العنوان تعلمت من هؤلاء (7).. المستشار مأمون الهضيبي
الكاتب د. محمود عزت
تاريخ النشر السبت 29-يناير-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1937
نشر في الصفحة 35
السبت 29-يناير-2011
هو شخصية حازمة، لكن هذا الحزم كان معه مجموعة من الأخلاق التي حولت هذا الحزم إلى سمة رفيعة رائعة للأستاذ مأمون الهضيبي يرحمه الله، ومع ذلك كان رقيق القلب إنسانًا صبورًا يستمع وينصت، يلمح المعاني من خلف الألفاظ، إنسان خدوم جدًا، متواضع جدًا، رفيق جدًا، تظهر فيه بوضوح مجموعة الأخلاق هذه.
وقد كنت جاره، وكان لي تعامل معه في بيته، ومع هذه الشخصية الحازمة القوية كان خدومـًا يرعى أهله في مرضهم.. يسعى في حاجاتهم، حتى أنه كان يرعى السيدة الخادمة التي كانت تخدمهم، ثم طال بها العمر فعجزت عن خدمة الأسرة، فكنت ألاحظ أنه يتغيب عن منزله ليزور هذه الخادمة في بلدها الأصلي، كان يرعى زوجته في مرضها صحيح أنه توفي قبلها، ولكنها كانت تعاني من مجموعة من الأمراض، كانت تقتضي من المستشار مأمون يرحمه الله أن يسهر بجوارها الساعات الطوال، ربما يأتي إلى صلاة الفجر في المسجد وهو لم يتم إلا نصف ساعة، وذلك في رعايته لزوجته.. هكذا كان الأستاذ مأمون يرحمه الله مع أهله ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا من حولك﴾(آل عمران ١٥٩).
كان ينصت دائما لمحدثه ويراجع الكلمات كلمة كلمة، وأذكر أنه في إحدى المرات ذهبت أصلى معه المغرب، وفوجئت به يقول لي: أنت قلت كذا وكذا في اجتماع المكتب ولم أرد عليك، أنا قلبت ما قلته ونظرت فيه ورأيت فيه كذا وكذا.. وكان يحسم الأمور، ولكن كان هذا الحسم بعد ترو وتعقل، وكان لماحًا، فإذا حزم بأمر كان يدرس كل ما يحيط بهذا الأمر، من ظروف نفسية ومن أحداث سواء كانت هذه الأحداث محلية أو عالمية، وهو أيضًا مع هذا الحزم كان رجلا صاحب تدبر في آيات الله، وكان هذا التدبر كثيرًا ما يقوده إلى الحجة التي يحزم بها أمره.. هذه الشخصية مع ما كان فيها من مهابة ومن قوة الحجة، إلا أنه كان يخفف من هذا الحزم بفكاهته عن طريق بعض النكات التي كان يسوقها أحيانا في وسط هذه المواقف الصعبة.
المستشار مأمون يرحمه الله كان رجاعًا، لا يدفعه أنه حزم في أمر أن يعود عن هذا الأمر إذا تبين له صحة الحجة التي سيقت إليه.. فقد كان يرحمه الله حازمًا مع نفسه أكثر من حزمه مع الناس تجد ذلك في حرصه على أوراده، وفي حرصه على الالتزام بالتعليمات العامة سواء كانت هذه التعليمات تعليمات في المرور أو في قوانين السير أو في أي تعامل مع غيره، كان يحرص في عبادته الخاصة أن يذهب إلى المسجد مبكرا.. فيذهب قبل الفجر وهو الذي يفتح المسجد كما كان له شيخ يحفظ عليه القرآن ويراجعه معه، لأنه كان أيضًا حريصًا على أن يؤم الناس للصلاة سواء كان في رمضان في صلاة القيام أو في غيرها من الصلوات..
وكان يرحمه الله يضع لنفسه برنامجًا، ويعطي كل ذي حق حقه، سواء كان في الجانب الأسري أو الجانب التعبدي.. وما كانت تمنعه لقاءاته السياسية أو المناظرات التي حفل بها تاريخه ومواقفه السياسية ود انشغالاته الاجتماعية والحياتية.. لم يمنعه ذلك من أن يواظب على ورده وعلى حفظه للقرآن وعلى قيامه بأداء عبادته، كان قدوة في كل شيء، وكما قلت ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غليظ القلب لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، هكذا كان المستشار مأمون يرحمه الله مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم، كان كثير العفو كثير المشاورة، ولكن في النهاية كان ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، فكان يرحمه الله إذا عزم أمرًا مضى فيه بكل قوة وبعدم تردد نحسبه كذلك والله حسيبة.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل