; النفط.. تقلبات الحاضر وإشكالية المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان النفط.. تقلبات الحاضر وإشكالية المستقبل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1987

مشاهدات 75

نشر في العدد 800

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 13-يناير-1987

على امتداد عام ١٩٨٦ المنصرم شهدت أسواق النفط العالمية انخفاضًا قياسيًا في الأسعار، وربما كان هذا التطور نتاج حتمي لسياسة الإغراق التي تبنتها منظمة الأقطار المصدرة للنفط «أوبك» في أعقاب مؤتمر ۹ ديسمبر 1985 عندما استشعرت ضرورة استعادة حصة الإنتاج التسويقي العادلة ضمن موازنة العرض العالمي للنفط، والتي انخفضت هي الأخرى في إطار الجهود المبذولة لرفع الأسعار، واستقرار السوق النفطي، غير أن الملاحظ على مسلسل الانخفاض الانحداري للأسعار تجاوزه الدائم لكل الخطوات التي توصلت إليها المنظمة في سبيل إعادة الاستقرار للسوق النفطية، خاصة بعد أن تخلت المنظمة عن سياسة استعادة الحصة العادلة، وعادت من جديد إلى استراتيجيتها السالفة في تحد سقف الإنتاج بعد الاتفاق الذي توصل إليه وزراء المنظمة في مؤتمر جنيف يوليو ١٩٨٦. وقد شهدت الفترة التي أعقبت عودة المنظمة إلى سابق سياستها تقلبات شتى في نطاق الأسعار مما تولد معه رغبة عارمة من أجل الخروج من تلك الدوامة فكانت سلسلة المؤتمرات التي انتهت بالمؤتمر الأخير في ١١ ديسمبر ١٩٨٦ في جنيف والذي أكد ضرورة الالتزام من قبل الأعضاء وفقًا لتوزيع حصص الإنتاج لكل دولة بعد أن انعقد الإجماع على رفع الأسعار لتصل إلى ١٨ دولارًا للبرميل وبغض النظر عما دار في أروقة المؤتمر من مساع توفيقية بين أطراف النزاع على توزيع الحصص ودبلوماسية ريلوانو لقمان رئيس الدورة وهشام الناظر وزير النفط السعودي في نزع فتيل الخلاف بين إيران والعراق فإن النتائج التي تبعت مقررات المؤتمر أسفرت عن نجاح واضح لا سيما وإن الاتفاق في حد ذاته يعتبر بادرة متقدمة بعد عام كامل من التقلبات هزت المنظمة وأثرت بصورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية للدول المنتجة للنفط.

وفي غضون ما أشاعه المؤتمر الأخير من أجواء تفاؤل افتقدتها المنظمة والدول المنتجة للنفط تبقى إشكالية السؤال على مدى المقدرة في تحقيق الاستقرار في الاسعار؟ ومن ثم رفعها إلى مستويات تحقق معها تعويض الانخفاض الحاد في العوائد والدخول في المستقبل القريب.

الآخر وتقلبات الحاضر

منذ عام ١٩٧٣ وحدوث ما يعرف بالصدمة النفطية الأولى أخذت السياسة الاقتصادية للدول الصناعية تستند إلى إدراك القوة المالية التي برزت كمنافس تصاعدي يستفيد بالتزايد التراكمي للعائدات النفطية مما يهدد وضعية السيطرة الرأسمالية التي كانت تتمتع بها الدول الغربية ومن هنا جاءت التحذيرات المتتالية من الخبراء الغربيين تجاه الفورة النفطية التي ستعمل حتمًا على ابتلاع الأسواق المالية الغربية ومن هنا نشأت السياسة التخطيطية لتحطيم الأوبك والسيطرة على زمام الأسواق النفطية وكانت الوكالة الدولية للطاقة ومجهوداتها المتتابعة في خلق الأزمات تجاه منظمة الأوبك وإيجاد البدائل وإشاعة المعلومات التضليلية خاصة وأن مقدراتها تجاه المعلومات أكبر بكثير مما تمتلكه أجهزة الأوبك مما زاد من إرباك السوق النفطي من جانب وما تم من تخبط سياسة الأوبك من الجانب الآخر، ولقد كانت وما زالت الولايات المتحدة تتصدى للمنظمة وتدفع ببريطانيا والنرويج وحتى الدول النفطية خارج المنظمة «المكسيك، ماليزيا» لزيادة إنتاجها وتخفيض أسعارها حتى تفسد على المنظمة كل بادرة يمكن أن تستعيد معها إمكانية السيطرة على الأسعار، وفيما كانت لجنة الأسعار التابعة للمنظمة تعقد اجتماعها في شهر نوفمبر الماضي في تشيلي لبحث قضايا الأسعار إذ بوزير الطاقة الأمريكي جون هرينغتون يصرح بضرورة إفشال كل محاولة تقوم بها أوبك من أجل استعادة وضعيتها في الأسواق النفطية ودعا الدول الغربية إلى زيادة مخزونها حتى تتحاشى الاعتماد على إمدادات الأوبك في المستقبل وقال «إن أعضاء أوبك قد حددوا هدفًا لهم يقضي إلى التحكم بالأسعار عن طريق تحديد الإنتاج وإن ذلك يعني أسعارًا أعلى».

وقال هرينغتون أن احتياطيات بلاده بلغت 560 مليون برميل يمكن أن تضخ ۲٫٥ مليون برميل يوميًا إلى السوق عند الطوارئ وإنها تسعى إلى رفع الكمية إلى ٧٥٠ مليون برميل حتى تتمكن من ضخ ٣ ملايين برميل يوميًا بهذا الأسلوب الصدامي والمفتقد لأقل أصول التعامل الحضاري تواجه الولايات المتحدة دول الأوبك التي طالما تعاونت مع الدول المستهلكة والتي كثيرًا ما توازن مصالحها في إطار تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتفادي الأزمات الاقتصادية للدول الصناعية ويتضح هذا في سياسة أوبك إبان سنوات ۸۲ ،۸۳ عندما كانت الإمدادات النفطية تصل إلى ٣١ مليون برميل يوميًا مما ساعد على استقرار أسعار النفط وعدم تجاوزها للمدى بين ٢٦ - 30 دولارًا للبرميل هذا فضلًا عن الإسهامات التي يبذلها صندوق أوبك من أجل تخفيف آثار الاعتماد المستقبلي على النفط وتطوير أنظمة الطاقة وزيادة فعالية المتوفر منها وتشجيع مراكز الأبحاث من أجل إيجاد بدائل أفضل وأرخص تكلفة ومع كل ذلك لا تجد من الدول الصناعية إلا نظرات التشكيك والعداء وخلق العقبات في طريقها -فالولايات المتحدة تدعو الدول الغربية وبصورة جادة في إنزال ٦ ملايين برميل يوميًا إلى أسواق النفط عندما تدعو الضرورة- أي عندما تبدأ استراتيجية أوبك في الأسعار- كما أنها قلقة تجاه الانخفاض الحاد في التنقيب مما يؤهل أوبك إلى توريد 65%من النفط عام ١٩٩٥ وقد صرح الشيخ على الخليفة الصباح وزير النفط الكويتي بأن أوبك ما زالت تطمح إلى أمكانية الحوار «منتجين ومستهلكين» من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي العالمي وتأمين الإمداد النفطي. ولكن كثيرًا ما تصطدم الأوبك بمعارضة الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الغربية التي ترى أن التعاون مع أوبك هو بمثابة الإنقاذ لها في اللحظات الحرجة. 

الأزمة أثرها وتوابعها

لقد تسبب انخفاض أسعار النفط في تكوين نتوءات بارزة على الأوضاع الاقتصادية لدول الأوبك خاصة تلك التي تتميز بقوة استيعابية ضخمة مع تدني نسبة احتياطياتها من النفط « كالجزائر، نيجيريا، إندونيسيا، وفنزويلا » فالمردود النفطي يمثل لهذه الدول حجر الزاوية في عملياتها التنموية ولذلك تعمل جاهدة على رفع أسعار النفط لمقدرتها على استيعاب العوائد النفطية بصورة طبيعية نظرًا لما تمتاز به من كثافة سكانية، وبدرجة متوسطة كانت آثار الانخفاض على الدول ذات الطاقة الاستيعابية الضخمة والاحتياطيات الضخمة مثل «إيران، العراق» وبدرجة أقل كانت الآثار تقلبات الأسعار على دول الخليج ذات الاحتياطيات الضخمة والطاقة الاستيعابية الضيقة، فدول المنظمة بصفة عامة واجهت عجزًا داخليًا في الموازنة العامة وعجزًا خارجيًا في ميزان المدفوعات يصل إلى 50% عما كان في عام ٨٠ - ١٩٨١ ودول الخليج تفتقد سنويًا ٢٤ مليار دولار بسبب الانخفاض في أسعار النفط والذي يمثل 95% من صادرات المنطقة كما تمثل 67% من الإيرادات الحكومية والانخفاض في الأسعار يتبعه انخفاض عام في القطاعات الاقتصادية الأخرى.

القطاع الصناعي: والذي أولته خطط التنمية لدول الخليج العربي أهمية كبرى نظرًا لما يمثله من مستقبل واعد للإيرادات وتنويع مصادر الدخل لسهولة إمكانية التقدم فيه بصورة أكبر من المشاريع الزراعية ولقد قطعت السعودية في هذا النطاق شأوا بعيدًا وأحدثت صناعية بتروكيماوية ضخمة حتى بالمقاييس الغربية الصناعية مما تتوفر معه عائدات إضافية تصل إلى 15% من دخلها العام․ فالصناعة السعودية في مجال البتروكيماويات تستطيع أن تمد السوق الصناعي بـ ١٣٪ من إنتاج الإيثلين وبصفة عامة يمثل القطاع الصناعي في البحرين 17.5% و 5% في الكويت وفي السعودية 4.5% و 4% في قطر و 1.5% في سلطنة عمان بالرغم من إنه قطاع ناشئ إلا أن أهميته تتعدى حجمه الحالي بكثير وذلك لارتباطه بالمستقبل كدخل غير قابل للنضوب. 

2- قطاع المصارف: 

تطور النظام المصرفي في المنطقة العربية في نطاق النمو المالي العام الذي أوجدته الصدمة النفطية الأولى عام ١٩٧٣ وقفزت موازنته العامة من ٢٥ مليار سنة ١٩٧٣ لتصل في سنة ٨٤ ،۱۹۰ مليار دولار بمعدل تصاعدي 20% سنويًا وقد أدى ذلك إلى توسيع الأنشطة التي تباشرها في مجال الخدمات والأعمال والوجود الخارجي زيادة الربحية والاندفاع في المهنة المصرفية وقد أبدت دول الخليج كثيرًا من الاهتمام بالنشاط المتزايد للمصارف وشجعتها على توسيع قاعدة خدماتها لتغطي المؤسسات والشركات الصغيرة وتقديم القروض الطويلة للصناعات المحلية بصفة خاصة. وهذا ما هدفت إليه خطط التنمية ٨٥ - ١٩٩٠ عن مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي إلا أن سنوات 85، 86 شهدت الانخفاض الكلي للنشاط الاقتصادي فأثر ذلك بدوره على المصارف الخليجية وتراجعت طاقتها الاندفاعية بعد الانطلاق الذي طمحت إليه في تمويل قطاعات تنموية حديثة كالصناعات والخدمات بشتى أنواعها والائتمان في نطاق الأسواق المالية. ولعل آثار أزمة النفط على مجال المصارف ليست شرًا هذا إذا ما سعت المصارف إلى التأقلم وإعادة تأصيل منطلقاتها وفقًا للثقافة السائدة والعقلية العربية الإسلامية التي تؤثر المشاركة على الفوائد الربوية. 

المستقبل

انطلاقًا من المعطيات المنظورة يرى المراقبون أن أسعار النفط سوف تتراوح بين ۱۸ إلی ۲۰ دولارًا للبرميل في نطاق عام ۱۹۸۷ مما يوفر قدرًا معقولًا من الاستقرار في الأسواق النفطية وإذا ما اتبعت المنظمة سياستها الحالية في تحديد سقف الإنتاج والتزام الأعضاء بالحصص الإنتاجية فإن الأعوام القادمة حتى عام ١٩٩٠ ستشهد ارتفاعًا في الأسعار غير أن الانخفاض الحالي لسعر الدولار في مقابل العملات الدولية الأخرى يحدث أثرًا تناقصيًا في الإيرادات العامة والدول النفطية مما يتوجب معه ضرورة السعي المتواصل من أجل رفع الأسعار بخطى متوازنة حتى تتكافأ مع العائدات الحقيقية للأسعار وبالطبع يصطدم هذا الاتجاه مع التوجهات المعلنة لوكالة الطاقة الدولية وسياسة الدول الصناعية في استمرار السيطرة على مقدرات الأسعار ومما يتطلب من المنظمة جهدًا حقيقيًا من المواجهة الداخلية للأعضاء حتى لا تحدث تخمة نفطية أخرى للأسواق وتفتح أبواب دوامة أزمة الانخفاض من جديد، وتبقى هذه الإشكالية امتحان المنظمة الأصعب إذ إنها غير قابلة للقسمة فليس وراء الالتزام إلا انخفاض الأسعار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

324

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 7

120

الثلاثاء 28-أبريل-1970

مجلس الأمة - عدد 7