العنوان تركيا تغازل أمريكا لتبديد غيوم المساومات!
الكاتب طه عودة
تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2005
مشاهدات 62
نشر في العدد 1648
نشر في الصفحة 32
السبت 23-أبريل-2005
تحت رقابة أنقرة: «أنجرليك» للاستخدام اللوجستي والترانزيت
واشنطن تريد قاعدة حرة ومريحة ليس لتركيا أي رقابة عليها.
الحكومة التركية تعمل بحذر شديد خوفًا من إثارة النقمة الشعبية ضدها.
أوشكت المساومات الحساسة التي تجري بين تركيا والولايات المتحدة حول قاعدة إنجرليك التركية على الانتهاء، فيما يؤكد مسؤولون أتراك أن المشكلة الأساسية التي تؤخر المساومات تكمن في إصرار واشنطن على الاستخدام اللامحدود للقاعدة لأغراض لوجستية، مع رفض وضع أي توقيت زمني لبقائها.
وقد تبادر إلى مسامعنا أن المفاوضين الأتراك يستعدون لاحتمال أن يطلب الجانب الأمريكي أيضًا نشر قوة من الجنود في إنجرليك لاستخدامها في العمليات العسكرية العاجلة.. إلى جانب طلب الاستفادة من مطارين عسكريين تركيين في ديار بكر وموش كمطاري احتياط لتسهيل ارتباطها بقواعدها في جورجيا وأوزبكستان.
وتستعد أنقرة لإصدار قرارها بشأن قاعدة إنجرليك تحت ضغوط أمريكية قاسية. ومما لا شك فيه أن موافقتها ستسعد واشنطن وتحثها على اتخاذ بعض الخطوات الإيجابية تجاهها سيما أن الأنباء الأخيرة التي تحدثت عن الاحتمال القوي لموافقة أنقرة على الطلب الأمريكي قد بدأت تأتي بمفعولها على جبهة واشنطن، حيث نقلت الوكالات التركية عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية قولهم إنهم بينما يتقبلون بحقيقة وجود توتر في علاقات البلدين حاليًا إلا أنهم يؤكدون بأنه ليس بالدرجة العميقة وأن الطرفين حريصان على إذهابه من خلال التعاون المشترك وتعزيز الثقة المتبادلة.
ويمكن القول إن جو التفاؤل هذا هو بالمثل في تركيا، ففي أنقرة تواجه حكومة حزب العدالة والتنمية موقفًا صعبًا بسبب إصرار واشنطن على استخدام القاعدة من دون قيود أو شروط وضمن هذا الإطار، فإن أنقرة تناول هذا الطلب بحذر شديد خوفًا من إثارة النقمة الشعبية ضدها من جهة ولاحتواء سخط أمريكي عليها من جهة أخرى، لذا فإن موافقتها المحتملة ستبقى مشروطة، حيث ستسمح للطائرات الأمريكية بالهبوط والإقلاع من إنجرليك لنقل المعدات للقوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، شريطة ألا تشمل هذه المعدات أسلحة ثقيلة، هذا بالإضافة إلى أن ضباطًا أتراكًا سيشرفون على عمليات شحن كل طائرة.
قاعدة للترانزيت
واستنادًا إلى بنود مشروع الاتفاق، تستطيع الطائرات المدنية والعسكرية استخدام إنجرليك للترانزيت شرط ألا تحمل سوى معدات لوجيستية غير قاتلة، كما سيكون عليها إبلاغ السلطات التركية بخط سيرها، لكنها لن تكون ملزمة بطلب تصريح لكل رحلة، ولن يتطلب هذا الاتفاق موافقة البرلمان التركي لأنه يندرج في إطار قرار سابق المحكومة يسمح باستخدام هذه القاعدة للنقل اللوجيستي والإنساني المتجه إلى العراق وأفغانستان.
في الوقت ذاته لمّح رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى الموافقة التركية المبدئية على الطلب الأمريكي باستخدام قاعدة أنجرليك للدعم اللوجستي في العراق وأفغانستان، وقال إنه لا مانع من تقديم الدعم إلى الولايات المتحدة في إطار ملحقات اتفاقية التعاون الاقتصادي والدفاعي في الناتو وضمن الحدود المرسومة في الأمم المتحدة، أما وزير الخارجية عبد الله جول فقد أكد أن بلاده تضع الرتوش الأخيرة على القرار المتعلق بالقاعدة، وبأنها ستعلن عن جوابها النهائي في وقت قريب جدًا، وقال إن الحكومة التركية تعكف حاليًا على دراسة الاقتراحات الأمريكية بشأن استخدام قاعدة «أنجرليك» وبأنهم حاليًا بصدد إجراء بعض التعديلات على القرار بناء على طلبات متبادلة. وفيما يتعلق بمسألة أنجرليك، قال غول إن هناك مطالب متبادلة بين تركيا وأمريكا، وأنهم يعكفون حاليًا على دراستها وتعديلها لترضي الجانبين وأن القرار النهائي بشأن القاعدة سيصدر في أقرب وقت ممكن.
تبديد الغيوم
من الواضح أن أنقرة تعتقد أن الاستخدام الأمريكي لقاعدة إنجرليك سوف يضفي طابعًا جديداً من الراحة والأمان على العلاقات التركية الأمريكية، وتأمل بأن تسهم هذه المغازلة التركية لأمريكا في تبديد الغيوم السوداء التي اكتنفت علاقات أنقرة بواشنطن بعد رفض البرلمان التركي مذكرة الأول من مارس العام الماضي، وبهذه المغازلة، فإن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان يكون قد ضمن لنفسه استقبالًا حارًا في البيت الأبيض لدى لقائه الرئيس الأمريكي جورج بوش خلال الزيارة التي سيجريها في مايو القادم إلى واشنطن.
المفاجأة الكبرى
كانت المفاجأة الكبرى عندما نشرت الصحف التركية خبرًا أكدت فيه أنه بينما كانت أنقرة تستمهل الولايات المتحدة طيلة الأشهر التسعة الماضية، وتؤخر الرد عليها، تبين بأنها طيبت خاطر إنجلترا باستصدار إذن خاص وسريع لمنحها حق استخدام قاعدة إنجرليك لأغراض لوجيستية وقالت الصحف إنه رغم الموافقة المبدئية من قادة تركيا على الاستخدام الأمريكي القاعدة أنجرليك، إلا أنهم فضلوا استمهال الإجابة لتسعة أشهر مقابل موافقتهم السريعة على الطلب الإنجليزي باستخدام القاعدة لإحلال ونقل جنود ومعدات عسكرية. وقالت الأنباء إن جول سلم نظيره الإنجليزي جاك سترو رسالة «الموافقة التركية على الطلب الإنجليزي» خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى لندن في مارس الماضي.
ويمكن القول إن هذه الموافقة التركية هي لنَيِل الرضا والاستحسان الإنجليزي على أوروبية تركيا بما أن إنجلترا ستتولى الرئاسة المرحلية للاتحاد الأوروبي اعتبارًا من يوليو القادم. هنا تجدر الإشارة إلى أن إنجلترا تستخدم حاليًا مطارات أنقرة وطرابزون وكونيا لنقل جنودها وطائراتها للشحن ومعداتها العسكرية من وإلى العراق وأفغانستان وبهذه الموافقة الجديدة أصبح بإمكانها استخدام قاعدة أنجرليك أيضًا.
وتعد أنجرليك أكثر القواعد العسكرية شهرة في تركيا مع دخول تركيا إلى حلف الناتو في إطار اتفاقية ١٩٥٤م، وتعتبر هذه القاعدة من أهم القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، وقد استخدمت بشكل واسع في الحرب على العراق. كما تعد من أضخم القواعد الجوية لحلف الأطلسي المقامة على الأراضي التركية، تقع أنجرليك على أبواب مدينة أضنة وتسمح تجهيزاتها من الطائرات والصواريخ وأجهزة الاتصال الرادارية المتطورة والبعيدة المدى.. إضافة إلى وجود الآلاف من الجنود الأمريكيين بالسيطرة على أجواء الجزء الشرقي من البحر المتوسط والقيام بمهماتها المخصصة للهجوم والدفاع.
إصرار أمريكي
الإصرار الأمريكي على استخدام قاعدة «أنجرليك» مقلق بالفعل وخصوصًا أن واشنطن فتحت كل ما لديها من أبواب جهنمية ضد تركيا لتجبرها على الموافقة على طلبها، وذلك من أول التلويح بعصا صندوق النقد الدولي، مرورًا بما يسمى بالإبادة الجماعية للأرمن حتى استقلال البطريركية في إسطنبول ومدرسة الرهبان إلى آخر المسألة القبرصية».
ومن هذا المنطلق يتبين لنا أن الولايات المتحدة تضغط اليوم للحصول على «أنجرليك» بشكل مختلف جدًا عن استخداماتها السابقة. فهي تريد «أنجرليك» حرًا ومريحًا لها لا يكون فيه أي رقابة تركية على تحركاتها أو طريقة استخدامها للقاعدة. وعندما تنظر إلى هذا الإصرار وتقارنه بامتلاك أمريكا قواعد عسكرية مهمة في العراق وأفغانستان وجورجيا.. فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تنحر واشنطن وتفحر من أجل هذه القاعدة التركية وهي التي تملك في العراق وحده قواعد عسكرية فيها ١٥٠ ألف جندي؟ فإذا كان الأمر متعلقًا فقط بمهاجمة إيران وسورية، فإن واشنطن قادرة من العراق على تحقيق هذا الهدف، لذا فإن أول ما يخطر على البال أن هناك لعبة خطيرة تحاك ضد تركيا تماثل في مضمونها اللعبة التي مارسها الغرب على الإمبراطورية العثمانية لإقحامها في الحرب العالمية الأولى.