; تصاعد حركة التنصير مع امتداد النفوذ الغربي في العالم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان تصاعد حركة التنصير مع امتداد النفوذ الغربي في العالم الإسلامي

الكاتب أنس صديق الشيخ

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1985

مشاهدات 57

نشر في العدد 726

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 23-يوليو-1985

حقائق في وثائق

التنصير بين المسلمين: تاريخه - آثاره - خططه

  • المنصرون والمستشرقون بدأوا بالتخطيط لإحلال الإنجيل محل القرآن بين المسلمين لكن الله أفشل كل خططهم.
  • عندما فشل المنصرون في تغيير عقائد المسلمين خططوا لغزو المؤسسات التعليمية لتشويه العقائد.

 بحلول القرن التاسع عشر بدأت حركة التنصير الأوروبية والأمريكية تزداد قوة وانتشارًا، خاصة بعد أن امتد النفوذ الغربي إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي، مستغلًّا التقدم الصناعي والتكنولوجي الذي حققه الغرب، فغزت جيوش أوروبا النصرانية بعض البلدان الإسلامية. وتبعت الإرساليات التنصيرية الأوروبية الجيوش الغازية، مستفيدة مما قدمته القوات العسكرية من حماية ودعم، إضافةإلى ما زودتها به من معلومات جغرافية واجتماعية تساعدها في أداء مهمتها. وفي هذه المرحلة بالذات التقت مصالح الحركة التنصيرية والحركة الاستعمارية، وكان الاستشراق خادمًا مطيعًا مخلصًا لكليهما. وكانت الحركة الأولى تهدف إلى استعمار واحتلال الأفكار والعقول والثانية إلى احتلال الأراضي. وقد اعتبر البعض أن استعمار الأفكار والعقول ومحاولة السيطرة عليها من قبل المنصرين كان أسوأ أنواع الاستعمار. 

كتبت HAYTHORNE BRADEN JEAN في رسالة للدكتوراه عام ۱۹۷۲ تقول: 

«إن رغبة المنصرين في نشر النصرانية عن طريق نشر التعليم في تركيا كان وجهًا آخر من أوجه الاستعمار الغربي. ورغم أنه صحيح أن المنصرين لم يكونوا راغبين في ضم الأراضي، إلا أنهم كانوا تواقين إلى السيطرة على أفكار وعقول المواطنين الأتراك. إن من عمى بصيرة المستعمرين المتميز أنهم لا ينظرون إلى أنفسهم كمستعمرين».

دور الإرساليات التبشيرية:

ورغم أن الجهود التنصيرية الأوروبية كانت واسعة وخطيرة في أجزاء عديدة من العالم- وخاصة في أفريقيا حيث دخلت النصرانية مجددًا- إلا أن ما قامت به الإرسالياتالأجنبية كان أخطر بكثير؛ وذلك نظرًا للدور التخريبي الذي لعبته في منطقة الشرق الأوسط، وفي الأحداث التي تعرضت لها الخلافة العثمانية خلال فترة القرن التاسع عشر. وكانت الجهود التنصيرية الأمريكية في المنطقة- التي وقفت منها السلطات الأمريكية في بداية الأمر موقفًا حذرًا- هي التي مهدت للتواجد الأمريكي ولانتشار النفوذ الأمريكي في المنطقة كلها وخاصة في تركيا.

وصلت أول إرساليةإلى مدينة أزمير في تركيا عام ۱۸۱٩ وكانت تضم اثنين من المنصرين هما LEVI PARSONS و PLINY FISK. 

وكان هذان المنصران قد قضيا بعض الوقت في جزيرة مالطة، حيث حاولا تعلم لغات المنطقة وجلبا إلى الجزيرة نواة مطبعة للكتب والنشرات نقلت بعد أعوام إلى بيروت. وقد صدرت تعليمات إلى كافة المنصرين الذين رشحوا للذهاب إلى المنطقة بتعلم اللغات العربية والتركية والأرمنية والعبرية وغيرها من لغات المنطقة. ورغم أن الأهداف المعلنة لهذه الإرساليات كانت العمل على تنصير اليهود وتحويل نصارى المنطقة من أتباع الكنائس الشرقية إلى العقيدة البروتستانية، لكن الهدف الرئيسي كان تنصير المسلمين وجعلهم يؤمنون بالمسيح كرب ومخلص لهم. وقد وُدِّع هذا الفريق الأول عند سفره من ميناء بوسطن بالكلمات والقصائد- التي نشرت لاحقًا في بعض المجلات والصحف الأمريكية- تحثهم على تنفيذ أمر الرب بتنصير العالم كله. وتوالى وصول المنصرين الأمريكيين إلى المنطقة، ثم انتشارهم بشكل كبير ملحوظ بعد الاتفاقية التركية- الأمريكية التي عقدت عام ١٨٣٠، والتي نص أحد بنودها على مسؤولية السلطات العثمانية في حماية أرواح ومصالح كافة الأمريكيين المتواجدين في كل المناطق الخاضعة لنفوذها، ومسؤولية السلطات الأمريكية تجاه المواطنين الأتراك في الولايات المتحدة، ولو علمنا أن أعداد الأتراك في أمريكا في تلك الفترة كان محدودًا جدًّا وفي منطقة واحدة فقط، لوجدنا أن هذا البند الذي أصرت عليه القوى التنصيرية في أمریکا كان يهدف إلى تسهيل مهمة هؤلاء المنصرين. 

الكونغرس الأمريكي يدعم حركة التنصير في العالم الإسلامي:

ومن الجدير بالذكر أن الحركة التنصيرية الأمريكية كانت تتمتع في ذلك الوقت- وربما ما زالت- بنفوذ كبير جدًّا في الكونغرس الأمريكي، ولها قوة ضغط لا تقل تأثيرًا عن قوة الضغط الصهيوني الحالية. أما الحكومة التركية فقد اضطرت إلى الموافقة على هذا البند من المعاهدة؛ نظرًا لحاجتها الماسة في حينه إلى المساعدة الأمريكية في إعادة بناء أسطولها الحربي، الذي دمرته قوة مشتركة من الأساطيل الإنكليزية والفرنسية والروسية عام ١٨٢٧ في ميناء NAVARINO إثر هجوم مفاجئ.

 وهكذا بدأ المنصرون الأمريكيون بالانتشار في المنطقة، فوصلت أولإرسالية إلى سوريا- التي كانت تضم آنذاك لبنان وفلسطين وسوريا والأردن- عام ۱۸۳۰، حيث اتخذت من بيروت قاعدة انطلاق لها. ووصل منصرون إلى مصر والخليج واليمن والعراق وإيران وشبه القارة الهندية... ومناطق إسلامية أخرى. ومع حلول عام ١٨٥٦ بدأ هؤلاء المنصرون بالعمل علانية على تنصير المسلمين، وقام البعض منهم بالوعظ في الأسواق ومهاجمة الإسلام وتوزيع الأناجيل باللغة العربية علانية، بعد أن أنجزوا عام ١٨٦٠ أول ترجمة بروتستانتية أمريكية للإنجيل قام بها المنصران VAN DYKE و ELI SMITH،وعندما بدأ العمل في هذه الترجمة عام ١٨٤٧ كتبت إحدى صحف المنصرين في أمريكاهي MISSIONAR Y HERALD  تتنبأ بأن هذه الترجمة ستحدث ثورة في حركة تنصير المسلمين، وأن الإنجيل سوف يحل محل القرآن. وفي خلال عام ١٨٦٠ فقط وزع المنصرون ٦٥,٥٤٩ نسخة من هذا الإنجيلإضافة إلى ١٥٨٤٤ كتابًا نصرانيًّا مختلفًا. وبلغ عدد الصفحات التي طبعت من الإنجيل حتى نهاية القرن- كما يذكر HENRY JEDDUP المنصر المشهور وأحد مؤسسي الجامعة الأمريكية في بيروت- ٤٤,٥٨٩,٥٧١ صفحة.

غزو المؤسسات التعليمية:

 ولقد اكتشف هؤلاء المنصرون أن أهم وسيلة للتأثير على المسلمين وزعزعة إيمانهم وعلمنتهم هي عن طريق التعليم؛ ولهذا قاموا بجهود مكثفة لإنشاء المدارس والمعاهد والكليات الأمريكية والأوروبية في المنطقة. وربما كانت أشهرها الجامعة الأمريكية والجامعة اليسوعية في بيروت، والجامعة الأمريكية في القاهرة وكلية روبرت في إستانبول. ولكن ما هو غير معروف على نطاق واسع أن مئات المدارس والمعاهد قد أنشئت في المنطقة ولم نعثر على أحصاء حديث لها، ولكن الأعداد التي وردت في إحدى رسائل الدكتوراه الغربية عن هذه المعاهد حتى عام ١٨٦٠ تعطينا فكرة واضحة عن هذا التوجه الخطير وخاصة في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية. 

فحتى نهاية عام ١٨٦٠ كان هنالك ٢٥ مدرسة ومعهدًا في غرب تركيا و ٣٦ في وسطها و٤٨ في شرقها و ٣٢ في أرجاء سوريا. وفي هذا المجال يقول أحد رؤساء الجامعة الأمريكية في بيروت ما يلي: «لقد برهن التعليم على أنه أثمن الوسائل التي استطاع أن يلجأ إليها المنصرون في سعيهم لتنصير سوريا ولبنان». ولجأ المنصرون إلى وسائل أخرى عديدة منها المطبوعات والمجلات ودور النشر والتطبيب والمستشفيات والأعمال الخيرية، فكانوا يزورون السجون و يعملون مجانًا في العيادات والمستشفيات رجالًا ونساء. 

تدخل المنصرين في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية:

ومارس هؤلاء المنصرون تحت ظل معاهدة ۱۸۳۰- وحتى قبلها- مختلف أنواع النشاط التخريبي في المنطقة... وتدخلوا بشكل علني في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية. 

فقد كان لهم دور بارز وواضح في تحريض اليونان على التمرد، وقاموا بجمع الأموال والتبرعات في أوروبا وأمريكالمساعدة نصاري اليونان في حربهم مع المسلمين الأتراك. وقاموا بإرسال الأخبار ونشرها في مختلف وسائل الإعلام، والتي من شأنها تأجيج مشاعر الحقد والكراهية ضد الأتراك وضد الإسلام. وقد صورت هذه الحرب على أنها حرب مقدسة، وصراع بين الهلال والصليب وامتداد للحروب الصليبية. ونظمت القصائد وكتبت المسرحيات والروايات عن هذه الحرب من قبل شعراء وكتاب بارزين أمريكيينوإنكليز، كلها تمجد اليونان وتهاجم المسلمين الأتراكوالإسلام. ومن الجدير بالذكر أن الشاعر الإنكليزي المشهور LORD BYRON قتل في هذه الحرب وهو يشارك إخوانه النصارى حربهم الصليبية الجديدة. وفي عام ۱۹۷۲ صدر في أمريكا مجلد يضم القصائد التي نظمت في أمريكا خلال فترة سبع سنوات فقط بين عامي ۱۸۲۱ - ۱۸۲۸ أثناء هذه الحرب بلغ عددها أكثر من خمسين قصيدة. وكان من ضمنها قصائد تتهجم على الرسول صلى الله عليه وسلم إضافة إلى هجومها على الدين الإسلامي والأتراك. 

وفي عام ١٨٤٣ قام منصر أمريكي اسمه ASAHEL GRANT بتحريض النسطوريين على التمرد في شمال إيران، وعندما قامت القوات التركية بالتعاون مع المسلمين الأكراد بالقضاء على التمرد، هرب هذا المنصر إلى مدينة الموصل في شمال العراق، حيث قامت إحدى العوائل النصرانية في المدينة بإيوائه ومعالجته وتهريبه إلى سوريا. 

يتبع في العدد القادم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل