; تركيا تعدِّل بوصلة سياساتها تجاه العالم العربي | مجلة المجتمع

العنوان تركيا تعدِّل بوصلة سياساتها تجاه العالم العربي

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الجمعة 01-يوليو-2016

مشاهدات 69

نشر في العدد 2097

نشر في الصفحة 42

الجمعة 01-يوليو-2016

تصريحات صدرت من قيادات تركية في مقدمتهم الرئيس «أردوغان» بضرورة عودة أنقرة لسياستها الواقعية والبراجماتية السابقة

أنقرة تتبنى سياسة «رفع عدد الأصدقاء وخفض عدد الأعداء» في الإقليم والعالم والتي تتضمن مصالحات مع بعض الدول وتدوير زوايا الخلاف مع بعضها الآخر

من أولى الأولويات بلورة شراكات سياسية حقيقية مع تركيا وتطويرها بحيث تخفف الضغوط على أنقرة وتفتح لها هامش المناورة في السياسة الخارجية مرة أخرى

بعد سنوات طويلة من سياسات «تصفير المشكلات» و «القوة الناعمة» للتعامل مع «العمق الإستراتيجي» لها، والذي كان يشمل أول ما يشمل منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، مثَّلت الثورات العربية في عام 2011م نقطة تحول في سياسة تركيا الخارجية نحو المنطقة العربية، تمثلت بالمبادرة والتفاعل في رهان واضح على موجة التغيير في المنطقة. 

اليوم، وبعد أكثر من خمس سنوات على هذه الانعطافة، تبدو السياسة الخارجية التركية في انعطافة معاكسة أو معدِّلة وموازنة للأولى في سياستها المتعلقة بالمنطقة لها أسبابها وتمظهراتها وانعكاساتها المختلفة.

أسباب التغيير

بعد كل هذه السنوات التي انتهجت خلالها تركيا سياسة نشطة ومبادرة في قضايا المنطقة، سيما القضية السورية، ونتج عنها توتر أو انقطاع في العلاقة مع عدد من الدول والأنظمة العربية والإقليمية، صدرت عدة تصريحات من قيادات تركية وازنة تفيد بضرورة عودة أنقرة لسياستها الواقعية والبراجماتية السابقة، في مقدمتهم الرئيس «أردوغان» ورئيس الوزراء الحالي «يلدريم»، والناطق باسم الحكومة «كورتولموش»، ووزير الخارجية «تشاووش أوغلو».

هذه الرؤية بضرورة التغيير والتراجع للخلف خطوات لم تكن وليدة اللحظة ولا نتاج قرار متسرع، بل طبخت على مدى السنوات القليلة الماضية وما حملته من أحداث ومتغيرات في المنطقة ككل، وأهمها:

أولاً: تراجع موجة التغيير في العالم العربي ككل أمام الثورة المضادة ومنظومتها الإقليمية، وهو ما يعني ضمنياً دفع الدول التي دعمتها جزءاً من الثمن، وفي مقدمتها تركيا التي دفعت أثماناً سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية كبيرة. 

انكفاء حركة التغيير والأثمان التي دفعتها تركيا وضعتها أمام استحقاق مراجعة مواقفها وسياساتها الإقليمية بشكل عام.

ثانياً: الإخفاقات التي عانت منها سياسة أنقرة الإقليمية على مدى السنوات الماضية، حيث فشلت في إحداث أي اختراق مهم في قضايا المنطقة المختلفة وأهمها القضية السورية التي تسير تطوراتها على عكس ما تشتهي أنقرة ودون استشارتها، والمشهد المصري الذي يسير باستقرار جزئي لم تؤثر فيه المواقف التركية، والقضية الفلسطينية التي فقدت فيها أنقرة القدرة على التأثير المباشر.

ثالثاً: العزلة التي تعاني منها أنقرة في محيطها، فعلاقاتها مع دول الجوار والدول الإقليمية ما بين توتر وانقطاع، من إيران إلى العراق إلى سورية - النظام، إلى اليونان وأرمينيا وقبرص، إلى مصر والإمارات ودولة الاحتلال «إسرائيل»، فضلاً عن العلاقات غير الجيدة منذ فترة مع الاتحاد الأوروبي والمتوترة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقد توج كل ذلك بالأزمة مع روسيا.

رابعاً: المشروع السياسي الكردي في شمال سورية على يد فصائل تعتبرها أنقرة منظمات إرهابية وتعتبر إنشاء أي كيان سياسي لها على حدودها خطراً على أمنها القومي، وهو مشروع مدعوم وبقوة من حليفة تركيا المفترضة واشنطن، وخصمتها اللدودة موسكو، الأمر الذي وضع تركيا في موقف دفاعي يحاول قدر الإمكان حماية حدودها وأمنها القومي.

خامساً: التطورات الداخلية المتلاحقة وفي مقدمتها التصعيد العسكري من قبل حزب العمال الكردستاني منذ يوليو 2015م وتفجيرات «تنظيم الدولة» (داعش) في بعض المدن التركية وعدة استحقاقات انتخابية وتغيير المشهد القيادي في الحزب الحاكم في البلاد، مما دفعها إلى التركيز على وضعها الداخلي وأشغلها و/أو أعجزها عن التأثير في الإقليم.

متغيرات متزامنة: نتيجةً لكل هذه التطورات، يبدو أن قرار أنقرة قد وضع على سكة التطبيق العملي، ويبدو أن تغيرات السياسة الخارجية التركية قد سارت منذ فترة وما زالت تسير في ثلاثة مسارات متزامنة ومتوازية.

الأول: تغيير منظومة التحالفات التركية في المنطقة بشكل تدريجي وبطيء، والاتجاه نحو شراكات جديدة في الإقليم، فبعد رهان تركيا في بدايات عام 2011م على دول الثورات العربية وفي مقدمتها مصر لصياغة نظام إقليمي جديد يكون لها فيه دور الريادة، ثم سنوات من التنسيق الحثيث مع قطر، يبدو التعاون التركي مع المملكة العربية السعودية منذ تسلم الملك سلمان السلطة العام الماضي قراراً إستراتيجياً لأنقرة، سيما وأن المهددات والفرص والمصالح مشتركة ومتشابهة جداً بالنسبة للطرفين في المنطقة العربية.

الثاني: التخلي عن الاعتماد الكامل والحصري على القوة الناعمة في السياسة الخارجية التركية لصالح المزج التدريجي بين القوتين الناعمة والخشنة، من خلال الاهتمام برفع مستوى التصنيع الدفاعي وتصدير الأسلحة، ورفع وتيرة العمليات العسكرية خارج الحدود وخصوصاً ضد العمال الكردستاني وفي شمال العراق وشمال سورية، إضافة إلى بناء عدد من القواعد العسكرية الخارجية في كل من قطر والصومال والتي تتضمن نشر قوات عسكرية تركية فيها.

الثالث: تبني سياسة «رفع عدد الأصدقاء وخفض عدد الخصوم والأعداء» في الإقليم والعالم والتي تتضمن مصالحات مع بعض الدول وتدوير زوايا الخلاف مع بعضها الآخر، وقد قامت تركيا في هذا الإطار بعدة خطوات ملموسة، في مقدمتها الحرص الشديد من قيادتها السياسية على طي صفحة الخلاف مع روسيا بأسرع وقت ممكن، بما في ذلك تواتر الرسائل الإيجابية التي أرسلتها أنقرة لموسكو والحديث عن بعض الوساطات السرية ودبلوماسية الأبواب الخلفية التي تأمل تركيا أن تفضي إلى نتائج.

من ناحية أخرى، يبدو أن تحسن العلاقات بين أنقرة والرياض إضافة إلى كم المتغيرات في المنطقة على مستوى الثورات العربية ودور حركات «الإسلام السياسي»، أدت إلى نوع من التقارب أو ربما تحييد الخلاف بين تركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة التي عاد سفيرها قبل أيام إلى أنقرة بعد سنوات من الغياب، في ظل الحديث عن صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين.

وأما عملية تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال فقد وصلت إلى مراحل متقدمة ويتوقع أن يتم الإعلان عن اتفاق مبدئي للمصالحة المرتقبة بين الطرفين خلال أيام من كتابة هذه السطور، حسب ما رشح من الجانبين، وفق معادلة تساهم إلى حد ما بتخفيف الحصار عن قطاع غزة وليس رفعه أو كسره تماماً. 

فيما تبقى العلاقة مع النظام في مصر في انتظار جهوزية الأخير لاستحقاقات المصالحة التي يفترض أن تتضمن توفيراً لحد أدنى من الحريات في مصر و/أو مصالحة داخلية قد تسعى لها أنقرة بين يدي التقارب مع القاهرة، وهو أمر مستبعد في ظل حالة عدم الاستقرار التي يعاني منها نظام «السيسي» حتى الآن.

 

الانعكاسات والمطلوب عربياً

لقد اكتنفت أزمة إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر 2015م وتداعياتها المتسارعة خسارتين إستراتيجيتين بالنسبة لأنقرة، أولاهما عسكرية - ميدانية أمام روسيا في سورية، والثانية سياسية - إستراتيجية أمام حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة على مستوى خيارات السياسة الخارجية وهامش الاستقلالية في القرار، بحيث تراجعت تركيا من مرتبة الدولة الإقليمية المؤثرة والمقررة في المسألة السورية وغيرها من قضايا المنطقة إلى مرتبة الدولة الجارة المتأثرة بها ومجرد ترس في ماكينة التحالف الغربي.

حين نضيف إلى هذا التطور الإستراتيجي مجمل ما ذكر آنفاً من أسباب وسياقات وتمظهرات لما يمكن تسميته بإعادة ضبط بوصلة السياسة الخارجية التركية في المنطقة، يمكن القول بأريحية بأن تركيا عام 2016 ليست أبداً تركيا عام 2010م وما قبلها لا من حيث الإمكانات ولا من حيث الإرادة السياسية.

بيد أن هذه المتغيرات لا تعني بأن تركيا ستبدل مواقفها من قضايا العالم العربي 180 درجة، لكن سقوف الدعم والخطاب والمقاربة ستختلف بشكل واضح على المديين القريب والمتوسط في أغلب القضايا المطروحة، سيما السورية والمصرية، بحيث تعود تركيا مجدداً لبناء جسور التواصل مع جميع الأطراف سعياً لتخفيف الضغط عنها وفتح آفاق للعب أدوار مؤثرة لم تكن ممكنة خلال فترة قطع العلاقات أو توترها مع بعض الأطراف الفاعلة.

من ناحية أخرى، يجب التفريق بشكل واضح بين ما هو سياسات الدولة التركية التي لن يطرأ عليها كثير تغير في المدى القريب مثل استضافة اللاجئين واستقبال بعض المعارضين السياسيين من دول العالم العربي المختلفة، وبين ما هو سياسات الحكومة والحزب الحاكم التي يمكن أن تتبدل ولو جزئياً مثل سقف الخطاب المتاح لوسائل الإعلام العربية التي تبث من الأراضي التركية أو إمكانات العمل السياسي للشخصيات المعارضة المقيمة هناك.

في الخلاصة، يبدو أن تركيا متجهة للعودة إلى سياسة أكثر براجماتية وواقعية وعقلانية فيما يتعلق تحديداً بقضايا المنطقة والعالم العربي بما يخفض من سقفي خطابها ومواقفها، الأمر الذي يفرض على دول المنطقة وشعوبها وقواها مسؤوليات يجب أن تضطلع بها للتخفيف من حدة الاستدارة التركية ومحاولة عكس هذا الاتجاه لديها، باعتبار أن بعض الأسباب التي أدت لهذا القرار يمكن عكسها أو على الأقل التخفيف من حدتها.

من أولى الأولويات على مستوى الدول بلورة شراكات سياسية حقيقية مع تركيا وتطويرها بحيث تخفف الضغوط على أنقرة وتفتح لها هامش المناورة في السياسة الخارجية مرة أخرى، فضلاً عن ملف أمن الطاقة الذي يعتبر أساسياً لدى تركيا - المتعمدة فيه على خصميها روسيا وإيران بشكل كبير - والذي يمكن لدول الخليج خاصة ممارسة دور مؤثر فيه، فضلاً عن الملف الاقتصادي - السياحي بشكل عام.

ومن مسؤوليات القوى الفاعلة في العالم العربي من تيارات وشخصيات تعميق العلاقة مع تركيا من مستوى الأشخاص إلى مستوى المؤسسات، ومن التواصل مع الحزب الحاكم حصراً إلى التعارف والتواصل بل والتعاون مع مختلف الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والعمل الأهلي والجامعات ومختلف المؤسسات التركية، بما يمكن أن يشكل على المدى البعيد جماعات ضغط وشبكة أمان للقضايا العربية والتفافاً جماهيرياً ونخبوياً أوسع سيساعد العدالة والتنمية على البقاء ضمن الخطوط العامة التي رسمها في السياسة الخارجية على مدى سنوات طويلة من خلال حرصه على التناغم في سياساته ومواقفه مع نبض الشارع التركي.

إن تركيا اليوم أمام مرحلة فارقة في مقاربتها لملف السياسة الخارجية سيما ما يتعلق بالعالم العربي منه، وهو ما يضعها أمام مسؤوليات ضخمة، لكنها لا تقل أهمية ومحورية وخطورة عن مسؤولية العالم العربي بمختلف مستوياته إزاء هذه التطورات، إذ إن مستقبل كل دول وشعوب المنطقة بات مرتبطاً ببعضه بعضاً أكثر من أي زمن مضى.>

الرابط المختصر :