العنوان تعقيب على مقال: معنى خلافة الإنسان في الأرض
الكاتب عبد الله العبادي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يناير-1983
مشاهدات 67
نشر في العدد 603
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 11-يناير-1983
إن خلافة الإنسان لله سبحانه وتعالى في أرضه تعني تنفيذ الإنسان أوامر الله ونواهيه وإقامة العدل في الأرض.
جاء في المقال الذي نشرته مجلة «المجتمع» العدد (٥٩٨) تحت عنوان «معنى خلافة الإنسان» للأستاذ محمد إبراهيم شقرة مدير المسجد الأقصى «وخليفة على وزن فعيلة، وهي بمعنى فاعل «خالف»، وهذا يستلزم أن الخليفة يقوم عن المخلوف عنه في حالة غيابه، بسبب من الأسباب الموجبة لوجود الخليفة، كي يؤدي ما كان يؤديه المخلوف عنه، فاجتماعهما معًا أي الخليفة، والمخلوف عنه فيه استحالة؛ لأن الخلافة لا تكون في حالة وجود المخلوف عنه؛ بل تكون في غيابه لموت، أو سفر، أو مرض، أو نحو ذلك من الأسباب؛ سواء أكان السبب كليًّا كالموت، أو نسبيًّا كالسفر، وهذا المعنى للخلافة لا يتحقق- قطعًا- إذا كان متعلقها بين الإنسان، وبين الله؛ لأن الله سبحانه حي لا يغيب، وصفة الحياة لله دائمة كذاته، وإذا كان الله سبحانه هذا شأنه، فهل يكون للخلافة عنه معنى، أو هل يكون هو بحاجة إلى الإنسان الذي يخلفه؟ لو كان الله سبحانه محتاجًا لخليفة يقوم عنه بأمره، وينزل أحكامه نيابة عنه على خلق مثله، لكان الله مفتقرًا إلى خلقه، وحاشا الله أن يكون كذلك، وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، وهو سبحانه «الغني» كما وصف نفسه... إلى أن قال: ولم يعهد عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى أنه كان يقول: إن الإنسان خليفة الله في الأرض؛ بل ذلك من قول بعض المتأخرين، فعلينا كما قال أبو الدرداء، رضي الله عنه بالأمر العتيق.
يتضح مما كتبه الأستاذ الكاتب أنه التبس عليه الأمر، وحيث قاس الخالق على المخلوق في قضية الخلافة، فنعني بذلك أن يكون الإنسان خليفة الله في أرضه بمعنى تنفيذ الإنسان أوامر الله، وأحكامه ونواهيه وإقامة العدل في الأرض...
أولًا: نشكر للكاتب على أنه أحسن صنعًا؛ حيث إنه أراد من وراء ذلك أن ينزه الخالق فذلك شيء حسن، وواجب الاعتقاد على كل مسلم؛ لأنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11).
ثانيًا: أريد أن أوضح للكاتب الكريم وللقراء أن الوصف الذي يوصف به سبحانه ليس هو الوصف الذي يوصف به العبد، فقد يشترك الإنسان في وصف مع الله سبحانه، ولكن وصف الله تعالى مغاير تمامًا لوصف الإنسان، فمثلًا يوصف سبحانه بأنه حليم، وبأنه كريم، وبأنه رحيم... ويوصف الإنسان كذلك بتلك الأوصاف، ولكن وصف الله تعالى بالحلم، وبالكرم، وبالرحمة... مغاير تمامًا لما يوصف به المخلوق فحلم الإنسان، وكرمه، ورحمته لا يمكن أن يرقى إلى حلم الله تعالى، وكرمه، أو رحمته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11).
ومثل ذلك مكر الله تعالى في قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30) ومعناه كما جاء في تفسير ابن كثير: «فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم» [ابن كثير 2/ 304].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأعراف: ۹۹) والمعنى كما ذكر ابن كثير: «بأسه، ونقمته، وقدرته عليهم، وأخذه إياهم في حال سهوهم، وغفلتهم».
فمكر الله غير مكر البشر، حيث الخداع والتضليل والمراوغة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وبالمثل هنا، فإننا عندما نقول: إن الإنسان خليفة الله تعالى، وإن الله تعالى مخلوف عنه، فليس معنى ذلك أن الله تعالى في هذه الحالة كالمخلوف عنه من البشر الذي يغيب، ويحضر، ويموت وينام....
وإذا قلنا: إن الإنسان خليفة الله في أرضه، فليس معنى ذلك أنه يحكم في الأرض لغياب الله، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما هو سبحانه موجود بعلمه في كل مكان، وكل زمان لا يغيب، ولا يعتريه شيء مما يعتري البشر، ومعنى خليفته -كما ذكرنا- أنه منفذ لأوامر الله تعالى ونواهيه، ويحكم بما أنزل الله، ويقوم بما كلفه سبحانه من فرائض وواجبات... ومنه قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (ص: 26).
وتطبيقًا لقول الأستاذ الكاتب، فإننا يمتنع علينا أن نطلق على النبي الذي أرسله الله بأنه رسول الله، حيث أن كلمة رسول، ومرسل «بكسر السين» وصفا بها البشر، وذلك كمن يرسل آخر برسالة إلى شخص ثالث، فالذي أرسل الرسالة مرسل «بكسر السين» والآخر الذي حمل الرسالة رسول، والرسول في هذه الحالة يقوم مقام المرسل في ذلك المكان الذي حمل الرسالة إليه، وحيث لا يتواجد، وإلا إذا وجد المرسل في ذلك المكان، فلا معنى للرسول حامل الرسالة، ومما لا نزاع فيه أن النبي الذي أرسله الله هو رسول الله ينفذ أوامره، ونواهيه، ويبشر وينذر، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويحكم بين الناس بالعدل... والله سبحانه هو المرسل «بكسر السين» قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا﴾ (الكهف: 56).
علمًا بأن الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل إلى خلقه وهو يعلم بعلمه، وهو ليس محتاجًا للرسول، ولا مفتقرًا لأحد من خلقه، وبإمكانه سبحانه أن يهدي الناس بدون واسطة رسل من البشر، ولكن اقتضت حكمته سبحانه بأن يرسل إلى الخلق من أنفسهم رسلًا مبشرين ومنذرين.
يتضح من المثالين السابقين، الخليفة والمخلوف عنه والرسول والمرسل- إن قياس المخلوق على الله سبحانه قياس مع الفارق الكبير، ومن هنا حصل الالتباس على الكاتب.
أما قول الأستاذ الكاتب، ولم يعهد عن أحد من السلف...
ففيما يبدو أن الأستاذ الكاتب لم يرجع إلى التفاسير سوى تفسير ابن كثير، وإلا فإن المفسرين قد ذكروا لتفسير «كلمة خليفة» ثلاثة تفاسير، وكلها منقولة عن الصحابة والتابعين من القرون الثلاثة الأولى:
التفسير الأول: أن «خليفة» بمعنى خالف أي يخلف غيره ممن كان قبله في الأرض، أو أن بني آدم يخلف بعضهم بعضها.
التفسير الثاني: أن «خليفة» بمعنى ساكنًا وعامرًا للأرض.
التفسير الثالث: بمعنى خليفة في الأرض بتنفيذ أوامر الله ونواهيه والحكم بالعدل، وهذه التفاسير ذكرها ابن كثير كذلك في تفسيره.
وستذكر هذه الأقوال منسوبة للمفسرين، كما وردت في تفاسيرهم جاء في الطبري: «وكان ابن إسحاق يقول بما حدثنا به ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق «إني جاعل في الأرض خليفة» يقول: ساكنًا وعامرًا، يسكنها ويعمرها خلفًا ليس منكم، وليس الذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها، وإن كان الله جل ثناؤه إنما أخبر ملائكته إنه جاعل في الأرض خليفة يسكنها، ولكن معناها ما وصفت قبل... ويحتمل أن يكون أراد ابن زيد أن الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة له يحكم فيها بين خلقه بحكمه، نظير ما حدثني به موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن أبي مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله جل ثناؤه قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة، قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا، فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود، وابن عباس: إني جاعل في الأرض من يخلفني في الحكم بين خلقي، وذلك الخليفة هو آدم، ومن قام مقامه من عباد الله.. [الطبري 1/ 156/ 157].
وجاء في تفسير القرطبي:
«وخليفة يكون بمعنى مفعول؛ أي مخلف، كما يقال: ذبيحة بمعنى مفعوله. والمعنى بالخليفة هنا في قول ابن مسعود، وابن عباس وجميع أهل التأويل- آدم عليه السلام، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره؛ لأنه أول رسول إلى الأرض، كما في حديث أبي ذر: قلت: يا رسول الله أنبيًا كان مرسلًا؟ قال: «نعم». [القرطبي 1/ 364].
وجاء في زاد المسير:
«وفي معنى خلافة آدم قولان:
أحدهما: إنه خليفة عن الله تعالى في إقامة شرعه، ودلائل توحيده والحكم في خلقه، وهذا قول ابن مسعود ومجاهد.
والثاني: إنه خلف من سلف في الأرض قبله، وهذا قول ابن عباس والحسن. [زاد المسير 1/ 60].
وجاء في تفسير النيسابوري:
«والمراد به آدم إما لأنه صار خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه، ويروى ذلك عن ابن عباس، وأما لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه؛ كقوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ﴾ (ص: 26) وهو المروي عن ابن مسعود، والسدي، وعن الحسن أن المراد بالخليفة أبناء أدم؛ لأنه يخلف بعضهم بعضًا، ويؤيده وهو الذي جعلكم خلائف الأرض. [النيسابوري 1/ 214 بهامش الطبري].
وحسب ما أرى- والله أعلم- أنه لا مانع من أن تحمل المعاني الثلاثة على معنى «خليفة في الأرض».
ولكني أميل إلى تفسير أنه خليفة الله في إقامة شرعه، ودلائل توحيده، والحكم في خلقه؛ إذ لا معنى لتفضيله عليه السلام، وأمر الله تعالى للملائكة بأن يسجدوا له، لو لم تكن له تلك الخاصية، وتلك الميزة التي ميزه الله تعالى، ولا تظهر تلك الميزة فيما يبدو لي في كون بني آدم يخلف بعضهم بعضًا، أو أن آدم خلف من كان قبله في الأرض، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما قول الأستاذ الكاتب: «فاتضح مما سبق أن الخليفة إما أن يكون مماثلًا للمخلوف عنه، وإما أن يكون أفضل منه، وأنه لا يكون خليفة لمخلوف عنه من كان دون المخلوف في صفاته».
إذًا ما رأى الأستاذ الكاتب في خليفة رسول الله أبي بكر، فإن أبا بكر ليس مماثلًا للرسول، فمحمد صلى الله عليه وسلم نبي ورسول ومعصوم عن الخطأ، أما أبو بكر فشخص من الأشخاص العاديين، ورسول الله قطعًا أفضل من أبي بكر، مع ذلك فهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ناحية أخرى فإن الكاتب وقع في تناقض؛ حيث إنه لم يجز القول بأن الله تعالى مخلوف عنه، لكي لا يقع في التشبيه وأجاز بأن يكون الله خليفة، واستدل بالحديث: «اللهم أنت الرفيق في السفر، والخليفة في الأهل» والخليفة كذلك من صفات المخلوق، فإذا لم يجز لنا بأن نطلق على المولى الكريم بأنه مخلوف عنه، فمن باب أولى لا يجوز لنا أن نطلق عليه خليفة، فكيف يستقيم هذا السياق، فالقول إذًا كما وضحناه أنفًا.
وأخيرًا أريد أن أنبه إلى أن الأستاذ الكاتب وقع في خطأ أدبي كذلك؛ حيث نقل عن ابن كثير في تفسير خليفة قوله: «أي قومًا يخلف بعضهم قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل كما قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (الأنعام: 165) وهذا هو الصواب في تفسير خليفة لأقول من يقول: أن آدم خليفة الله في الأرض مستدلًا بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30) انتهى.
فهذا يقضي أن كل هذا السياق من قول ابن كثير لقوله آخر السياق انتهى، ووضع العبارة بين قوسين، ولكن عندما رجعنا لتفسير ابن كثير، وجدنا قوله: ينتهي عند قوله: كما قال الله ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (الأنعام: 165). [انظر 1/ 70 دار الفكر].
وقوله هذا هو الصواب إلى قوله انتهى هو من قول الكاتب، وليس من قول ابن كثير، لذلك فإن الأمانة العلمية تقتضي بأن ننبه لمثل ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل