; تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم (1935) | مجلة المجتمع

العنوان تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم (1935)

الكاتب عمر الأشقر

تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011

مشاهدات 66

نشر في العدد 1935

نشر في الصفحة 60

السبت 15-يناير-2011

النص القرآني الرابع عشر قصة بقرة بني إسرائيل

لا يجوز للمسلم أن يسخر أو يلعب بأمر يتعلق بالله تبارك وتعالى ومن فعل ذلك يكون من الجاهلين.

شدد بنو إسرائيل على أنفسهم بالسؤال فشدد الله عليهم بالجواب.

حدثنا ربنا -تبارك وتعالى- في آيات هذا النص عن سؤال بني إسرائيل نبيهم موسى عليه السلام عن واقعة قتيل منهم، وجدت جثته بين حيين من أحيائهم، كل منهما يتهم الآخر بقتله، فأمرهم أن يذبحوا بقرة، فظنوه يهزأ بهم، فقال لهم: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، فاشتغلوا بإيراد الأسئلة التي تبين صفات البقرة المقصودة، وكان الواجب عليهم أن ينفذوا ما أمروا به، وكل البقر لديهم موضع للتنفيذ، ولكنهم شددوا فشدد عليهم، ولم يجد إلا بقرة واحدة تتصف بتلك الصفات، فلما نفذوا وذبحوا البقرة أمرهم نبيهم أن يضربوا القتيل ببعض منها، فأحياه الله، ودل على قاتله .

آيات هذا النص من القرآن الكريم

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِالله أَنْ أكون من الجاهلينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبِّكَ يُبَيِّنَ لَنَا مَا هي قال إنه يقول إِنَّهَا بَقَرَةً لَا فَارِضِ وَلَا بكر عَوَان بين ذلكَ فَافْعَلُوا مَا تُو ما تؤمرون  قالوا ادع لنا ربك بين لَنَا مَا لَوْنَهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لُوْنَهَا تسر الناظرين قالو ادع لنا ربك يبن لنا  ما هي إن ابقر تَشَابَهُ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قال إنه يقول إِنَّهَا بَقَرَة لا ذلول تثير الأَرْضِ ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فدبحوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قتَلْتُمْ نَفْسًا فَإدارتم فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بَعْضَهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ويُريكم آياته لعلكم تعقلون  ثُمَّ قَست قلوبكم من بعد ذلك فهي كَالْحَجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الحجارة لما ينفجر منه الأَنْهَارُ وَإِن منها لما يَشْقُق فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا الله بغافل عما تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة : 67: 74 )

المعاني الحسان في تفسير هذه الآيات

1.   موسى عليه السلام يأمر قومه أن يذبحوا بقرة:

 أمر الله تبارك وتعالى بني إسرائيل أن يذكروا ما كان من أمر نبي الله موسى وقومه أن يذبحوا بقرة، فعجبوا من هذا الأمر الذي أصدره إليهم، وظنوه يسخر بهم، فسألوه عن ذلك، فبادر بالإجابة قائلًا :﴿أعوذ بالله أن أكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (البقرة : 67)، أي أحتمي بالله أن أكون جاهلًا، فالأمر الذي ينسب إلى الله لا يجوز فيه الهزل، قال تعالى﴿ وَإِذْ  قال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَنتَّخِذْنَا هُزُوا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة البقرة : 67)

إن موسى عليه السلام جاد كل الجد في أمره اياهم، وما كان له ولا لأحد من المؤمنين أن يسخر بأمر منسوب لرب العالمين، وكان الواجب على بني اسرائيل أن ينفذوا الأمر من غير تأخير ولا تسويف فأي بقرة من جنس البقر أخذوها وذبحوها يكونون قد حققوا ما أمروا به ولكنهم سوفوا وأخروا وسألوا بزعمهم أنهم يريدون من رب العالمين أن يصف لهم البقرة التي يريدون ذبحها وصفًا دقيقًا، وقد كانوا في ذلك مخطئون فيما ظنوه ،ذهبوا إليه فالأمر الصادر إليهم بذبح بقرة من عرض البقرة الموجودة في ذلك الوقت، ومن غير وصف لها بصفات ومن غير تمييز لها بمميزات.

2تشديد بني إسرائيل علي أنفسهم بالسؤال فشدد الله عليهم بالجواب:

طلب بنو إسرائيل من موسى أن يسأل ربه عن هذه البقرة﴿ ما هي قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبِّكَ يُبَيِّن لنا ما هي﴾(البقرة:67)، شددوا في الطلب: فشدد الله عليهم في الجواب﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةً لَا فَارِضٌ وَلَا بِكَرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ. قال ابن عباس: «لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، ولكنهم شددوا، فشدد الله عليهم« )ابن كثير : ٢٩٤/١، وحكم على إسناده بالصحة.(

جاء الجواب من الله: إنها بقرة شابة، لیست بالفارض وهي المسنة الكبيرة، ولا بالبكر الصغيرة، والشابة هي العوان التي بين هذين السنين، وهي كما يقول الضحاك: »أقوى ما يكون من الدواب والبقر، وأحسن ما يكون« )ابن كثير:1/294)

وأتبع موسى تحديد السن يقول: ﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ)البقرة:68) أي سارعوا بتنفيذ ما أمرتم به، ولا تسوقوا بالإكثار من السؤال.

ولكنهم لم يفعلوا وعادوا يسألون﴿قالوا ادْعُ لَنَا رَبِّكَ يُبَيِّنَ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةً صَفْرَاءُ فَاقَعٌ لَوْنَهَا تَسُرُ النَّاظِرِينَ (البقرة:69)،قال الله -عز وجل- في الجواب: إنها بقرة صفراء، وصفارها خالص، لا يشوبه لون آخر، لا بياض، ولا سواد، ولا حمرة، والعرب إذا أرادت الصفار خالصا نعتته يكونه فاقعًا﴿فَاقَعٌ لَوْنَهَا، وهي تقول: أصفر فاقع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأبيض  ناصع، وأخضر ، ناضر.

 وليست بصفرة خالصة فحسب، ولكنها مع ذلك تسر الناظرين، أي تبهج نفوسهم، قال وهب بن منبه: »إذا نظرت إلى جلدها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها« (تفسیر ابن جرير: 346/1)

ولم يقف بنو إسرائيل عند ذلك، بل تمادوا في السؤال لمزيد من التحديد،

﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ(البقرة:70)،قالوا: يا موسي ادع  لنا ربك يبين لنا ما هي؟ وهذه هي المرة الثانية التي يسألون فيها عن ماهية البقرة انهم يريدون تحديدها تحديد دقيقا، بحيث يعرفونها عندما ينظرونها ولا تختلط عليهم بغيرها،  فالبقر الذي تتطبق عليهم الصفات كثيرة، وإنا إن شاء الله لمهتدون  لذبح البقرة التي طلبت منا ذبحها، فأجاب موسى عليه السلام قائلًا:

﴿قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ﴾ (البقرة:71)

قال لهم: إن البقرة التي أمرتم بذبحها مدللة، غير مذللة بالعمل، فهي لم توضع قيد العمل، فلا تحرث الأرض، ولا يُسنى عليها، ذلك كله سالمة من العيوب، وليس فيها وهي مع أي لون آخر يخالط الصفرة، وهذا معنى لا شية فيها .

عند ذلك قالوا: الآن جئت بالحق، وبحثوا عن هذه البقرة فوجدوها وذبحوها، وما كادوا يفعلون ما أمروا به، لكثرة تعنتهم، ولكثرة تسويفهم بالسؤال، ولقلة الأبقار التي تنطبق عليها تلك الصفات الكثيرة، ويذكر المفسرون أن بني إسرائيل لم يجدوا إلا بقرة واحدة تنطبق عليها جميع الصفات، فاشتط صاحبها في ثمنها، ولذلك كادوا أن يعدلوا عن الذبح لولا هداية الله لهم.

 3- أمر الله بني إسرائيل بضرب القتيل ببعض من البقرة:

 لما أتم بنو إسرائيل ذبح البقرة، جاءهم الأمر من الله بضرب القتيل الذي سألوا موسى عنه ببعض منها، فأحياه الله، ودل على قاتله،  ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ﴾ (البقرة:72)، وعقب الله على إحياء الميت بهذه الطريقة: ﴿كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾(البقرة:73)، والتدارؤ المذكور في الآية النزاع والاختصام والتدافع كل طائفة تدعي أن الأخرى هي القاتلة، وقد أبهم الله البعض الذي أمروا أن يضربوا به الميت من البقرة فلا نبحث عنه، وإحياء الميت بهذه الطريقة آية من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته سبحانه على البعث والنشور، وقد ذكر الله لنا جملة من الآيات الدالة على إحيائه الموتى في الدنيا، وسيأتي ذكر بعضها في هذه السورة.

 4- قسوة قلوب بني إسرائيل من بعد ما رأوا آية إحياء الله الموتى:

 رأى بنو إسرائيل آية عظيمة، رأوا الميت تعود إليه الحياة، وسألوه عن قاتله فدل عليه وكان ينبغي للقلوب القاسية أن تخشع وتلين ولكن الذي وقع منهم كان خلاف ذلك: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾(البقرة:74).

 هذه الآية مساقة لتوبيخ بني إسرائيل وتقريعهم على ما كان من قساوة قلوبهم والقلوب القاسية هي القلوب الصلبة الشديدة اليابسة، وتكون القلوب كذلك إذا خلت من الإنابة لله والإذعان إليه، وقد شبهها في قساوتها بالحجارة، ثم جعل قسوتها أشد من قسوة الحجارة، فإن بعض الحجارة يتفجر منه الأنهار، وبعضها يتشقق فيخرج منه الماء، وبعضها يهبط من خشية الله، وختم الآية بقوله: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾(البقرة:74)، فالله لا يغفل عن شيء فعله العباد، فالله عالم بما سيفعلونه قبل أن يفعلوه، وهو مكتوب عنده في كتاب، وهو عالم به عندما يفعلونه، وهو هو مدون عنده في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .

 فقه الآيات وفوائدها

1.   في هذه الآيات ذكر آية عظيمة أوقعها ببني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام فقد أمرهم نبيهم أن يذبحوا بقرة، ثم يضربوا قتيلًا منهم تنازعوا في قاتله، فأحياه الله، ودل على قاتله.

2.    ذم الله بني إسرائيل لكثرة مسائلهم. وقد كان الواجب عليهم عندما أمرهم نبيهم بذبح البقرة أن يأخذوا من البقر الكثير الذي حولهم بقرة فيذبحوها من غير هذا التشديد الذي شددوا به على أنفسهم.

3.    كان السلف الأول من الصحابة والتابعين يرون أن حكم الله فيما أمر ونهى في كتابه أو على لسان رسوله، على العموم الظاهر، دون الخصوص الباطن، إلا أن يخص بعض ما عمه ظاهر التنزيل (ابن جرير : 348/1)، ولم يكونوا يتوقفون فيما أنزل إليهم من ربهم حتى يسألوا عنه سؤال اليهود.

4.    سميت هذه السورة العظيمة باسم سورة »البقرة»، لذكر قصة البقرة المذكورة في هذا النص فيها .

5.    لا يجوز أن يسخر المسلم أو يلعب بأمر يتعلق بالله تبارك وتعالى، ومن فعل ذلك فإنه يكون من الجاهلين، نعوذ بالله أن نكون منهم.

6.   قررت آيات هذا النص أن القلوب قد تصبح قاسية، وقد تزيد قساوتها على قساوة الحجارة الصم القاسية، فمن الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء، ومنها الذي يهبط من خشية الله وإذا كانت القلوب تقسو بسبب الغفلة عن الله والبعد عنه، فإن قلوب الصالحين تكون لينة مخبتة.

7.    فيما حدثنا الله عنه من قصص بني إسرائيل وأخبارهم عظات وعبر استفاد منها المسلمون عبر تاريخهم، ولا يزالون.

8.    ما ذكره الله في هذا النص هو القصة الصحيحة في موضوع البقرة، وقد أشاع اليهود في هذه الأيام أنه ولد عندهم بقرة صفراء، وأن وجود هذه البقرة ضروري لقيام دولتهم، وأنهم سيذبحونها ويحرقونها ويذرونها للخلاص من ذنوبهم، وكل هذا من الخرافات التي اخترعوها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1643

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 11

154

الثلاثاء 26-مايو-1970

تفسير زئبقي للقرآن

نشر في العدد 46

130

الثلاثاء 02-فبراير-1971

كيف يفكر أشبال الجيل الجديد؟