العنوان فتاوى المجتمع (عدد 603)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يناير-1983
مشاهدات 75
نشر في العدد 603
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 11-يناير-1983
حكم التسعير في الإسلام
س 1: ما حكم الشرع بقضية التسعير للبضائع في الأسواق؟ وهل يجوز للحكومة أن تسعر للتاجر، وتلزم التجار بسعر معين؟ علمًا أني سمعت من بعض العلماء بجواز التسعير! فهل هناك نص شرعي على ذلك عند الأئمة الفقهاء؟
عبد العزيز الفهد- الكويت
«وقد أجاب على السؤال الدكتور محمد الأشقر- الخبير في الموسوعة الفقهية: -
الإجابة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فأقول وبالله التوفيق:
إن معنى التسعير في الفقه هو تحديد «السلطة الحاكمة» ثمنًا معينًا للسلع التي يراد بيعها؛ بحيث لا يظلم المالك ولا يرهق المشتري.
وقد اختلف الرأي في الفقه الإسلامي عند الفقهاء حول هذه المسألة إلى رأيين.
الرأي الأول يقول بتحريم التسعير، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك وأصحاب أحمد وابن حزم الظاهري والشوكاني وعامة الفقهاء، والرأي الآخر يرى عدم تحريمه وجواز التسعير في كل الحالات، وهو قول سعيد بن المسيب وربيعة بن عبد الرحمن
ويحيى بن سعيد الأنصاري وهم من فقهاء المدينة.
والأصل في هذه المسألة أنه يروى في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه أنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أسعر لنا، فقال: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال» رواه الخمسة إلا النسائي، وهذا لفظ الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رجلًا جاء فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل أدعو، ثم جاء رجل، فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة».
فاستند أصحاب الرأي الأول إلى هذه الأحاديث، واستنبطوا منها حرمة تدخل الحاكم في تحديد سعر السلع؛ لأن ذلك مظنة الظلم، وحجر على الناس في ملكيتهم الخاصة، وهذا حجر منافٍ لهذه الحرية، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: ﴿إلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ (النساء: 29). والأصل في الملكية هو حرية المالك في التصرف فيما يملك كيف شاء، يروي الشافعي في كتابه «الأم» عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مرَّ بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما، فقال له: مدين لكل درهم- المد كيل- فقال عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبيا وهم يفترون بسعرك، فإما أن ترفع وإما أن تدخل زبيبيك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبًا في داره، فقال له: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع. «قال الشافعي: إنه يقول بهذا الحديث عن عمر رضي الله عنه؛ لأن الناس مسلطون على أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب أنفسهم، إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها».
ويرون أن علة تحريم التسعير في التضييق على الناس في أموالهم، وأنه مظلمة، كما في الحديث الذي أوردناه، يقول الشوكاني في هذا: «إن وجه تحريم التسعير كمظلمة أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن»، وبذلك يقول ابن قدامة في كتابه «المغنى» في حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهم.. فوجه الدلالة من وجهين، أحدهما أنه لم يسعر- أي النبي صلى الله عليه وسلم- وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه، والثاني أنه علل بكونه مظلمة والظلم حرام، ولأنه ماله فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان، كما اتفق الجماعة عليه، قال: بعض أصحابنا- يعني الحنابلة- التسعير سبب الغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدًا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها، ويكتمها، ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلًا، فيرفعون في ثمنها؛ ليصلوا إليها، فتغلو الأسعار، ويحصل الأضرار بالجانبين، جانب الملاك فما منعهم من بيع أأملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضهم فيكون حرامًا».
أما الرأي الآخر فيرى أصحابه أن التسعير ضرورة في كل الحالات، وهم سعيد بن المسيب وربيعة بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويرى من ناصرهم أن في حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم ينه عن التسعير، ولم يقل: «لا تسعروا» أو «لا يحل التسعير أو ما شابه ذلك.. إلخ، إنما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله هو المسعر القابض الباسط... الخ، وغاية ما فيه تفويض الأمر لله رب العالمين.
ولابن تيمية رأي في هذه المسألة وهو يرى، إن التسعير منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز.
فيقول ابن تيمية.. فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعارضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز؛ بل واجب.
فأما الأول فمثل ما روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي روى في سنن الترمذي وأبي داود ورواه أحمد وغيرهم، فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق، وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة- للسلعة- فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به، وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون، أن لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع إما ظلمًا لوظيفة- أي ضريبة- تؤخذ من البائع أو غير ظلم؛ لما في ذلك من الفساد، فههنا يجب التسعير عليهم، بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد العلماء؛ لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو يشتروا بما اختاروا؛ كان ذلك ظلمًا للخلق من وجهين، ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال، وظلمًا للمشترين منهم، والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته إلزامهم أن لا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل، وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة، فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق، يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة، والإكراه على أن لا يبيع إلا بثمن المثل لا يجوز إلا بحق»، والذي نراه ونرجحه هو رأي ابن تيمية وهو يتضمن المبادئ الأربعة الآتية:
القاعدة العامة في التسعير أنه ظلم وحرام.
التسعير واجب في السلع الضرورية المحتكرة أو التي أعطيت امتيازات إنتاجها أو توزيعها لجهات معينة.
يجوز التسعير في السلع الضرورية وإن كان بسعر التكلفة أو أقل، على أن تقوم الدولة بتعويض التجار بما يضمن لهم ربحًا معقولًا.
إذا تمالأ أصحاب سلعة معينة على رفع السعر يجوز التسعير عليهم.
والله أعلم
الإسلام وتجديد عقد الزواج
امرأة أسلمت قبل زوجها ثم أسلم الزوج فهل يجب عليهما تجديد العقد علمًا بأنهما تزوجا بعقد مدني
إبراهيم العيسى- قطر
وقد أجاب على هذا السؤال فضيلة الشيخ عبد الفتاح عثمان إبراهيم بالآتي:
للإجابة على هذا السؤال نقول وبالله التوفيق
ورد من الأحاديث ومن أقوال العلماء ما يفيد جواز استمرار العلاقة الزوجية دون حاجة إلى عقد نكاح جديد، ويتضح ذلك ما يلي:
روى أحمد وأبو ذر وابن ماجه «عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول لم يحدث شيئًا، وفي لفظ «رد ابنته زينب على أبي العاص، وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول، ولم يحدث شهادة ولا صداقًا» رواه أحمد وأبو داود وكذلك الترمذي وقال فيه: «لم يحدث نكاحًا». وقال: هذا حديث ليس بإسناده بأس، وعن ابن شهاب «أنه بلغه أن ابنة الوليد بن المغيرة كانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانًا، وشهد حنينًا والطائف وهو كافر وامرأته مسلمة، فلم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، حتى أسلم صفوان واستقرت عنده بذلك النكاح، قال ابن شهاب: وكان بين إسلام صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر» مختصر من الموطأ لمالك، وعن ابن شهاب «أن أم حكيم ابنة الحارث بن هشام أسلمت يوم الفتح بمكة، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت على زوجها باليمن، ودعته إلى الإسلام، فأسلم وقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبايعه مثبتًا على نكاحهما ذلك. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقوم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها» رواه عنه مالك في الموطأ.
هذا وقد قال ابن القيم في الهدى ما محصله: إن اعتبار العدم لم يعرف في شيء من الأحاديث ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل المرأة هل انقضت عدتها أم لا، ولو كان الإسلام بمجرده فرقة لكانت طلقة بائنة ولا رجعة فيها، فلا يكون الزوج أحق بها إذا أسلم، وقد دل حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح موقوف، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من تشاء، وإن أحبت انتظرته، وإذا أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح، وقال: ولا نعلم أحدًا جدد بعد الإسلام نكاحه البته؛ بل كان الواقع أحد أمرين: إما افتراقهما ونكاحها غيره، وإما بقاؤهما على النكاح الأول إذا أسلم الزوج، وإما تنجيز الفرقة أو مراعاة العدة، فلم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بواحد منها مع كثرة من أسلم في عهده، وقد أخذ بهذا الرأي الخلال وأبو بكر صاحبه وابن المنذر وابن حزم، وهو قول عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وابن عباس. أهـ بتصرف من كتاب نيل الأوطار، وعلى هذا فالنكاح مستمر ولا ضرورة لتجديد العقد والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل