكوت عليها، ولكن الذي يقودنا إلى الهاوية أكثر من غيره هو مؤامرات الدول الكبرى، لقد صرفنا الملايين للقضاء على هذه المؤامرات. كان الأجدر بها أن تصرف على مشاريع حيوية نستفيد منها، كما صرفنا جل أوقاتنا وطاقاتنا دون جدوى، فلم يبق لنا شيء ندخره لغدنا في التطور والتقدم، لو اعترفت لنا هذه الدول بعشر سنوات من الاستقرار، لحظيت دولتنا بالتطور الذي حظيت به اليابان، فاليابانيون بعيدون عن مخالب أوروبا، يعيشون في أمان واطمئنان، أما نحن فقد نصبنا خيامنا على ملتقى الطريق بين الوحوش الأوروبية الكاسرة». ([3])

ثالثًا: مراعاة الظروف الاجتماعية:

 فيرى السلطان عبد الحميد أن أية عملية إصلاحية لا يتحقق لها النجاح ما لم تأخذ في الحسبان الظروف السائدة في البلاد، وعلى ذلك فينبغي ألا يكون الإصلاح نابعًا من أفكار حفنة قليلة من المثقفين أو الموظفين، ممن تأثروا بأجواء أخرى ليست موجودة في مجتمعهم، دون الأخذ بعين الاعتبار أفكار الطبقات الأخرى التي لها تأثير مباشر في المجتمع، فطبقة العلماء المسلمين تتشكك من كل ما هو أوروبي، بل إن السلطان عبد الحميد يقول عنهم: «إنهم يمزقون الأوامر -أي إذا كانت أفكارًا أوروبية- فور تلقيها وإن كانت أوامر سلطانية».([4])

فكان السلطان عبد الحميد يتوخى في عملياته عدم اصطدامها بأوضاع اجتماعية أو فكرية داخل المجتمع التركي المسلم، ويتحين الفرص المواتية لأية عملية إصلاحية وبشكل بطيء. 

ولذلك فهو يرفض فكرة الأخذ بالحضارة الأوروبية جملة وتفصيلًا دون النظر إلى الظروف الأخرى. 

وهذه السياسة الحكيمة هي عين الصواب، ولكنها وجدت معارضة قوية من الأحزاب والطوائف والفرق المتعددة التي كانت تحركها السفارات الأجنبية في تركيا، والتي كان همها إحداث الصدامات بين طبقات المجتمع التركي، وإحداث فجوات فكرية واجتماعية تساعد على اضطراب المجتمع، ويسهل بالتالي تقويض وإجهاض معقل الخلافة وتفجيرها من قلبها إستانبول، وقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ كبير بإغواء بعض الشباب المسلم المتحمس لما هو غربي أوروبي.

الهجرة الداخلية:

تعتبر أراضي تركيا أراضي واسعة، وهي في الوقت نفسه غنية فيما لو استغلت للإسكان والزراعة، ولقد انتبه السلطان عبد الحميد إلى ضرورة هذه الهجرة، وكان يرى أنها ستزيد القدرة الوطنية، وتؤدي بالتالي إلى القوة الاقتصادية، وتبعًا لذلك كان يرى ضرورة تقوية العنصر التركي في بلاد الروم والأناضول خاصة، وصهر الأكراد وضمهم إلى تركيا. 

وكان في الوقت نفسه ينظر إلى هجرة اليهود بكل حذر، فرفض عرضًا قدمه «البارون روتشيلد» بشأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين. 

وكان من سياسته تقييد دخول أتباع الأديان الأخرى في البلاد، والتغلغل في جسد الأمة المسلمة، فكان لا يقبل في أراضيه إلا من كان على دين أمته المسلمة. وفي الوقت نفسه يشجع هجرة المسلمين واستيطانهم في البوسنة والهرسك وبلغاريا.

الضرائب:

لقد حاول السلطان عبد الحميد أن يعدل الاقتصاد المنهار عن طريق فرض الضرائب إضافة إلى الطرق الأخرى، وكان يرى أن الوضع المالي لبلاده على الأقل يحتاج إلى نهضة سريعة، ولهذا سعى إلى رفع ضرائب الدخول من 6% إلى 11% ، وهو حق خالص للدول،ة ومع ذلك فإن سفراء الدول الكبرى عارضوا ذلك، ويتعجب السلطان عبد الحميد من هذه المعارضة فيقول: من الذي يقوم بنشاطات بلادنا، ومن يتحمل مصاريف هذه النشاطات سوى الرعية المسلمين، والضرائب عندنا ثقيلة الحمل، العثمانيون المساكين يؤدون نصف وارداتهم ضرائب حاجيات كثيرة، أما النصارى فلا يؤدون الضرائب الكافية ويماطلون في أدائها.

وينبغي أن نؤسس نظامًا جديدًا للضرائب، وهذا أمر صعب، فالفلاحون يرضون بالضرائب المفروضة عليهم في الظاهر، لكن انتشارهم في الأرياف والمناطق النائية يجعل مراقبتهم أمرًا مستحيلًا، ولا يمكننا أن نفكر بتقدير الضرائب بعد تهيئة المحاصيل الزراعية بعد الحصاد والدراس والنذرية، وإلا تعرض الفلاح للإجحاف، إذ قد تنزل بمحصوله في فترة من الفترات نازلة لا تبقى ولا تذر، فمن أين يعيش؟ وأي شيء يؤديه للدولة؟

يؤدي الأتراك ضرائب عن الأرض 4 من ألف، وعن المسقفات 1 من ألف، وعن كل رأس ماعز 3 قروش، وعن كل رأس غنم 4 قروش، وواضح أنه بعد دفع هذه الضرائب لا يبقى لهم إلا النزر اليسير، فلا مجال إذًا لتحميلهم فوق ما يطيقون، فلا بد أن تقبل الدول الكبرى بضريبة الدخول، إننا نثق أولًا بأصدقائنا وخاصة برلين «يريد الألمان». ([5])

ونظرة السلطان عبد الحميد هذه نظرة ثاقبة ذكية فهو يريد إنعاش اقتصاد بلاده من جيوب الموظفين الذين يثرون على حساب طبقة الفلاحين الفقراء، وطبقة الموظفين تشكل الأجانب والنصارى وغيرهم القطاع الكبير منهم، ولذلك فإن ضريبة الدخل هي أنجح أسلوب ضريبي لمثل وضع دولة الخلافة. أضف إلى هذا أن هؤلاء الأجانب يتمتعون بامتيازات كثيرة لا يجدها ولا يتمتع بها غيرهم من أبناء البلاد المسلمين، ومطالبهم وضغوطهم تزيد فلا أقل من أن يفرض عليهم يومًا عن يوم. ضريبة على دخولهم.


([1]) زعماء الإصلاح أحمد أمين.

([2])السلطان عبد الحميد - مذكراتي السياسية 78، 193.

([3])المرجع السابق نفسه، ص 96.

([4])المرجع السابق نفسه، ص 194.

([5])المرجع السابق نفسه، ص 87.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

129

الثلاثاء 07-أبريل-1970

من أعماق الأفغاني

نشر في العدد 6

138

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6