; مقال الأسبوع.. تطبيق الشريعة ومعاول الهدم العلماني | مجلة المجتمع

العنوان مقال الأسبوع.. تطبيق الشريعة ومعاول الهدم العلماني

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993

مشاهدات 60

نشر في العدد 1059

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 27-يوليو-1993

  • العلمانية وأثرها في تفكيك المجتمع الإسلامي

    في جرائم الخطف وعصابات السرقة ليس العيب في الجهاز الأمني ولكنه في العقوبات المستوردة والجو التربوي الفاسد الذي تشيعه بعض وسائل الإعلام.

     لقد ظهرت جرائم الخطف للفتيات فضلًا عن عصابات السرقة، ويدرك كل ذو حس وبصيرة أن العقوبات المستوردة هي السبب وليس ضعف الجهاز الأمني.

    مع هذا يتساءل علماني عن سبب أخذ القوانين من الشريعة وقد ذهب علماء مصر إلى فرنسا وعادوا بالحرية، ولقد انزعجت فرنسا من ارتداء 3 مسلمات الحجاب في المدرسة، واعتبرت ذلك مناهضًا للعلمانية بينما تحمل غير المسلمات الصليب ولا بأس في ذلك. والسبب الحقيقي في إصرار القوى العلمانية على هذا المفهوم الخاطئ للعلمانية هو خشية عودة الحضارة الإسلامية.

    لقد نقل الأستاذ وحيد الدين خان في مقدمة كتابه المسلمين بين الماضي والحاضر والمستقبل أن أحد المستشرقين وصف حضارة الإسلام بقوله: «لقد ولد الإسلام في حي مجهول بمكة في الصحراء الغربية ولم يكد يخرج منها حتى غزا الشرقين الأدنى والأوسط بسرعة مدهشة، ثم وصل إلى الأندلس عبر شمال أفريقيا وإلى حدود الصين عبر إيران وكانت آخر نقطة وصل إليها الإسلام في أوروبا هي بودابست حيث لا تزال مقبرة جل بابا بطرازها التركي على ضفاف الدانوب تذكرنا بأن المسلمين وصلوا حتى هذه البقعة النائية، وفي القرن 7 الميلادي أنشئت الأسس السياسية والاقتصادية للإمبراطورية العربية العالمية».

    التبعية للغرب وسياسات البنك الدولي

    وإذا كانت فرنسا تمنع الزي الإسلامي خوفًا من عودة الحضارة الإسلامية فإن رئيسها ومحكمتها العليا قد التزما الحياد رفضًا لهذه التفرقة بين المسلمين وغيرهم، بينما يوجد رؤساء من العرب الذين يرددون أنهم مسلمون يرفضون الحجاب سرًا وعلانية، فلا يوجد سبب لتمنع تونس هذا الزي في مدارس الحكومة.

    ولكن المؤسف فعلًا أن يطبق بعض زعماء العرب سياسة الغرب كما هي دون النظر إلى مصلحة الشعوب العربية الإسلامية، حتى لو أدت هذه السياسة إلى إفقار الشعوب فضلًا عن غضب الله الذي يحل بالحاكم والمحكوم. إن البنك الدولي لا يمنح الدول قرضًا إلا إذا تقيدت بالآتي: ()

    1.    عدم زراعة المحاصيل التي تغطي الاستهلاك المحلي مثل القمح والذرة بدعوى أن قيمة تكلفتها أكبر من ثمن شرائها.

    2.    زيادة الصادرات وتخفيض الواردات.

    3.    إلغاء الدعم الحكومي.

    4.    تخفيض الإنفاق العام الحكومي ويشمل منع تعيين الخريجين.

    إن هذا الاستعمار الزراعي وغيره لا يستمر إلا مع النظام العلماني، ولهذا فإدخال العلمانية في العالم العربي كان على يد الاستعمار، ليضمن وجود أتباع له واستمرار هذه العلمانية يخدم استمرار هذا الاستعمار، ولهذا فالعودة للحضارة الإسلامية يعد عملًا مضادًا لمصالح الدول الاستعمارية.

    فصل الدين وأثره في تمزيق الأمة

    يقول أناتول فرانس في كتابه: «الحياة الجميلة» إن أسأم يوم في حياة فرنسا هو ذلك اليوم الذي تراجع فيه الفتح العربي الإسلامي لفرنسا أمام همجية الفرنجة سنة 732 في معركة بواتيه، وفي هذا يقول الفيلسوف الفرنسي «روجيه جارودي» أنه عندما ذكر ذلك في محاضرة له في تونس سنة 1945 طردته السلطات الفرنسية الحاكمة في تونس بذريعة أن هذه دعاية مضادة لفرنسا.

    إن فصل الدين عن الدولة في الديار العربية والإسلامية أدى إلى تقسيم المجتمع الإسلامي إلى عدة مجتمعات متصارعة ما بين العربية والكردية والطورانية، وظهر الصراع القومي والعنصري والطبقي والطائفي وكل ذلك كان قد تلاشى في ظل الإسلام. ولهذا يرفض أئمة الاستعمار وأذنابهم من العرب عودة الحضارة الإسلامية ويزيفون للناس صور عملاء القوميات في العالم العربي والإسلامي لتظل لهم الزعامة الكاذبة.

    تحرير العقلية العلمانية والمخاطر الصحية

    كما أن إبعاد الدين عن الدولة والحياة الاجتماعية وحصره في العبادات فقط مع محاربة المتدينين تحت شعارات التطرف، أو مناهضة الدولة هو من وسائل الدول الاستعمارية لضمان هذا الضعف للأمة الإسلامية. (2)

     وقد زينوا للغافلين من المثقفين أن الفن بأنواعه يملأ الجانب الروحي للإنسان فأصبح الفن غاية تحشد له كل القوى، وعلى الأخص الفن الذي يثير الغرائز والذي يتغذى على الخمر والميسر والمخدرات والفواحش ما ظهر منها وما بطن.

    والغريب أن البحوث الطبية قد كشفت لهؤلاء عن أضرار كل ما حرمه الله تعالى ولكن عمليات غسيل المخ للشعوب، قد أفقدتهم المقومات والموازين العقلية التي تميز بها الخبيث من الطيب. فأكل لحم الخنزير يؤدي إلى الإصابة بالدودة الشريطية التي يخترق بيضها جدار الأمعاء ويصل إلى الدم، وأوروبا التي حرمت تعدد الزوجات وأحلت الفواحش تدرك أن شيوع الفاحشة يؤدي إلى الإصابة بالأمراض الجنسية، كالزهري والسيلان والإيدز.

    لقد صاغت العلمانية الأوروبية عقل الإنسان صياغة أفقدته قدرته على التمييز الصحيح فأصبح لا يرى بأسًا من الزنا بينما لا يقبل هذا العقل الزواج بأخرى عند مرض زوجته، بل إن قضاء الغرب وصل لدرجة تجريم العلاقة بين الزوج وزوجته في حالات معينة، بينما أقر علاقات محرمة يندى لها الجبين. (3)

    والخلاصة التي ينتهي إليها المتأمل في أحوال مجتمعاتنا يجد أنها تصب في النهاية في إزاحة الشريعة عن القيادة والتوجيه للمجتمعات الإسلامية، تلك القيادة التي تعيد الناس إلى حضارة الإسلام وتستعيد للمسلمين ريادتهم.


    الهوامش:

     1- نقلًا عن مقال الدكتور يوسف إدريس بعنوان الاستعمار الزراعي نشر في جريدة الأهرام في 19/9/1989.

     2- عن محاضرته في الإسكندرية المنشورة في جريدة أخبار اليوم بتاريخ 23/3/1983.

     3- انظر الإسلام والعلمانية للدكتور يوسف القرضاوي ص 218- 236.



    انظر أيضا:

     

    العلمانية.. وتغييب الهوية للمجتمع المسلم

الرابط المختصر :