العنوان تضرع الساجدين في وجه رصاص اللئام !
الكاتب نور الدين قرة علي
تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2011
مشاهدات 63
نشر في العدد 1968
نشر في الصفحة 18
السبت 10-سبتمبر-2011
كحال المسلمين في مواسم الطاعات، تحيي مساجد الشام الليل بالذكر والتبتل والصلاة والتضرع تناشد ربها في سجودها الطويل أن يهب الأمن والأمان لعباد الله في الكون، وأن يرفع الظلم والعدوان عن كل المظلومين في الوطن والعالم وقد عاش مسجد «الرفاعي» هذه اللحظات، وتجمع الآلاف يذكرون الله متضرعين، ويستفتحون أبواب الرحمة الربانية داعين وراكعين وساجدين.
وكان الخوف والهلع مازال يسكن قلوب الشبيحة من الأمن والجبارين الذين رابطوا بجموعهم حتى آخر الليل، وفي ليلة السابع والعشرين انتهى القيام في العالم كله بسلام وأمان، بدءًا من المسجد الحرام إلى كل مسجد يعمره الخلق، إلا في سورية، عاصمة ومدنًا وقرى، خرج الناس من مسجد «الرفاعي» بعد أن انتهى القيام، وفي ساحة المسجد ورواقه هتف بعض الشباب هناك وكانوا في خارجه بتكبير وتهليل، فصبت عليهم تجمعات الأمن والشبيحة وابل الرصاص، فجُرح ثلاثة وهم على خطر شديد، واستشهد واحد وهو الشاب «محمد خير علبي» «۱۷ عاما»، وخرج الشيخ أسامة الرفاعي لمتابعة الموقف المفاجئ، ولكن تلقاه أصحاب القلوب السوداء بضربة على الرأس عاجلوه بها قبل أي كلام، وأتبعوها بثانية أردت الشيخ مغمى عليه، وثالثة ورابعة من بعد حالة الإغماء، مع صيحة استقرت في أذن الشيخ قبل غيابه: اضربوا الشيخ.. اضربوا الشيخ، وحمل الشيخ إلى مستشفى الأندلس يعالج خلال أيام تحت مراقبة دقيقة ومستمرة من قبل الأطباء، يشكو إلى الله بلسان الأمة التي قام لها بين يدي الله أن يكشف عنها هذا البلاء
نداء واستغاثة .. هل من مجيب؟
ها هي دمشق اليوم تقف مشدوهة قبل زمجرتها برجالها ونسائها وشبابها وفتياتها تناشد العالم بلسان حالها، تناشد الإنسان في كل مكان ، مع سائر المحافظات والبقاع، تناشد ضمائر الوجود التي تسمع ،وترى أين؟.. أين الشعور والإحساس؟ هذا ما يحدث في بلاد الشام، ولعل العالم الذي يقف حائرًا في هذه اللحظات، سيقف بعد حين وهو يرى انتفاضة أمة تثور لكبريائها، وتزداد ثورة من خلال غيرتها على مساجدها ودينها ودماء مشايخها وشبابها .
ونقول لسلطة البغي: إن هذه العصا الغليظة الكهربائية التي امتدت إلى رأس الشيخ أسامة اليوم ستكون سببا في إزاحة كل ظلمكم وظلامكم وجبروتكم وطغيانكم، ونقول لإخوة الشيخ في درب نضاله وجهاده: هيا ضمدوا دماء رأس أخيكم بقماش عمائمكم، وقابلوا الحدث وأنتم متوجون بشرف وحدتكم وتضافركم، فعصا الجبارين طالت كل أبنائنا منذ أشهر، وها هي تطال رأس العلماء الذين مازالوا يعملون من أجل وحدة الأمة وسلام البشرية وحرية الجميع.
.. وفنانو سورية في مواجهة الطغيان
لم يكن للقلم أن يسكت ولا لليد أن تتوقف عندما ترى ما يحدث من إراقة للدم وإزهاق للأرواح والبطش والتجبر، وكأن قول النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا كعب رضي الله عندما سأله: یا رسول الله قد أنزل الله في الشعراء ما أنزل، قال له : «إن المجاهد مجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل»، هو ما جعل زمجرة أصابع الفنان علي فرزات بصرخاتها الكاريكاتيرية تكشف زيف الطغيان ولؤم الاستبداد، وتسجل للتاريخ مواقف الظلم، زمجرت أصابع الفنان وهي تعزف بالصورة نشيد التحرير، وتنقش بلمسات فنه على جدار الخلود وصفحات التاريخ من الصور التي تعكس الخبر الهادف، وتغزو برموش الريشة المتناغمة مع الحدث قلوب الأمة، فتخفق مع نغمات الفنان وموهبته والتزام مبادئه.
حتى يد الرسّام
لقد أرسلوا الفرق البلطجية لتتابع الحركة الفنية الهادفة، فتقيد رجالها في شوارع البلاد العريضة، وتنقض بوحشية أظافرها وراجمات حقدها، تنقض على هذا الإنسان الرقيق وقد خرج وحده من مرسمه، انقضت عليه وغطت وجهه وكبلت يديه بنحاس غلظتها إلى الوراء، ووجهت لكمات التغيظ إلى وجه الفنان وعضت بغيظها على أنامله الشامخة تلويها إلى الوراء وهي تردد : هكذا يجب أن تكون أصابع كل فنان، منكسرة إلى الوراء، تتحرك إلى التخلف ولا تعرف الطريق إلى الأمام، هكذا يجب أن يكون لسان كل شاعر، ونغمة كل فنان مطرب، يجب أن يكون مقلوبا إلى الخلف، وإلا قطعته سكاكين البلطجية كما فعلت بالمنشد إبراهيم القاشوش.
نعم أيها الفنانون المبدعون، يجب أن تعلموا جميعاً أنه من الآن فصاعداً عليكم أن تسيروا إلى الوراء، وأن تدفعوا بالكلمة إلى حلاقيمكم، وأن تجعلوا ريشة رسومكم تتحرك وفق قانون عمى الألوان في عيونكم وبعدها يمكن أن ترسموا اللوحة مؤطرة بذلكم وعبوديتكم.
وإلا .. كسّروا الأوزان، واخلطوا الألوان واجعلوا الكلمة تترنح أمام السلطان ، وكسروا میزان شعركم، افعلوا كل ذلك ولكم أسوة في مجلس شعبكم المتراقص على نغمة تغيير الدستور، ولكم أسوة في محاكم النظام التي تعبث بكل أحكام القضاء، ولكم أسوة ببعض المتراقصين على المنابر ، يرضعون من الآيات تيجان الطغاة، أو ينسجون من الأحاديث أوشحة لأبطال هزائم الجولان.
يا أيها الفنان الراقد على سريرالعظمة الصادقة، والزرقة حول عيونه الثاقبة تحكي اللون المميز لكل وجه يتوجه نحو قبلة الحق، فتبدون وبال بلطجية الخلق.
أيها الدومـري ، يـا صـاحـب الأنامل الشامخة أمام صخور الباطل، لا تحاول أن تشعل المصباح في أزقة المدينة، لا تحاول أن تقلق خفافيش الظلام وهي تمضي في دياجير الرذيلة أغلق صحيفتك، ولماذا تبدأ المحاولة برسم الأحداث ؟! دع التاريخ أميا لا يقرأ ولا يكتب، وإذا أردت أن ترسم فأمامك أمجاد السلطان، اجعل منها أحاديث الزمان واملأ الأوراق ببطولات الطغاة.
أسأل الله في هذه الأيام المباركات شفاء عاجلاً لوجهك الصامد، ولأصابع راحتيك التي اعتادت كرم العطاء، أسأل الله لك عافية يطمئن من خلالها قلبك الكبير على أمتك المجيدة التي يشد أبناؤها على كلتا يديك لتتابع بهما رحلة آمالك.
إلى كل فنان
نرسل هذه الصورة ليقول شعراً، أو يمثل دورا ، أو يعزف نغمة على أوتار أمة الخلود لعله يتذكر، ولعله يتدبر، وأذكر هنا كلمة قرأتها لأخ عزيز لي: الرسام بلا أصابع، المغني بلا حنجرة الطفل بلا عينين المسجد بلا مئذنة والرصاصة بلا ضمير لا لن تخطئ العنوان أنت الآن في سورية الصمود !!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل