العنوان تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم سورة «الفاتحة» (١من ٣)
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر السبت 26-يونيو-2010
مشاهدات 77
نشر في العدد 1908
نشر في الصفحة 46
السبت 26-يونيو-2010
- أحد أعظم نورين اختص الله بهما الرسول ﷺ وفيها من الشفاء ما ليس في غيرها من القرآن.
- سورة مكية لا تصح الصلاة إلا بها وبعض النصوص جاءت دالة علي أنها أفضل ما نزل من عند الله في الكتب كلها.
- من أسمائها « أم الكتاب» لأنها تجمع علوم القرآن وكلياته الأساسية.. و«السبع المثاني» لأنها تكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة.
الحمد لله الذي أنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ خير الكتب وأفضلها، وهو القرآن الكريم؛ فأعزنا به، وأكرمنا، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، والصلاة والسلام على المصطفى المختار محمد صلوات الله وسلامه عليه، الذي أنزل عليه كتابه العظيم، وجعل كتابه خلقه الذي تخلق به، وعلى آله الأبرار وصحبه الأخيار الذين تلقوا كتاب الله عن نبيهم فحفظوه، وفقهوه، وعلى من سار مسارهم وسلك سبيلهم، وبعد:
فقد قامت في نفسي رغبة قوية منذ سنوات بعيدة في تفسير كتاب الله تعالى، ولم تزل هذه الرغبة تقوى وتشتد حتى أذن الله تعالى بالأخذ بالتفسير منذ عامين، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا التفسير بركات تحل في نفسي، ويهدي بها الله قلبي، ويحشرني بها ربي في زمرة الذين فقهوا كتابه وعملوا به، ودعوا إليه، فذاك السؤدد والعز والشرف.
وقصدي من وراء هذا التفسير تجلية معاني القرآن بأوضح عبارة بعيدًا عن التعقيد والمصطلحات النحوية والبلاغية والأصولية وغيرها، فهو تفسير لمتوسط الثقافة، تشف ألفاظه عن معانيه، اعتمد فيه على تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ومن سار على إثرهم من علماء التابعين وأبنائهم، بعيدًا عن منهج الفرق التي ابتدعت عن المنهج الأصيل من المعتزلة والخوارج والشيعة والمرجنة ونحوهم.
ولسهولة تناول سور القرآن؛ قسمت كل سورة من سوره إلى نصوص، يضم النص الواحد في الأغلب الأعم أربع خطوات، الأولى: مقدمة للنص، والثانية: آيات النص القرآني، والثالثة: المعاني الحسان لتفسير آيات النص الذي أتناوله، والرابعة: ما تهدي إليه آيات النص من علم وعمل.
وقد أثرت مجلة «المجتمع» الغراء بنشر هذا التفسير في حلقات متتابعة على صفحاتها، فقد كان لي بها صلة قوية منذ صدورها، ونشرت فيها كثيرًا مما خطه قلمي، وسيستمر نشر هذا التفسير في مجلة «المجتمع» إلى أن يقدر الله تعالى إتمامه، ثم طبعه والله المستعان.
سورة الفاتحة مكونة من سبع آيات، وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وعدد حروفها ثلاثة عشر ومائة حرف، وهي أولى سور القرآن الكريم، وهي أفضل سور القرآن، فهي أفضل من سورة «البقرة»، وأفضل من سورة «آل عمران» بل هي أفضل ما نزل من السماء، وهي أساس القرآن وجامعة معانيه، وهي «السبع المثاني والقرآن» الذي أتاه الله رسوله محمدًا ﷺ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (الحجر: 87) ، وهذه الآية مكية باتفاق العلماء، فدل ذلك على أن سورة «الفاتحة» مكية النزول، لأن الله أمنن بهذه الآية على رسوله ﷺ، والامتنان إنما يكون بما نزل، ويدل على نزولها في مكة أن «الفاتحة» مرتبطة بالصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بها، والصلاة فرضت في مكة.
أسماء هذه السورة
وتسمى هذه السورة بـ«فاتحة الكتاب» و«أم الكتاب» و«أم القرآن» و«الحمد» و«السبع المثاني» و«القرآن العظيم»
أسباب تسميتها بهذه الأسماء:
أ- وقد سماها الرسول ﷺ: ب«فاتحة الكتاب» في حديث عبادة بن الصامت، في قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (البخاري؛ ٧٥٦، ومسلم: ٣٩٤) وسميت بفاتحة الكتاب لافتتاح المصاحف بها، ولأن الذي يتلو القرآن يفتتح التلاوة بها.
ب- وسماها الرسول ﷺ في حديث سعيد بن المعلى ب«السبع المثاني والقرآن العظيم» قال رسول الله ﷺ: «هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» (البخاري ٤٧٠٣)، سماها ب«السبع المثاني» لأنها تثنى في كل ركعة من ركعات الصلاة، أي تكرر فيها.
ج- وسميت بـ «أم الكتاب»، لأنها تجمع علوم القرآن، وكلياته الأساسية في العقيدة والتصور والمشاعر والتوجهات، والعرب كما يقول ابن جرير تسمي «كل جامع أمرًا، أو مقدمًا لأمر أمًا، إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع» (ابن جرير الطبري: ١/٤٨).
د- وسماها رسولنا ﷺ ب«الحمد» في الحديث الذي رواه عنه أبو هريرة، ونصه: «الحمد لله، وأم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني» (الترمذي: ٣١٢٤)، وسميت ب«الحمد» لأنها مفتتحة بهذه الكلمة، وذكر السيوطي أن أسماءها تزيد على عشرين اسمًا، وذكر من أسمائها: «الصلاة، والشفاء، والرقية، والأساس، والوافية، والكافية» (قطف الأزهار: ص ١٠٦)، والصواب الاقتصار في عدها على ما ورد في النصوص، والله أعلم.
فضائلها
ل«الفاتحة» فضائل كثيرة ثبتت في الكتاب والسنة، فمن ذلك:
- الفاتحة هي المقصودة بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ( الحجر: 87) ، وقد صرح الرسول ﷺ في حديث أبي سعيد المعلى وحديث أبي بن كعب بأن «الفاتحة» هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أتاه الله إياه، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم» (البخاري: ٤٧٠٤)، وإنما كانت «الفاتحة» هي السبع المثاني، لأنها سبع آيات تثنى في كل ركعة من ركعات الصلاة، فريضة كانت أو تطوعًا.
- «الفاتحة» أحد أعظم نورين أوتيهما الرسول ﷺ لم يؤتهما نبي من قبله، وقد أخبر الرسول ﷺ بذلك ملك نزل من السماء، لم ينزل قبل ذلك اليوم، من باب لم يفتح قبل ذلك اليوم، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس، قال: «بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته» (صحيح مسلم (٨٠٦)، وقد دل هذا الحديث على فضل نور سورة «الفاتحة» ونور خواتيم سورة «البقرة» وسيأتي نور سورة الفاتحة أفضل من نور خواتيم سورة البقرة.
أفضل القرآن دل أكثر من حديث على ان سورة «الفاتحة» أفضل ما نزل من القرآن، فقد روى البخاري عن سعيد بن المعلى، قال: «مر بي النبي ﷺ وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيت، فقال: ما منعك أن تأتيني، فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ ( الأنفال: 24).. ثم قال: «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟»، فذهب النبي ﷺ ليخرج من المسجد فذكرته، فقال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2)، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته (البخاري ٤٧٠٣، وانظر رقم: ٤٦٤٧- ٥٠٠٦)، فهذا الحديث صريح في أن «الفاتحة» هي أعظم سورة في القرآن.
- وجاءت بعض النصوص دالة على أن «الفاتحة» أفضل ما نزل من عند الله في الكتب كلها، ففي سنن الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ خرج علي أبي بن كعب، فناداه الرسول ﷺ قائلًا: «يا أبي» وهو يصلي، فالتفت أبي ولم يجبه، وصلى أبي، فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ «وعليك السلام، ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك؟، فقال: يا رسول الله، إني كنت في الصلاة، قال: أفلم تجد فيما أوحى الله إلى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ (الأنفال: 24).. قال بلى، ولا أعود إن شاء الله» قال: «أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها» قال: نعم يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ: «كيف تقرأ في الصلاة، قال: فقرأ «أم القرآن» فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته» «الترمذي: ٢٨٧٥، وقال فيه: هذا حديث حسن صحيح، وأورده الألباني في صحيح سنن الترمذي: ورقمه: ۲۳۰۷) وهاتان واقعتان، جرت كل واحدة منهما مع صحابي، وقرر الرسول ﷺ في الأولى أن «الفاتحة» أفضل سور القرآن وفي الثانية أنها أفضل ما أنزل في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، فهما فضيلتان، لا فضيلة واحدة.
شفاء من الأمراض
القرآن شفاء و«الفاتحة» فيها من الشفاء ما ليس في غيرها، فعن أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جملًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق ينقل عليه ويقرأ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2). فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: «وما يدريك أنها رقية» ثم قال: «قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما» فضحك النبي ﷺ (البخاري: ٢٢٧٦، ومسلم ۲۲۰۱)، والحديث واضح الدلالة على شفاء ذلك الرجل اللديغ بقراءة ذلك الصحابي «الفاتحة» عليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل