; تركيا تدخل عهد الجمهورية الثانية | مجلة المجتمع

العنوان تركيا تدخل عهد الجمهورية الثانية

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 21-نوفمبر-2009

مشاهدات 90

نشر في العدد 1878

نشر في الصفحة 32

السبت 21-نوفمبر-2009

  • حزب «العدالة والتنمية» يسير بخطوات ثابتة، ونجح في تعزيز مكانته الشعبية والإقليمية
  • والعالمية خلال أعوام قليلة حكمة الحزب الحاكم في تعامله مع القضايا الأيديولوجية الداخلية أغلقت أبواب الفتنة وأثارت إعجاب الجميع
  • تطورات مهمة وعظيمة نشهدها اليوم في تركيا يمكن أن تكون جسرا للتواصل بين العالم الإسلامي والغرب
  • نجحت تركيا في رسم معالم واضحة لنظامها الديمقراطي، فهل تصبح نموذجًا يتعلم منه العرب والمسلمون؟

يمكننا القول بثقة: إنه ببدء مناقشة حزمة الإجراءات والقوانين التي يعتزم حزب «العدالة والتنمية» إقرارها في البرلمان التركي بشأن المسألة الكردية، تكون تركيا قد دخلت عهدًا جديدًا يطلق عليه المراقبون «الجمهورية الثانية».
هذه المناقشات بدأت في يوم ذكرى وفاة مؤسس الجمهورية الأولى «مصطفى كمال أتاتورك» «١٠ نوفمبر ۱۹۳۸م»؛ مما أدى إلى صخب شديد وعراك بالأيدى بين ورثة «أتاتورك» من غلاة العلمانيين وأعضاء حزب الشعب اليساري، وبين أغلبية النواب المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية المحافظ ذي الجذور الإسلامية، ولا شك أن اختيار اليوم يحمل دلالة رمزية لا تخفى على المراقبين، وهو يعني انقطاعًا مع سياسة قديمة والبدء في سياسة جديدة أو نهاية الجمهورية الأولى وبداية الجمهورية الثانية.
الحزمة المقترحة من القوانين والإجراءات تتعلق بأحد أهم وأخطر القضايا التي توارثتها الحكومات المتعاقبة، وهي «المسألة الكردية»، وتسببت في مواجهات دامية بين «حزب العدالة الكردستاني» بقيادة «عبد الله أوجلان» الذي يقبع في زنزانة انفرادية في جزيرة منعزلة بعد عملية ناجحة للقبض عليه في «كينيا»، وبين الجيش التركي على مدار عقود من الزمن سالت فيها أنهار الدماء، وراح ضحيتها مئات الأتراك من الجانبين، وتم تدمير عشرات القرى في جنوب شرقي تركيا، وتسببت في توتر دائم على الحدود بين تركيا وبين سورية والعراق، وأصبحت إحدى أهم العقبات التي تواجه انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لأنها من جهة عظمت دور الجيش التركي بصورة ضخمة جدًا مما أدى إلى سيطرته على الحياة السياسية، وتدخله الدائم في حل الحكومات، والقيام بعدة انقلابات على الحياة الديمقراطية ضد الحكومات اليمينية واليسارية، معتدلة كانت أو إسلامية، وأيضًا تشوه سجل تركيا في ملفين مهمين جدًا بالنسبة إلى أوروبا يتعلقان باحترام حقوق الإنسان واحترام الخصوصيات الثقافية. 
لقد سار حزب «العدالة والتنمية» بخطوات ثابتة، وعزز مكانته الشعبية والإقليمية والدولية خلال السنوات القليلة الماضية مما يؤذن ببداية عهد جديد فعلًا في تركيا الحديثة.
وقد حافظ الحزب على ثقة الشعب به، ونجح في اجتياز اختبار الانتخابات المحلية والعامة، رغم تراجعه الطفيف في المحليات.

السبب الرئيس في ذلك هو زرع أمل واقعي في نفوس الشعب التركي لتحقيق الاستقرار والأمن ومعه الازدهار الاقتصادي، والسعي جديًا لتحقيق حلم الأتراك القديم في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كل ذلك تحقق وفق خطة مدروسة وبحكمة شديدة وبخطوات وئيدة وبطيئة لكنها متلاحقة.
أفشل الحزب كل خطط خصومه من العسكريين والسياسيين لإخراجه من الحكم أو الانقلاب عليه أو إثارة الجمهور العلماني ضده وضد سياساته، واستخدم الحزب أغلبيته البرلمانية القوية -التي تعززت في الانتخابات البرلمانية الثانية- بذكاء شديد لإجراء تعديلات دستورية وقانونية تحجم دور الجيش، وتغل يد المحكمة الدستورية العلمانية عن حل الأحزاب، الذي تسبب في تعويق الحياة الديمقراطية وإفساد الحياة السياسية وقطع الطريق دومًا على الأحزاب ذات الجذور الإسلامية.

لم يستدرج الحزب إلى معارك داخلية أيديولوجية مثل قضية الحجاب، بل تعامل معها بحكمة مثيرة للإعجاب، وتراجع عن مشروع قانون ولو إلى حين، ولم ينظم مظاهرات ضخمة لمواجهة مظاهرات العلمانيين؛ حتى لا يتسبب في توتر داخلي يؤدي إلى تدخل الجيش بذريعة القلاقل والاضطرابات.

نجح الحزب في كسب تأييد خارجي مهم في أمريكا وبعض دول أوروبا، رغم معارضة فرنسية شديدة وتمنع ألماني، وكان شعاره أنه يقدم حلًا وسطًا بين العلمانيين المتطرفين والخوف الشديد في الغرب من الإسلاميين «الإسلاموفوبيا»، فطرح ما سماه «العلمانية المؤمنة»، وهو ما يجد صداه في أمريكا نفسها وبعض دول أوروبا، مثل بريطانيا حيث للدين دور رئيس فيها، وهذا ما يجعله محل دراسة المهتمين بالظاهرة الإسلامية كحل وسط لإشكالية دمج القوى والتيارات الإسلامية في الحياة السياسية، وإمكانية مشاركة الأحزاب الإسلامية في الحكم أو تولي الحكم تمامًا، وهي تجربة ما زالت في بدايتها وفي ظروف خاصة جدًا لتاريخ تركيا وعلاقاتها مع أوروبا والتطرف العلماني الذي رسخه «مصطفي كمال»، وورثته ضد كل مظهر إسلامي، إلا أنه لم ينجح في اقتلاع العقيدة والدين من قلوب ونفوس الأتراك.

اليوم يصنع الأتراك بقيادة «حزب العدالة والتنمية» ورجاله تاريخًا جديدًا لتركيا، في حين يتدهور الوضع العربي من بلد إلى بلد ويخرج العرب تدريجيًا من التاريخ بعد فشل ذريع المشروع الدولة الوطنية القومية الذي بدأ بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية لغياب الرؤية، وفقدان البوصلة، وانعدام الحريات العامة، والتردد في إرساء حياة ديمقراطية. 
فهل كان السبب كما يقول البعض: هو علمانية تركيا أم ديمقراطيتها؟ وهل العلمانية كما يدعي البعض شرط لازم لحياة ديمقراطية؟ هذا سؤال مهم يحتاج إلى بحوث معمقة ودراسات واسعة، إلا أنني وبسرعة ضد القول بأن السبب هو علمانية تركيا، وقد أثبتت تجارب عديدة أنه لا ارتباط بين العلمانية والديمقراطية، وإلا فإننا بذلك نضع عقبة كبيرة جدًا ضد التحول الديمقراطي في بلاد المسلمين التي لا يمكن لها أن تتخلى عن دينها أو عقيدتها، وستظل تطالب بتطبيق كامل لشريعتها الإسلامية.

في خطوات ثابتة راسخة قام الأتراك خلال الشهور القليلة الماضية بالتالي:
فتح الحدود الجنوبية مع سورية، وتوقيع عدد ضخم من الاتفاقيات مع الحكومة السورية؛ مما يمهد لاتفاقية تعاون استراتيجي بعد أن كادت المشكلات تهدد بنشوب نزاع مسلح مع سورية قبل شهور.
توقيع اتفاق تاريخي مع أرمينيا بعد عداوة تاريخية؛ بسبب ما يتذرع به الأرمن من مذابح في عهد الخلافة العثمانية ضد السكان الأرمن.
تهدئة الأوضاع على الحدود الجنوبية الشرقية مع العراق، وزيارة تاريخية للبصرة وأربيل وفتح قنصلية والتمهيد لأخرى، وفتح الحدود لعودة اللاجئين الأكراد إلى قراهم في جنوبي تركيا، في إطار الخطة الموضوعة لإنهاء المسألة الكردية؛ باحترام الثقافة الكردية، والسماح بقيام أحزاب كردية، وتعليم اللغة الكردية كلغة ثانية في المناطق الكردية، والسماح بإذاعات وتلفزيونات كردية، إلخ. 
زيارة طهران، والإقرار بحق إيران في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية.
زيارة باكستان، والاعتراض على السياسات العربية والأمريكية فيما يتعلق بالأمن والاستقرار في أفغانستان وباكستان، رغم قيادة تركيا لحزب «الناتو» في هذه الآونة.
السعي الجاد للقيام بأدوار إقليمية في كثير من الملفات الشائكة.
التوتر الحاصل في العلاقات شبه الاستراتيجية مع العدو الصهيوني، وإلغاء المناورات المشتركة والاعتراض العلني على السياسات الصهيونية في غزة والقدس؛ مما أدى إلى شهادات متتالية من حركة «حماس» ثم «حزب الله» وإشادة بالدور التركي؛ مما أدى للاستنجاد بهم للتدخل حيث يغيب العرب أو يتواطأ بعضهم ضد المصالح والثوابت الفلسطينية.
كانت تلك المشكلات والتوترات من ميراث الجمهورية الأولى التي أرساها «أتاتورك» عام ۱۹۲۳م، عندما ألغى السلطنة ثم الخلافة الإسلامية العثمانية عام ١٩٢٤م، وزرع بذرة القومية التركية المتطرفة، وحاول إغلاق تركيا على حدود متوترة مع كل أو معظم دول الجوار من اليونان إلى روسيا. 

الحسنة الوحيدة -إن كان له حسنات- هي أن «أتاتورك» بذر بذرة نظام ديمقراطي في جو علماني صارم، صحيح أنها كانت ديمقراطية متعثرة بسبب تدخل الجيش باستمرار في انقلابات متتالية عليها، إلا أن نزاهة الانتخابات، وحرية تشكيل الأحزاب، ووعي ونضج الشعب التركي، وتمسكه بجذوره الإسلامية ورسوخ العقيدة الإسلامية في قلوب الأتراك، وتصميم وعزم رواد الحركة الإسلامية باختلاف فصائلها من: «سعيد النورسي»، و«نجم الدين أربكان»، و«فتح الله كولن» وانتهاء بـ«عبد الله جول»، و«رجب طيب أردوغان» على الاستمرار في العمل والتقدم خطوة بعد خطوة رغم كل العثرات والمشكلات، كل ذلك أدى إلى تطورات مهمة وعظيمة، نشهدها اليوم في تركيا التي يمكن أن تكون جسرًا بين العالم الإسلامي والغرب؛ لإنهاء عداوة تاريخية ما زالت قائمة بسبب الحروب المتتالية في العراق، وأفغانستان، والاحتلال الصهيوني للمقدسات الإسلامية وأرض فلسطين، والنزاعات المستمرة التي تشتعل بفعل التدخلات الغربية في بلادنا، والاستنزاف المستمر لثرواتنا والتأييد المتواصل للدكتاتوريات الجاثمة على صدورنا.
نجحت تركيا في حل معظم مشكلاتها الحدودية تمهيدا لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، بحيث أصبحت حدودها المتوقعة آمنة، كما نجحت في رسم معالم واضحة لنظامها الديمقراطي، فهل تصبح تركيا النموذج الذي يتعلم منه العرب والمسلمون؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل