العنوان تقرير جديد يدين وضعية حقوق الإنسان في عالمنا العربي والإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 05-يناير-2002
مشاهدات 50
نشر في العدد 1483
نشر في الصفحة 9
السبت 05-يناير-2002
لا تزال وضعية حقوق الإنسان -في العديد من بلدان العالم العربي والإسلامي -تعاني من بطش الحكام وعسف المسؤولين وتجاوزات رجال الشرطة والأمن، وعلى الرغم من الاهتمام المتزايد بحقوق الإنسان على المستويين الشعبي والدولي، فإن البطش والعسف والتجاوزات لا تزال مستمرة، ويتفنن المسؤولون عن تلك الجرائم في ابتكار أساليب جديدة يظنون أنهم بها يمكن أن يفلتوا من العقاب؛ وهم إن أفلتوا في الدنيا فكيف يفلتون من المنتقم الجبار يوم القيامة، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟
ومن تلك الأساليب الوحشية التي زاد اللجوء إليها في المدة الأخيرة ما عرف بأسلوب الاختفاء القسري، وهو في الواقع إخفاء لا اختفاء، وقد أصدرت «منظمة العدل العالمية»، التي تتخذ من العاصمة الهولندية لاهاي مقرًّا لها، دراسة قانونية حديثة تكشف جانبًا من المعاناة التي لا تزال تعيشها بعض الشعوب جراء لجوء الأنظمة التي تحكمها إلى ذلك الأسلوب، فقد لاحظت المنظمة أن العديد من الأنظمة في العالم، وبالخصوص في الوطن العربي يعمد إلى اختطاف عدد من المعارضين، وفرض حالة الاختفاء القسري عليهم، من أجل ضمان بقاء هيمنة الأنظمة واستمرارها في الحكم لأطول فترة ممكنة.
وقالت المنظمة في الدراسة التي أعطتها عنوان: «الاختفاء القسري جريمة العصر تقترفها الأنظمة المستبدة»، إن قيمة الإنسان أصبحت أرخص شيء في تلك البلدان، وإن بعض الأنظمة «تمارس الجرائم البشعة ضد المدنيين باسم الدولة أو الحزب أو الوطن، وأحيانًا باسم الحداثة أو بزعم مواجهة الرجعية والظلامية، ومن بين تلك الجرائم الاختفاء القسري»؛ الذي يعني في لغة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان: اختفاء الإنسان بعد احتجازه من قبل القوات الحكومية، التي ترفض الكشف عن مصيره، أو الاعتراف باحتجازه».
وقالت: إن الأنظمة المستبدة مارست «هذه الجريمة بشكل واسع ومكثف ومنظم منذ الثمانينيات... وإن بعض الأنظمة العربية يمنع المظاهرات بالدبابات، وإنه يستعمل السلاح الثقيل والطائرات «حماة في سورية مثلًا»، ولا يتأخر في استعمال الرصاص الحي والذخيرة المتفجرة «الجزائر مثلًا»، كما أنه يستعمل القنابل ذات الدمار الشامل، والغاز المحرم دوليًّا، لمكافحة حركات مقاومة الاستبداد «سواء كانت عرقية مثل الأكراد، أو دينية كالحركة الإسلامية»».
وتضيف «منظمة العدل العالمية»: إن العديد من الدول يرى «أن الاختفاء القسري أصبح من «أفضل» مفردات الرعب التي يمكن استخدامها، حيث تتوافر إمكانية الهروب من المسؤولية الإجرامية، ولذا كثفت تلك الأنظمة من اقتراف هذه الجريمة، ونفت في الوقت نفسه مسؤوليتها عنها».
إن جريمة الاختفاء القسري ظلت تستهدف المواطنين العزل في العراق منذ الثمانينيات، وارتفع عدد ضحاياها بعد اجتياح الكويت، وبدأ هذا الجرم يظهر على الساحة الجزائرية بكثرة منذ يناير 1992م، «تاریخ انقلاب العسكر على الديمقراطية»، ولا يزال يمارس إلى اليوم.
ويبدو أن العولمة دفعت الحكومات المستبدة إلى تكثيف اللجوء لجريمة الاختفاء القسري، بعد تراجع السيادة الوطنية، التي ظلت تمنع التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول، فجرائم الاختفاء القسري تمنع -في نظر الأنظمة -التدخل الأجنبي أو تسلبه مبرره ليصبح اتهامها بارتكاب تلك الجريمة أكثر تعقيدًا، وهكذا تمارس الأنظمة القمعية المستبدة الإجرام الشمولي المباشر، وفي الوقت نفسه تخفي الرعب المسلط على المدنيين، والمعارضين السياسيين، أي أن العولمة جعلت رعب الأنظمة رعبًا ملثمًا، لا يُرى مباشرة».
وترى الدراسة أن ذلك النوع من الجرائم يدخل ضمن مخطط واسع، فهو عنصر من استراتيجية واسعة للرعب المنظم، ضحيته لا الشخص المستهدف فحسب، وإنما الهدف أن يشمل الرعب عناصر من أسرته ومجتمعه كله، فتلك الجريمة تهدف إلى خلق الرعب والخوف والحيرة والحزن الدائمين لكل أفراد عائلة المختفي، فهي جريمة مزدوجة، يجتمع فيها العنف المادي والعنف المعنوي، وهكذا تحاول الأنظمة المستبدة فرض رأيها على الواقع الاجتماعي والسياسي على المستويين الداخلي والخارجي، من دون أن تثير حفيظة الرأي العام الدولي أو تجلب على نفسها التنديد الأجنبي.
ارتكاب هذه الجريمة بصفة مكثفة في بلد مثل الجزائر - يتراوح فيه عدد المختفين بين خمسة آلاف وعشرة آلاف شخص - يدخل ضمن مخطط شامل يحمل اسم «الاستئصال»، وتقول المنظمة: إنها حصلت على وثائق عديدة، صدر الكثير منها عن أجهزة الدولة الجزائرية نفسها، تثبت بكل وضوح ضلوع الأنظمة الأمنية في جرائم الاختفاء القسري الواسع النطاق، وأن لديها دراسات وإحصاءات تبين أصناف الضحايا وانتماء مرتكبي الجرائم، كما تبين المناطق الجغرافية، التي مورست فيها، والتي تنطبق تمامًا مع الخريطة الانتخابية، التي ظهرت إثر الانتخابات التشريعية الملغاة التي أجريت في ديسمبر عام 1991م، وفازت فيها جبهة الإنقاذ، وتبين الوثائق ضلوع كافة مصالح الأمن العسكرية منها والمدنية والمليشيات في اقتراف الجريمة.
ما السبيل لأهالي الضحايا لمعرفة مصير أقربائهم؟ ولمن يلجؤون؟ إن الحكومات المعنية تقوم في أغلب الأحيان بتكذيب الأخبار، أو تنسب الاختفاء إلى حركات المعارضة، إذا لم تكتف بالصمت، كما أنها تحول دون وصول صوت أقارب الضحايا أو المنظمات المهتمة بالموضوع إلى المحافل الدولية، ليبقى مسلسل الجرائم مستمرًا، وحتى إذا وصلت الشكاوى إلى الأمم المتحدة، فإن فريقها المكلف ببحث تلك الجرائم لا يملك من وسيلة للضغط على الدول الممارسة لجريمة الاختفاء القسري، عدا التنديد الشفهي، أو الاتهام الأدبي الدبلوماسي، في أقصى حالات الإدانة، وهذا العجز في مواجهة الجريمة يجعل آلية الأمم المتحدة غير ذات جدوى، على عكس ما نرى في قضايا أخرى حين تكون هناك مصلحة لإحدى الدول الكبرى في تحريك الأمم المتحدة.
إن مثل تلك الجرائم ينبغي تجريمها دوليًّا باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، وهذا التكييف القانوني مهم للغاية، لأنه يتيح لكل محكمة جنائية وطنية الاختصاص النوعي والمحلي في محاكمة مرتكبي تلك الجرائم.
وفي مقابل هذا الإجراء الرادع، فإن على الحكومات أن تجري مصالحة شاملة مع شعوبها، وتبادر إلى وقف تلك الممارسات البشعة بحق مواطنيها، وتقديم المسؤولين عنها للمحاكمة، إن الظروف الدولية الصعبة والتحديات الجسام التي تحيط بالعالم العربي والإسلامي تستوجب ذلك على الفور، فكيف يمكن مواجهة التحديات بجبهة داخلية ممزقة، وحكومة غايتها كبت الشعب، وشعب أمله الخلاص من الاستبداد؟