العنوان تطورات في أوضاع مسلمي يوغسلافيا إعادة الاعتبار للمفكر أحمد إسماعيلوفيش
الكاتب عبدالله سليمانى
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
مشاهدات 70
نشر في العدد 943
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
ويعتبر هذا انعطافًا مهمًا للغاية بالنسبة للمسلمين في يوغسلافيا، إذ
إنه يمثل إعادة اعتبار لهذا العالم الذي سقط أو أسقط وهو في ذروة تألقه اليوغسلافي
والأوروبي والإسلامي العالمي، ولم يكن في الإمكان أن يحدث انعطاف كهذا لولا
التغيرات التي شهدتها مدينة سراييفو خلال عام 1989.
- من هو إسماعيلوفيتش؟
وللتذكير، نقول هنا إن المرحوم إسماعيلوفيتش ولد سنة 1938 في
أسرة برز فيها رجال علم ودين، وقد تخرج من المدرسة الشرعية «الغازي خسرو
بك» سنة 1958 ثم ذهب إلى الأزهر حيث تخرج هناك من قسم اللغة العربية
وآدابها، وتابع بعد ذلك دراسة الماجستير عام (1970) والدكتوراه
عام (1974)، وبعد عودته إلى يوغسلافيا عام (1975) بدأ عمله في
المشيخة الإسلامية كمدير المكتب رئيس العلماء ثم انتخب رئيسًا للمشيخة الإسلامية
للبوسنة والهرسك وسلوفينيا، حيث بقي في هذا المنصب المهم عشر سنوات.
وفي عام 1977حين افتتحت الكلية الشرعية في سراييفو انتخب أستاذًا
للعقيدة والفلسفة الإسلامية حيث برز نشاطه الكبير وبدا تأثيره في الجيل الجديد من
الأئمة الذين تخرجوا من هذه الكلية.
- فترة ذهبية
لقد كان بروز وصعود إسماعيلوفيتش رمزًا لـ «الفترة
الذهبية» للمسلمين في يوغسلافيا حيث تم حينئذ تبنِّي الدستور الجديد
عام (1974) الذي كرَّس مساواة واسعة للمسلمين مع غيرهم في يوغسلافيا بعد
أن أصبحوا يمثلون حوالي 52 من سكان البلاد، وفي تلك «الفترة
الذهبية» تسلم المسلمون لأول مرة مناصب عالية وحساسة في الحكومة ورئاسة
الدولة، وشاركوا بنشاط في الندوات والمؤتمرات المختلفة في البلدان الإسلامية.
- صيد الرؤوس الكبيرة!
ولكن بعد وفاة تيتو (1980) بدأ يبرز اتجاه جديد في صربيا يرى
أن المسلمين تمددوا على حساب غيرهم في عهد تيتو وأخذوا من المساواة أكثر مما
يستحقون في البوسنة وكوسوفا، ولذلك فقد بدأ ما سُمِّي حينئذ بـ«صيد» الرؤوس
الكبيرة لـ«الفترة الذهبية» للمسلمين، ومن هذه الرؤوس الكبيرة كان دون شك
الدكتور أحمد إسماعيلوفيتش، ففي بداية الثمانينات (1981- 1985) كان
التركيز أولًا على كوسوفا للاستفراد بها، ثم أخذ المخطط يتحول باتجاه البوسنة،
وهكذا في سنة 1985 أزيح فجأة عن منصبه كرئيس للمشيخة في البوسنة المرحوم
إسماعيلوفيتش وبقي عدة سنوات في الظل بعد أن كان مركز دائرة الضوء في يوغسلافيا
والعالم الإسلامي.
- رئيس غير دستوري
وقد ترادف الصمت في قيادة الجماعة الإسلامية ليوغسلافيا مع موت رئيس
العلماء نعيم حاجي عبديتش في صيف 1987، الذي خلفه بشكل مفاجئ مفتِي توزلا
حسين مويتش، وفي الحقيقة لقد كانت قد جرت حينئذ الاستعدادات المتَّبعة حسب الدستور
لانتخاب رئيس جديد من بين المرشحين «فرحات شطا مرشح البوسنة، وإدريس
ديميروفيتش مرشح مشيخة الجبل الأسود، ويعقوب سليمو فسكي مرشح مشيخة مكدونيا، ويتيش
بيرامي، وحمدي يوسف سباهيتش مرشحًا كوسوفا وصربيا»، ولكن بعد الدورة الانتخابية
الأولى برز مرشح جديد «إبراهيم شطا» الذي حاز على الأغلبية وبقي في
انتظار تسميته بشكل رسمي، ولكن حدث تغيُّر مفاجئ في الموقف إذ عين بشكل مخالف
للدستور الداخلي رئيس جديد، ألا وهو مفتي توزلا حسين مويتش، الذي لم يكن
أصلا بين المرشحين لهذا المنصب.
وفي الواقع لم تمض فترة بسيطة حتى أخذت تتضح الجهات التي دفعت حسين
مويتش إلى هذا المنصب، فقد تميزت تلك الفترة بالذات (أواخر 1987وطيلة 1988) بتبلور
مطالب الاتجاه الصربي التوسُّعي التي أصبحت تركز على تضييق بعض الحقوق التي حصل
عليها المسلمون في يوغسلافيا بموجب دستور1974، وقد ترادف هذا الانعطاف حينئذ
بانبعاث التعصب ضد المسلمين والتهجم على ثقافتهم وتاريخهم وواقعهم بشتَّى الأشكال،
وعلى الرغم من كل هذا فقد اتخذت قيادة الجماعة الإسلامية في عهد حسين مويتش موقف
الصمت الوديع طيلة هذه الفترة العاصفة بالنسبة للمسلمين في يوغسلافيا.
- تململ الأئمة
وفي هذه الحالة لم يكن من المستغرب أن يبدأ التململ في صفوف
الأئمة (حوالي 2500 إمام) في يوغسلافيا وخاصة في البوسنة، حيث كان
يتمتع إسماعيلوفيتش بتأثير كبير في وسط الأئمة والشباب، وقد تصاعد هذا التململ مع
مرور الوقت وانفجر على شكل «انتفاضة» للأئمة المسلمين في وجه
القيادة «الرسمية» للجماعة الإسلامية، وقد بدأ الأمر في 1 تشرين
الثاني / نوفمبر 1988 حين تجمع في سراييفو حوالي ثمانين
إمامًا للاحتجاج على الوضع، ثم تطور الأمر أكثر، في 20 كانون
الأول / ديسمبر 1988، حين اجتمع 320 إمامًا أمام الكلية
الشرعية في سراييفو لمناقشة الوضع في الجماعة الإسلامية، وعلى الرغم من أن رئاسة
الجماعة الإسلامية أوصت بغلق الأبواب إلا أن هؤلاء شقُّوا طريقهم إلى داخل الكلية
حيث عقدوا اجتماعًا عامًّا في المدرج الرئيسي، وفي هذه المرة فوجئت رئاسة الجماعة
الإسلامية بهذه التطورات ولذلك فقد قبلت بعض الانتقادات ولكنها بدورها وجهت
انتقادات شديدة إلى الأئمة المجتمعين، إلا أن هذا الموقف السلبي شجع الأئمة على
عقد اجتماع احتجاجي جديد في سراييفو (28 كانون الثاني / يناير) حيث
اجتمع هناك 500 إمام، وفي هذا الاجتماع العاصف الذي استغرق إحدى عشرة
ساعة عبَّر الأئمة لأول مرة عن سخط المسلمين حيث انتقدوا موقف رئيس العلماء وسلوك
رئاسة الجماعة وتفضيل الصمت إزاء الحملة المتزايدة ضد المسلمين في البلاد... إلخ،
وقد عاد الأئمة إلى الاجتماع ثانية في سراييفو في 14 شباط حيث طالبوا
صراحة بتغيير فورى لرئيس العلماء حسين مويتش، الذي تسلم هذا المنصب في ظروف غير
طبيعية، واستقالة بعض المسؤولين في رئاسة الجماعة الإسلامية «عبدالرحمن
هوكيتش وغيره» وتبديل رؤساء التحرير في الجرائد والمجلات الإسلامية.
- فتح الملفات المغلقة
وفي هذه الاجتماعات العاصفة للأئمة مع المسؤولين الكبار في الجماعة
الإسلامية فتحت لأول مرة بعض الملفات التي كانت مغلقة بإحكام، ومن أهم هذه الملفات
التي فتحت تهمنا هنا بطبيعة الحال ملف - المرحوم أحمد إسماعيلوفيتش،
وهكذا فقد كشف النقاب هنا عن أن القرار المتعلق بإزاحة المرحوم إسماعيلوفيتش عن
منصبه كرئيس للمشيخة الإسلامية للبوسنة قد اتخذ خلال «غذاء عمل» في
فندق «زلاتشا» خلال أذار 1985 شارك فيه هرقويه أشتوك سكرتير المكتب
السياسي للحزب الشيوعي في البوسنة وميلان فوتشيت فيتش رئيس اللجنة الجمهورية
للعلاقات مع الأديان وحسين مويتش مفتي توزلا وفرحات شطا مدير مدرسة الغازي خسرو بك
في ذلك الحين، وهكذا اتضح الآن أن هؤلاء اتفقوا على ترتيب «انقلاب» في
قيادة الجماعة الإسلامية بحيث يتم إبعاد الرجل الجريء أحمد إسماعيلوفيتش ليصعد
مكانه حسين مويتش وفرحات شطا.
وبعد انكشاف هذا الدور، وغيره من الأدوار لم يعد الأئمة يرضون باستقالة
فرحات شطا فقط بل أصبحوا يطالبون باستقالة رئيس العلماء حسين مويتش أيضًا، وفي
الحقيقة لم يبق الآن أمام مويتش إلا أن يقدم استقالته لأنه لم يعد من المناسب له
وللمسلمين أن يبقى في هذا المنصب الحساس.
وهكذا، بعد كل هذا، لا يبدو من المستغرب أن يعود الاعتبار إلى المرحوم
أحمد إسماعيلوفيتش وإلى الاتجاه الذي يمثله.