; عيد يستمر ثلاثين يومًا وتزيد.. رمضان.. في البلقان | مجلة المجتمع

العنوان عيد يستمر ثلاثين يومًا وتزيد.. رمضان.. في البلقان

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007

مشاهدات 113

نشر في العدد 1770

نشر في الصفحة 46

السبت 22-سبتمبر-2007

■ يحرص مسلمو البلقان على أداء «صلاة التراويح» في جماعة.. ولا يتخلف عنها إلا المرضى والمسافرون.

■ احتساء «قهوة رمضان» في الساحات والميادين العامة «تقليد راسخ» لدى البوسنيين طوال ليالي الشهر الكريم.

يحتفل المسلمون في البلقان بشهر رمضان وكأنه عيد يستمر ٢٩ أو ٣٠ يومًا وليلة فتزدان الشوارع والمحلات بالأضواء وتتغير العادات اليومية بأخرى رمضانية وترتدي النساء غير المحجبات لباسًا محتشمًا احترامًا للشهر العظيم وتمتلئ المساجد بالمصلين، وتعمر بالقرآن والأذكار بشكل يختلف عن سائر أيام السنة..

ويستعد مسلمو البلقان لشهر رمضان وعيد الفطر حسب التقاليد التي ترعرعوا في كنفها، والتي يسودها الهناء وتغمرها السعادة، بغض النظر عن المشكلات المادية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، حيث يجد المسلمون وقتًا للفرح يتناسون فيه أحزانهم وآلامهم على مدار العام، سواء كانت شخصية أو عامة.

كما يحتفل المسلمون في كل من البوسنة، وكرواتيا، وصربيا والجبل الأسود، وكوسوفو، وألبانيا، ومقدونيا برمضان والعيد في أجواء روحانية عالية تتّسم بالتسامح والدعوة للتعايش في كنف الوئام واعتراف الجميع بالجميع، وحق الاختلاف وواجب احترام مبادئ ووجهات نظر الآخرين مهما كانوا.

وتشهد المساجد والمصليات في تلك الدول ازدحامًا كبيرًا في أيام رمضان، حيث يتوافد المسلمون عليها من كل حدب وصوب، سواء من كان منهم يصلي أو من كان تاركًا للصلاة؛ إذ إن أداء صلاة التراويح في رمضان تقليد راسخ لدى مسلمي البلقان، لا يتأخر عنه إلا من كان مريضًا أو على سفر.. ويؤم حفاظ القرآن في البلقان المصلين، وتكثف الدروس الدينية في المساجد.

وتشهد الساحات والملاعب الرياضية مثل «مركب سكنديريا التجاري» بوسط سراييفو إقبالًا كبيرًا من المصلين، حيث يؤم مفتي سراييفو الشيخ «حسين سماييتش» الجموع.. وفي «موستار» يصلى المسلمون في ٣٧ مكانًا، ويؤم مفتيها الشيخ «سيد سمايكيتش» المصلين في المركز الثقافي بالجامعة.. وفي «زينتسا» يؤم المفتي «أيوب داود باشيتش» المصلين في جامع «الأنصار».

وفي مقاطعة «زفورنيك» -شرق البوسنة- يؤم مفتيها «مصطفى محرمو غيتش» المصلين في أكبر مساجد المنطقة.. ويقول لـ «المجتمع»: «رمضان هو رمز السلام الذي ينبغي أن يسود أعماق النفس، وفيما بين الناس».. وفي «زغرب» -عاصمة «كرواتيا»- يقول مفتيها الشيخ «شوقي عمر باشيتش»: «إن مسلمي كرواتيا يتلقون التهاني من رئيس العلماء في البوسنة، ومن الرئيس الكرواتي «ستيبان میسيتش»، ومن رئيس الوزراء «ايفو سنادر» بحلول شهر رمضان.

كما يتلقى المسلمون في صربيا، وكوسوفا، والجبل الأسود، ومقدونيا، وألبانيا، التهاني من كبار المسؤولين في تلك الدول، ويمثل رمضان بالنسبة لمفتيي وأئمة تلك الدول فرصة لتوجيه رسائل إلى المسلمين، تناديهم بالعودة إلى دينهم دراسة وفهمًا وتطبيقًا، ورسالة سلام لغير المسلمين تدعوهم إلى الاعتراف بحق المسلمين في أن يعيشوا بإسلامهم دون تضييق أو تحرش أو كراهية أو إسقاطات أو تحريض.

ورغم أن البوسنة بلد متعدد الطوائف والأعراق، إلا أن المارّ في شوارع المدن -وتحديدًا سراييفو- قبل الإفطار لا يرى سوى عدد قليل جدًّا من المفطرين، أو الجالسين في المقاهي والمطاعم، أو المدخنين.. وتشهد مساجد البوسنة -في شهر رمضان المبارك- إقبالًا منقطع النظير من الشباب واليافعين فيشغلون الصفوف الأولى أثناء تأدية الصلوات الخمس والتراويح، وهو ما يعني وجود أوبة جماعية، وليس مجرد التزام شخصي.

داخل المساجد.. إفطار ودروس

ويحرص الشباب -ومنهم الملتزمون الجدد- على الإفطار داخل المساجد قبل أداء صلاة المغرب، وبعدها يتوجهون إلى منازلهم، أو مراكز الإفطار الجماعي التي تقيمها بعض المؤسسات، كــ «المرحمة» التابعة للمشيخة الإسلامية، أو المؤسسات الخيرية الأخرى العربية والإسلامية.. كما يحرص الشباب على الهدوء وعدم إضاعة الوقت في الأحاديث الجانبية داخل المساجد، ولاسيما عند إلقاء الدروس الخفيفة التي يلقيها الخطباء قبل صلاة العشاء والتراويح.

وهناك دروس وأنشطة يشارك فيها الشباب وغيرهم ممن تسمح لهم ظروفهم بالحضور، خاصة بين صلاتي الظهر والعصر، والعصر والمغرب، حيث يتم قراءة القرآن بشكل متناوب، أي يقرأ أحدهم قدرًا متفقًا عليه، ثم يليه آخر، وغالبًا يكون بين الحاضرين حافظ أو خبير بإحدى القراءات أو أكثر لتصحيح النطق والقراءة.

 وقبل صلاة العشاء، يتم إلقاء دروس دينية تذكر المصلين بفضائل شهر رمضان وضرورة استغلاله لتدعيم أسس البناء الروحي، وتقوية العلاقة مع الله.. ويجد الشباب ضالتهم في تلك الدروس التي يعتبرونها راحة للنفس ومجلبة للأنس.. وقد ساهمت تلك الدروس في تحسين التزام الكثيرين، سواء في رمضان أو غير رمضان.

«حديثُ رمضان»

وقد احتفل في سراييفو مؤخرًا بمؤلف جديد، أضيف إلى مكتبة رمضان، وهو كتاب «حديث رمضان» -لمؤلفيه: «أدهم مولا أبديتش» و«رضا بيغ كابيتانوفيتش»- والذي يُعد أحد أهم المحاور التي تدور حولها أحاديث رمضان في البوسنة هذه الأيام.. ويضم الكتاب -إلى جانب الأبعاد الإيمانية والروحية- تجارب عدد كبير من المؤمنين في رمضان، وكيفية قضائهم الصوم، وشعورهم في هذا الشهر العظيم..

وينقل المؤلف عن بعضهم قوله: «ليس هناك شهر أشعر فيه بعمق الإيمان ولذة العبادة، والسعادة بكوني مسلمًا، مثل رمضان» ويقول آخر: «في رمضان أُعظم شعائر الله، وأتجنب نواهيه أكثر من بقية الشهور، وأشعر بأن الله أقرب ما يكون إلي؛ فأخافه أكثر من أي وقت مضى، وليس هناك شهر أذكر فيه الله وأقرأ فيه القرآن مثل رمضان».

مساجد جديدة

منذ توقف العدوان الأخير على البوسنة في نوفمبر ۱۹۹۵م، والبلاد تشهد حركة دؤوبة لإعادة بناء المساجد التي دمرها الصرب والكروات، أو بناء مساجد جديدة غيرها.. وهناك عشرات المساجد التي تم افتتاحها، وأخرى على وشك الانتهاء من تشييدها.. ومن بين المساجد التي أقيمت فيها صلاة التراويح لأول مرة بعد افتتاحها مسجد «قورني شيبكو» قريبًا من زفورنيك شرق البوسنة، والذي هدمه الصرب في يوليو سنة ١٩٩٢م.. كما افتتح المسلمون مسجد «فيشي غراد»، وحضر الافتتاح رئيس العلماء في البوسنة الدكتور «مصطفى تسيريتش».. وفي «زينتسا» تم افتتاح مسجد «عثمان شلبي» وهو من أقدم المساجد التاريخية في المنطقة.. وقبيل حلول شهر رمضان أيضًا تم افتتاح مسجد «ببراتشي» القريب من «تشيكوفيتش» شرق البوسنة، وحضر الافتتاح -إلى جانب رئيس العلماء- سفير ماليزيا بالبوسنة «رمضان بن إبراهيم» وفي «فوتشا» أعطيت إشارة الانطلاق لبدء المرحلة الأولى لإعادة بناء جامع «آلاجا» والذي يعد أول جامع بُني في البوسنة وفقًا لبعض المصادر.

رمضان بمذاق البلقان!

ويقضي مسلمو البلقان ليلة السابع والعشرين من رمضان داخل المساجد، حيث ينهمك الكثيرون في صلوات عميقة وقراءة القرآن، ويزداد عدد الوافدين إلى المساجد والمعتكفين في العشر الأواخر من رمضان بشكل لم يسبق له مثيل من قبل حيث تتزاحم الجموع، ويضطر المصلون في بعض المساجد لفرش السجاد في الساحات الخلفية أو الصلاة على الأرصفة العارية والأسمنت البارد.

وتعتبر القهوة من الأشياء الأساسية والضروريات في البوسنة، حتى إن هيئات الإغاثة الإسلامية لم تغفل هذا الأمر في أيام الحصار التي عاشها مسلمو البوسنة، حيث كانت من بين المواد الأساسية التي توزع على المحتاجين والمحاصرين والمهاجرين والجنود في خنادق القتال. ومن الطرائف أن امرأة بوسنية تلقت سلة غذائية، ولما فتحتها لم تجد القهوة فقالت: «لا يوجد شيء في هذه السلة!».

وتشهد ساحة «باش تشارشيا» في سراييفو ازدحامًا كبيرًا، وحضورًا من جانب شخصيات اجتماعية وسياسية وثقافية ودبلوماسية، يأتون جميعًا لتذوق «قهوة رمضان» كما يطلقون عليها في سراييفو، حيث يتم توزيع القهوة مجانًا، وهو «تقليد راسخ» في البوسنة يتجدد العهد معه في كل رمضان.

ويقول البوسنيون الذين تمتعوا بشرب القهوة في ليالي رمضان الماضي: إنها «ألذ قهوة.. فلأول مرة نشرب القهوة في الشارع بشكل جماعي، وفي جو من الفرح المزدوج: فرحة الصائم بفطره، وفرحة الاجتماع على ممارسة التقاليد التي نعتز بها كثيرًا»..

وكان الحاج «ناصر جابوتشار» -صاحب أكبر دلَّة للقهوة في العالم، إذ تسع ٨٠٠ لتر، والتي دخل بها موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية- قد تلقى تهاني الجميع وشُكرهم وثناءهم على صنيعه.. وعبّر عن سعادته؛ لأنه أحيا عادة ظلت حبيسة القهر الشيوعي مدة تزيد على ٧٠ عامًا.

ويقول «ناصر جابوتشار» لـ «المجتمع»: إنه سيوزع ليلة السابع والعشرين من رمضان ۸۰۰۰ فنجان من القهوة على المارة في «باش تشارشيا»، والتي تعني -بالتركية- «الساحة الكبيرة».. وإنه سيضع دلة القهوة قرب ماء السبيل بجوار مسجد «الغازي خسرف بك» بسراييفو بعد صلاة التراويح.. وقد تبرعت شركة «فيسباك» لصناعة القهوة بالمواد المطلوبة لإعداد أكبر كمية من القهوة في العالم.

الرابط المختصر :