; قضية أبو مرزوق- أمريكا تشعل فتيل الغضب بعد قرار تسليم موسى أبو مرزوق لإسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان قضية أبو مرزوق- أمريكا تشعل فتيل الغضب بعد قرار تسليم موسى أبو مرزوق لإسرائيل

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

مشاهدات 103

نشر في العدد 1222

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

إن إصرار أمريكا على تسليم الزعيم السياسي لحماس لإسرائيل هو بمثابة إشعال فتيل الغضب والمواجهة في فلسطين المحتلة.

إن أمريكا لها مصالح استراتيجية بالمنطقة العربية ولسنوات طويلة قديمة، وتسليم أبو مرزوق لإسرائيل سوف يؤدي لمزيد من العداوات لها في الشارع العربي والإسلامي.

     مازال د. موسى أبو مرزوق حبيس الزنزانة الانفرادية في أحد سجون مدينة نيويورك منذ اعتقاله في 2٥/٧/1995م في مطار جون كنيدي بعد وصوله هو وأسرته على متن طائرة أقلتهم إلى الولايات المتحدة، وقد أيدت إحدى المحاكم طلب «إسرائيل» تسليمه لها بمقتضى اتفاق لتبادل المتهمين بين الولايات المتحدة وإسرائيل وقع عام ١٩٦٢م، ومنذ ذلك الوقت تبادل الدفاع والاتهام عددًا من المذكرات القانونية، يسعى فيها الطرف الأول لإثبات أن د. أبو مرزوق زعيم سياسي في منظمة تسعى لتحرير بلادها لذا فلا تنطبق عليه الاتفاقية المذكورة، بينما يسعى الاتهام للتدليل على انطباق الاتفاقية على الرجل، وذلك بالتحايل والالتفاف على مواد الاتفاق المذكور، وكان الغرض ليس تحقيق العدالة، وإنما تجريم الرجل.

     إن المطلع على مذكرات الحكومة وهي -مذكرات قام بإعدادها محامو الادعاء– يلمس مدى الاندفاع الشديد الذي اتسمت به روح هؤلاء لتجريم د. أبو مرزوق، وغني عن القول أن القصد في قضايا الدفاع وقضايا الادعاء ليس هو انتصار طرف على طرف بقدر ما هو تعاون الطرفين في الوصول إلى تحقيق العدالة، إن مربط فرس «الدفاع الآن هو التدليل علي أن وضع الرجل كمسؤول سياسي يبعد عنه الطائلة القانونية لهذه المعاهدة التي بنت عليها «إسرائيل» طلب التسليم، ولكن هذا الهدف يقع في إطار نظريتين في القانون الذي يحكم الصراع المسلح «Armed Struggle» إذ تذهب النظرية الأولى مسؤولية القيادة إلى القول بأن القائد يكون مسؤولًا عن أفعال كل أقسام المنظمة التي ينتمي إليها، بينما تذهب نظرية أخرى وهي التي تعمل بها قوانين «إسرائيل» والولايات المتحدة إلى أن القيادة مسؤولة فقط عن عمليات الأقسام التي تقع تحت سيطرتها، وهذه النظرية تقوم على عدم مركزية القيادة. وتقوم الأطر التنظيمية لحركة حماس على هذا الأنموذج.

      إن د. أبو مرزوق -واعتمادًا على نظرية عدم مركزية القيادة- لا يعد مسؤولًا عن الأعمال التي يقوم بها الجناح العسكري لحركة حماس، وعليه فهو في حل من المساءلة القانونية في هذا الجانب.

طلب «إسرائيل» والدوافع السياسية:

     النقطة الثانية الهامة في هذه القضية، والتي تبطل انطباق اتفاق تبادل المتهمين على قضية د أبو مرزوق هي الدوافع السياسية لإسرائيل من وراء طلب التسليم، والدليل على هذه الدوافع أن مسألة تسليم د. أبو مرزوق نوقشت على مستوى مجلس الوزراء الإسرائيلي، وهناك اتخذ قرار طلب التسليم، إن هذا المستوى السياسي الذي دارت حوله مسألة تسليم د أبو مرزوق يجعل أمر وقوف الدوافع السياسية خلف طلب تسليم الرجل أمرًا مقطوعًا به، وهذا يضرب بعمق في أساس القضية والقاعدة التي رتبت عليها.

التحايل من قبل الادعاء:

    إن نجاح محامي الدفاع في إبراز قاعدة قضيتهم وعدالتها أطاح بتركيز الادعاء، وجعله يخرج حتى عن القضايا والاتهامات التي قدمتها «إسرائيل» في طلب التسليم، مثل الكلام عن اتهام د. أبو مرزوق في جرائم ضد الإنسانية أو حتى في اتهامات أسقطتها «إسرائيل» عن طلب التسليم، مثل الاتهام بالتواطؤ، أو التآمر لارتكاب جرائم القتل، وما إلى ذلك من الاتهامات التي تشير إلى غلبة الحيلة التي وصل إليها الادعاء.

      إن القاضي الذي قام بالنظر في هذه الدعوى وصف بالتحيز ضد د. أبو مرزوق بواسطة محامي الدفاع، وهو اتهام شديد الوقع، يقود إلى طلب تغيير القاضي نفسه، وقد ساق المحامون الأدلة على مسألة الانحياز المذكورة، ومثال ذلك إثارة قضية الجرائم ضد الإنسانية، أو سحب الإذن من د. أبو مرزوق الذي يخوله ارتداء بزة مدنية، والإصرار على ارتداء الملابس المخصصة للسجناء، إن هذه النقاط وأمثالها تفيد بتحيز القاضي الذي نظر في قضية د. أبو مرزوق المسؤول السياسي في حركة المقاومة الإسلامية «حماس».

آثار الإبقاء على د. أبو مرزوق:

     إن استتباب الأوضاع في الأراضي المحتلة أمر لا يضمنه أي محلل سياسي، وقراءة الواقع والتنبؤ به شق على أكثر المحللين نظرًا، وخير مثال على ذلك انفراط عقد الأمن في الشهر الماضي، وسقوط عشرات الشهداء بعد أن قامت حكومة نتنياهو بافتتاح مدخل ثان لنفق بالقرب من حائط المسجد الأقصى.

     فهل يا ترى تقود ظروف استمرار حبس د. أبو مرزوق والإصرار على قرار التسليم إلى ظروف مشابهة من انفراط عقد الأمن؟ إن عناصر «حماس» تراقب عن قرب مصير زعيمها، وهي تسعى الآن بالطرق القانونية لاستخلاص أحد قادة أجنحتها المتعددة من حبس غير قانوني وغير عادل، فإذا أخضع القانون للدوافع، واستخدم لتحقيق الغايات غايات البعض؛ فإن المستقبل قد يشهد تطورات لا تقل في مظهرها ونتائجها عن الذي حدث في القدس، وطولكرم، والخليل، ورفح، ورام الله.

إسرائيل والاستفادة من الدرس:

     إن على قادة حكومة الليكود الاستفادة الكاملة من درس افتتاح الممر، وأن لا يدفعوا إلى الساحة بموضوعات جديدة حسبما قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، وأن لا يتفننوا في وضع العقبات في الطريق.

    إن طلب تسليم د. أبو مرزوق لم يقدم بواسطة حكومة الليكود، وإنما قدم بواسطة حكومة حزب العمل الإسرائيلي السابقة، وهذه نقطة ارتكاز تمكن حزب الليكود من الخروج بسهولة من هذا النفق القديم دون الحاجة إلى «باب جديد» أو «مخرج جديد»، إذ يمكن الانسحاب وإلغاء طلب التسليم بإلغاء الأمر الصادر به من قبل مجلس وزراء حزب العمل، وقد أكدت محاولات المساومة التي قامت بها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مقابل التنازل عن دعوى التسليم بأن القضية تقف وراءها خلفيات ودوافع سياسية، تهدف إلى تدجين توجهات الحركة الجهادية، وإضعاف خياراتها النضالية.

     إن الأحوال في الأراضي المحتلة لا تتحمل هزة أخرى مثل التي أحدثها موضوع افتتاح الممر، وقد يكون الثمن الذي سوف يدفع هذه المرة أكبر بكثير من ذلك الذي دفع في الأحداث السابقة.

الخلاصة:

     تمثل مسألة احتجاز د. أبو مرزوق اختبارًا شديدًا لنزاهة القضاء الأمريكي وحياديته، فقد أثبت الدستور الأمريكي مبدأ هامًا من مبادئ السلطة الحديثة، وهو مبدأ الفصل بين السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية، فهل يمثل موضوع د. أبو مرزوق تحديًا لهذا المبدأ؟ يعتمد ذلك على محصلة هذه القضية، فإذا تم تسليم الرجل فذلك يعني أن الاختبار قد تم، وأن النتيجة قد بانت وإذا أفرج عنه بعد هذا الحبس على الأسس التي ساقها محاموه، فإن مصداقية القضاء الأمريكي وحياديته تكون قد كسبت رصيدًا جديدًا

     إن الساحة الفلسطينية مثقلة باليأس والإحباط، ولا ترى في الموقف الأمريكي ذرة حياد، بل تواطؤ وتآمر على حقها في الحرية والاستقلال، وبذلك تعتبر إدارة الرئيس بيل كلينتون أكثر من مطية للسياسة الإسرائيلية، وإن أي تهور بالإقدام على تسليم د. أبو مرزوق لإسرائيل معناه نسف ما تبقى من صبر واحتمال وانفجار عناقيد الغضب والجمر الفلسطيني ليس فقط في وجه كل ما هو «إسرائييل»، بل كل ما هو أمريكي كذلك.

     إن أمريكا لها مصالح إستراتيجية بالمنطقة العربية ولسنوات طويلة قادمة، وإنه ليس من الحكمة تخليق مزيد من العداوات لها في الشارعين الفلسطيني والإسلامي، وإن المنطق يقتضي تهدئة الأوضاع، وليس نكء الجراح، وإن الظلم والغبن اللذين لحقا بالشعب بالفلسطيني لأكثر من أربعة عقود، وتتحمل وزرهما السياسة الأمريكية من ولسون إلى كلينتون، قد اختزنا في الذاكرة الفلسطينية والعربية أطنانًا من الحقد والكراهية والغضب، وإنه قد آن الأوان لأن تفتش إدارة الرئيس بيل كلينتون لها عن طريق يجنبها المواجهة مع الإسلام، ويمهد لمد جسور التفاهم والحوار لاستمرار عمارة حضارة الإنسان. 

     إن غياب العدل في قضية د. أبو مرزوق والإصرار على قرار التسليم للزعيم السياسي لحركة حماس لإسرائيل إنما هو بمثابة إشعال فتيل الغضب والمواجهة بالأراضي المحتلة، ومع احتمالات تطاير شرارات الغضب والمواجهة إسلاميًا فإن المنطقة كلها تصبح مرشحة للاشتعال بلهيب التحدي والانتقام.

     إن هذه التقلبات والأجواء المتوقعة في حالة تسليم د. أبو مرزوق لإسرائيل لا تستوي بحال مع أحاديث وتطلعات واشنطن بتهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط، كما أنها لا تستقيم مع ادعاءات السياسة الأمريكية باستمرار حرصها على قيام سلام عادل ودائم بالمنطقة.

الرابط المختصر :