الثلاثاء 14-مارس-1972
تطوير المناهج مسألة مصير
المدرسة لا تستطيع أن تقف وحدها في عملية بناء شخصية التلميذ، وإن كانت المدرسة في الماضي ذات أثر فعال في تكوين هذه الشخصية فإنها في الحاضر تعجز عن أن تقوم بالعبء كله وحدها بين الوسائل الحديثة والمغرية كالسينما، والتليفزيون، والمذياع، والصحافة، إلخ
متى برزت نغمة التطوير؟
بعد حرب حزيران بدأ الناس في بلادنا يتلمسون أسباب الهزيمة ويحاولون الوقوف على مسبباتها، ليبحثوا بعد ذلك عن علاج ناجح لما حصل، وفي أثناء تلمسهم لهذه الأسباب بدأ تقويم كل شيء تعارف الناس عليه ودرجوا على اعتياده، فلم يبق مرفق من مرافق الأمة إلا تناولوه بالإشادة أو التجريح، وظهرت في أثناء هذا التقويم نظرات صائبة وأخرى غير ذلك، إلا أن الشيء الوحيد الذي كانت تلتقي عليه وجهات النظر هو أن كل شيء يحتاج إلى تغيير وتطوير، ولا بد من غربلة كل القواعد والأصول التي بني عليها مجتمعنا المهزوم، وارتكزت عليها حياتنا الضائعة، وكانت مناهج التربية والتعليم التي اتبعتها مدارسنا وجامعاتنا أهم ما تركزت عليه نظرات التطوير والتغيير.
إذن فهذا التطوير المطلوب ينطلق من الشك في المناهج القديمة وقدرتها على بناء الفرد الصالح، الفرد الذي يصمد أمام العدوان، بل ويتحدى هذا العدوان ويهزمه عقلًا، وروحًا، وإيجابيةً، وثباتًا.
ماذا يعنون بالتطوير؟
فما الذي يريدونه بتطوير المناهج إذًا؟
إن عملية التعليم ومعها التربية تنحصر في ثلاثة أمور: المنهج المخرج في كتاب، والمدرس المنفذ، والتلميذ المستوعب غير أن أمرًا واحدًا منها هو موضع الاهتمام، والأمران الآخران إنما وجدا لخدمته، ذلك الأمر هو التلميذ، فالتطوير المطلوب، لا بد أن يشمل المنهج والمدرس معًا، بمعنى أن يكون المدرس مقتنعًا تمامًا بالمنهج متحمسًا له منفعلًا به، لأننا لا يمكننا أن نفترض المدرس آلة صماء وظيفتها التنفيذ فقط فهو إنسان وهو يتعامل مع إنسان أيضًا، ولا بد للعلاقات الإنسانية من التفاعل والانسجام حتى تثمر الثمار المطلوبة.
وإذا لم يحدث هذا التفاعل والانسجام فلا بد من تغيير أو تطوير المنهج من جهة أو تغيير أو تطوير المدرس من جهة أخرى، إلى أن يحدث هذا التفاعل والانسجام.
أما إذا كان المراد بالتطوير مجرد زيادة حصة أو نقصان حصة؛ وزيادة موضوع أو نقصان موضوع، فإن المسألة لا تعدو مجرد المساس بالناحية الشكلية دون الدخول في ذات الموضوع.
وما دمنا اعتبرنا أسباب هذا التطوير نابعة من الهزيمة التي منيت بها أمتنا أمام إسرائيل فلا بد أن يشمل هذا التطوير في المناهج إعادة تركيب نفسية التلميذ وصياغة روحه وعقيدته قبل أن يكون تفكيرًا في زيادة المادة أو نقصانها.
ومن هنا يبرز دور المدرس كعامل أساسي ومهم يتبنى المنهج التربوي ويطبقه؛ متفاعلًا معه؛ مدركًا لأبعاده؛ متحمسًا لأهدافه بحيوية وحسن تصرف ومراعاة للظروف.
ومن هنا كان لا بد لوزارة التربية أن تنتقي المدرس المناسب وتعده وتوجهه ثم تترك له الحرية الكاملة دون رقابة شكلية أو تحكم قهري حتى يستطيع أن يقوم بعملية التربية بإيجابية واندفاع لا يسأل بعدها إلا عن النتائج.
لماذا هذا التطوير؟
ومن هنا نجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام الغرض الذي نرمي إليه من هذا التطوير، وهل هو إطلاع التلاميذ على النظريات العلمية الجديدة، أم هو زيادة في المادة العلمية نتدارك بها نقصًا كان موجودًا في المناهج السابقة، أم هو موافقة ما يدرس التلاميذ لبيئتهم المحلية، أم هو إعداد التلاميذ للوقوف في وجه التحدي المادي والمعنوي الذي تتعرض إليه الأمة.
إننا لا نستطيع أن نغفل أهمية المادة العلمية وضرورة تحصيلها واستيعابها وتطبيق ما يمكن منها بأحدث الوسائل وأيسر السبل، غير أن اهتمامنا يجب ألا ينصب على هذا الجانب بالذات مع إهمال غيره.
أما مسألة موافقة ما يدرسه التلاميذ للبيئة المحلية فهو أمر مرفوض لأنه لا نتيجة له إلا التقوقع والانعزالية وتكريس الإقليمية، إننا بحاجة إلى الذهنية الواسعة الشاملة، إننا بحاجة إلى الإنسان الذي يفهم أنه فرد من أفراد هذا العالم المترامي الأطراف؛ يتأثر به ويحاول التأثير فيه، ويحمل المشاعل لينير للناس الجوانب المظلمة في أقطاره، بل أن يكون فردًا في هذه الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس.
أما إعداد التلميذ للوقوف في وجه التحدي المادي والمعنوي الذي تتعرض إليه الأمة، فيبقى هو الغرض الأساسي الذي يجب أن يهتم به التطوير، ومن هنا تبرز أهمية الدراسات الإنسانية التي يتلقاها التلميذ في مدرسته كما يتضح ضرورة إدخال الجوانب الإنسانية في العلوم التجريبية حتى يتعلم التلميذ أن للمادة العلمية صلة بروح الإنسان وقلبه، وأن للعلاقة بين خواص العناصر حكمة كونية يدركها الإنسان بروحه قبل عقله.
إن الذين يحاولون عن عمد التقليل من أهمية الدراسات الإنسانية في هذه المرحلة من حياتنا مخطئون، لأن الاهتمام بالدراسات التجريبية وحدها لن تبني إلا الإنسان الآلة، وفي هذه الدراسات الإنسانية تختلف الغايات والوسائل اختلافات شتى وتتصارع الأفكار والعقائد صراعًا مريرًا.
فأهل اليسار يريدون فلسفة مادية يسارية وأهل اليمين يريدونها علمانية يمينية؛ ووسط هؤلاء يقف المسلم ليقول لا اليسار ينفعنا ولا اليمين، بل تصورنا للإله والكون والحياة يجب أن ينطلق من عقيدتنا الإسلامية، إنها عقيدة الأمة التي ما انهزمت قط يوم أن كانت هي الأيديولوجية الموجهة للحياة والأحياء فيها.
ونحن أحوج ما نكون إلى هذه العقيدة الموجهة وإلى فلسفتها الحياتية، لأننا أمام مصير ينتظرنا فناء أو وجودًا، أمام أمم كثيرة لا أمة واحدة تخطط لابتلاعنا وإذابة كياننا وصهره في بوتقة العدم والتفاهة، وإننا؛ وقد جربنا سيطرة الأيديولوجيات الغربية أو الشرقية على حياتنا أو الأيديولوجيات الأرضية النابعة من سيطرة الأوهام القبلية والعنصرية على عقولنا، جربنا كل ذلك تجارب مريرة جرّت أمتنا إلى الهزيمة المعنوية والمادية، والضياع والعدم، لابد لنا من تجربة ما نجح به آباؤنا وأجدادنا، وليس في الوقت متسع للمزيد من التجارب المهزومة، فنحن أمام سؤال لابد من الإجابة عليه، أن نكون أو لا نكون.
وسائل الإعلام
ثم إننا ونحن نتحدث عن تطوير المناهج في المدارس لا يمكننا أن نتناسى وسائل التربية والتعليم الأخرى خارج المدرسة، فالسينما والتليفزيون والمذياع والصحافة والكتاب والمحاضرات والندوات كلها وسائل فعالة في التربية والتعليم، ولا بد من التنسيق بينها وبين المناهج المدرسية حتى لا تكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، فنهدم بيد ما بنيناه بيد.
إن المدرسة لا تستطيع أن تقف وحدها في عملية بناء شخصية التلميذ، وإن كانت المدرسة في الماضي ذات أثر فعال وكبير في تكوين هذه الشخصية؛ فإنها في الحاضر تعجز عن أن تقوم بالعبء كله وحدها بين هذه الوسائل الحديثة والمغرية الكثيرة، إن الدولة بأجهزتها التشريعية والتنفيذية مطالبة بهذا التنسيق بين المدرسة وغيرها من وسائل التربية والتعليم، وإذا لم تنهض بهذه المهمة مؤسسات الدولة مجتمعة متبنية عقيدة واحدة تنطلق من مفهومها لتخطط كل شيء على أساسه فلن تبنى حجرًا واحدًا في البناء الذي نريد.
وهذا هو التاريخ خير مرشد لنا يرينا كيف كان القادة يبنون أممهم من جديد.
الكوكبي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل