; هذا فعل خبيث ومحرم! | مجلة المجتمع

العنوان هذا فعل خبيث ومحرم!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1983

مشاهدات 75

نشر في العدد 631

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 02-أغسطس-1983

في رسالتين متتابعتين ذكرت لنا امرأة أن زوجها يكرهها على ممارسة الجنس في المحل المكروه..  وعلى الرغم من ممانعتها وتركها لمنزل الزوجية مرارا فارة منه إلى بيت أهلها إلا أن زوجها بعد كل مصالحة يكرهها على هذا الإتيان الخبيث..  والسائلة تسأل عن تفصيل موقف الشرع الإسلامي من هذه القضية.

وبعد إحالة سؤال السائلة إلى فضيلة أ. د محمد عبد القادر محمد، وافانا بهذه الإجابة الوافية مشكورًا:

هذه الشريعة نظيفة طيبة، قامت على النظافة الروحية والمادية، واستهدفت في أحكامها الطيب، ونفث الخبيث.

وامتدحت أتباع النبي الأمي الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، وقررت أن رحمة الله- سبحانه وتعالى- مكتوبة مقدرة لهؤلاء. 

فتناول الطيب الحلال، من المأكل والمشرب والملبس، والمسكن، وفعل الطيب الصالح من ضروب العبادات، وصنوف التعامل، وألوان البر. وإحسان ممارسة الطيب من المباحات، وحظوظ النفس. من مقاصد هذا الدين..  حتى اللقمة تسد بها الجوعة، والشربة من الماء يطفأ بها الظمأ. والنطفة يعف بها الجنس، للدين فيها تدبير خاص وبر سام وهدى فريد.

والماديون الهابطون لا يعرفون من المادة إلا الاستجابة للرغبات الجسمية الملحة، وإشباعها بأي وجه والإسلام يستجيب إلى الرغبات، كذلك. ولكن في نظافة وسمو وفي بر وأجر، وتكييف للعادة، يقلبها طاعة الله- -عز وجل-.

استمع إلى هذه الهمسة النبوية الفريدة النادرة: «وفي بضع أحدكم صدقة»، واصغ إلى حف الاتصال الجنسي بهذا التوجيه النبوي الرفيع: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله. اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه أن يقدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره الشيطان أبدا». رواه البخاري.

الإسلام يعرف هذه النزعات الغريزية النفسية، لكن له حيالها موقفا فريدا، مهذبا أخاذا، لا يدانيه فيه غيره، ومن ثم لا يعرف فيه الإباحة ولا الشيوع المطلق، لأنه يتخذ من الغريزة هدفا حيا، وإصلاحا اجتماعيا، وتكوينا خاصا يتسق مع طبيعة تشريعه النظيف البناء. 

إن الجنس في الإسلام ليس لري الظمأ، ولا لإطفاء السعار والأداء، بل هو للإنجاب والبناء. ويحصل معه الإرواء، وغض البصر، وإحصان الفرج.

والذين يمارسون الجنس ريا واقتحاما. يتنكبون به عن مقاصده الشريفة العفيفة ويتخوضون في مستنقعات آسنة. يتلونون بها ويلوثون.

فهذا قول العزيز الحكيم: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ (البقرة: 222-223)

والحرث موضع الولد بتفسير ابن عباس: ففي الآية تشبيه تمثيل بليغ: فالمرأة كالأرض، والنطفة كالبذرة والولد هو القصد: النبت والثمرة. 

فليست المرأة لقضاء الوطر، فحسب، كما يظن الماديون، وإلا لأطلق الاتصال الجنسي، لكنه مقيد بأمور: أن يكون في موضع يكون منه ولد، وهذا الذي أمرنا به الله، ولابد أن يكون الموضع المأتي نفسه نظيفا طاهرا، فلا يجوز مس الحائض لتلوث الموضع بالدم النجس. ولابد أيضا أن يكون الاتصال بعد تطهر الحائض واغتسالها بالماء ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ (البقرة: 222)

وإنه بمراعاة هذه القيود، يرتقي الجنس ويكون الاتصال حينئذ طهارة في طهارة، وعفة في عقة، وطيبا في طيب. 

فأين هذا من استباحة الموضع المكروه في الاتصال الجنسي؟ إنه حيوانية مغلظة، ولوثة في الجنس، وقذارة جنسية في موطن القذر.

ولهذا أنكره العلماء والفقهاء، من السلف والخلف، وأطلق بعضهم على هذا الفعل المنكر: الكفر، مبالغة في التحريم والتحذير، وممن ثبت عنه الإنكار: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب. وأبي سلمة، وعكرمة، طاووس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد والحسن، وغيرهم كثير، لا يعلم لهم مخالف يعتد بخلافه. 

ونقل القرطبي في تفسيره من النصوص، ما يشير إلى أن المأتي مقصور على موضع الولد. لا الموضع المكروه، وقال: وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم. ولأن القذر والأذى في موضع النجو «الغائط» أكثر من دم الحيض، فكان أشنع».

ثم قال بعد ذلك رحمه الله، مستدلا على التحريم-.

«بأحاديث صحيحة حسان وشهيرة، رواها عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه: «تحريم المحل المكروه». 

وقد روى عن خزيمة بن ثابت، قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في إعجازهن».

وفي حديث أبي هريرة: «من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة» وفي حديث عمر بن شعيب عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: «تلك اللوطية الصغرى»

قال طاووس: كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن.

قال ابن المنذر- وهو من كبار- وثقات الحنابلة-: وإذا ثبت الشيء عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- استغنى به عما سواه.

ومن أجل ذلك فسر الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء وأئمة الفتوى قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ (البقرة: 223) بأن أنى هنا بمعنى كيف شئتم وأن المعنى باشروا النساء مقبلات ومدبرات ومستلقيات على أي وجه شئتم، بعد أن يكون ذلك في موضع الولد.

 وقد روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم. إنه قال لبعض الصحابة لما نزلت هذه الآية: «أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة» كما رواه الترمذي وحسنه. 

ولا بد من الإشارة إلى الاختتام الحسن الذي ذیلت به هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (البقرة: 223) أي قدموا ما ينفعكم غدا، من الطاعة وحسن العمل، واتقوا الله، فيما أمركم به ونهاكم عنه من إحسان الوقاع، واعلموا أنكم ملاقوه، فهو مجازيكم على ما فعلتم بتوصياته لكم بشأن ملابسات الجنس: بالخير والجنة إن بررتم وبالشر والنار إن عصيتم وأثمتم وبشر المؤمنين الذين يبرون ويتبنون سنن الهدى والرشاد. 

بقي أن نشير إلى بعض الأحكام الشرعية التي تترتب على الولوغ في هذه القذارات، فمنها.

1 - أنه لا يحد من فعل ذلك في زوجته، لأنه له في ذلك شبهة، لكنه يعزر.

2 - يجب به الغسل، لأنه إيلاج في فرج.

3 - حكمه حكم الوطء في القبل، فيفسد العبادة، كالصوم مثلا، ويتقرر به المهر.

4 - إذا وطيء أجنبية عنه في ذلك المحل القذر يحد حد اللواطة. 

ولا بد هنا من الإشارة إلى حال خاصة، تعتبر تلذذا، ولا تعد قذارة: فقد نص الحنابلة، على أنه:

«لا بأس بالتلذذ بما بين الأليتين، من غير إيلاج. لأن السنة إنما وردت بتحريم الدبر، فهو مخصوص بذلك. ولأنه حرم لأجل الأذى وذلك مخصوص بالدبر، فاختص التحريم به».

وصاغ الشافعية ذلك استثناء من قاعدة عامة، وقالوا: «كل محرم فحريمه «أي ما قاربه واتصل به مما يتم نفعه» حرام، إلا دبر الزوجة، فإنه محرم وصرحوا بجواز التلذذ بحريمه، وهو ما بين الأليتين» نص عليه السيوطي في أشباهه. 

ومن هذين النصين يؤخذ جواز التلذذ فقط. بعيدا عن الإيلاج في المحل المكروه، ويتضح أن ما سواه محرم منهي شرعا، لا يجوز فعله بوجه ما. ولا يجوز لكلا الزوجين أن يلم به، ولا يجوز للزوجة -في السؤال المذكور- مطاوعة زوجها عليه، لأنه معصية. «ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». 

  • لكن هل يعتبر هذا الفعل الشنيع سببا يستوجب للزوجة حق طلب التفريق بينها وبين زوجها قضاء، باعتباره ضررا واقعا عليها، لا يقره الشرع؟

- من الفقهاء، كالحنفية والشافعية ورواية عند الحنابلة من لا يستجيز التفريق بين الزوجين للضرر، مهما كان شديدًا، ومهما كان نوعه، قولا أو فعلا، ولو كان إهانة، أو ضربا، أو شتما، أو حملا على فعل ما حرم الله، كالذي هنا، لأن هذا الضرر تمكن إزالته عند هؤلاء بغير الطلاق، فالزوجة التي ابتليت بهذا الزوج الشاذ، ترفع أمرها إلى القاضي. وهو يأمر الزوج بحسن العشرة، وترك الإيذاء. والإضرار بهذا الفعل البغيض المحرم، فإن لم يستجب لذلك، وأصر على إثمه أدبه القاضي بما يراه كفيلا بزجره وردعه عن ذلك، ولو كان ذلك بالحبس أو الضرب أو التشهير به أو نحو ذلك.  ومن الفقهاء كالمالكية من يجيز التفريق بين الزوجين بسبب الضرر الذي لا يقره الشرع، لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار».

وبهذا القول أخذ قانون الأحوال الشخصية الكويتي، فأجاز للزوجة في مثل هذا الحال طلب التفريق بينها وبين زوجها بسبب هذا الضرر قضاء. وعلى المحكمة أن تبذل جهدها لإزالة الضرر. 

وذلك عن طريق التحكيم باختيار حكم من أهلها وحكم من أهله للتعرف على حقيقة الأمر، ورفع الضرر. فإذا لم يتمكن الحكمان من رفع هذا الضرر- بعد التعرف عليه والتأكد منه- لرسوخ الشذوذ في مسلك الزوج، وإصراره على الاستمرار فيه، قررا التفريق بينها وبين زوجها بطلقة واحدة بائنة، وإلزام الزوج بجميع الحقوق المترتبة على الزواج والطلاق من بعده: كمؤجل المهر، ونفقة العدة، وأجرة حصانة الصغار- إن كان لها منه أولاد- حتى يبلغوا سنا معينة.

هذا. ونسأل المولى جل شأنه- هداية هذا الزوج - وهدايتنا جميعا- إلى الطريق المستقيم. وإن يبصره وإيانا بالحق حقا ويرزقنا جميعا اتباعه والتزامه، وأن يريه وإيانا الباطل باطلا، ويوفقنا جميعا إلى اجتنابه، إنه سميع مجيب. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

959

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 3

153

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة