العنوان تقويم المسيرة الإسلامية .
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أبريل-1981
مشاهدات 65
نشر في العدد 524
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 14-أبريل-1981
• الإسلام جاء مهيمنًا على النصرانية وغيرها من الأديان، وليس هناك مجال للتقريب بين دين محرف مغير مبدل والدين الحق.
• الاستدلال القرآني الإيماني أساسه الوحي والإيمان بالرسالة ومن علوم الوحي نعرف ربنا.
نتابع في هذا العدد تكملة موضوع تقويم المسيرة الإسلامية الذي قدمناه في عدد سابق (٥٢٢) على صفحة منبر المجتمع للدكتور عمر سليمان الأشقر، والذي يتناول المسيرة الإسلامية (أمل هذه الأمة)، ومحل رجائها، وما هي الأخطار التي تحيط بها وتتربصها من قريب وبعيد، وأخطر من ذلك كله الانحراف الذي يصيب المسيرة من داخلها، كيف يتحقق نجاحها كي تستطيع أن تقيم الحق وتظهر النور وترفع راية الله وذلك يوم آت، إن شاء الله تعالى.
إن أصحاب المبادئ الظالمة الجائرة، وأصحاب الأديان المحرفة يزعمون أنهم يملكون الهداية من الضلال، وأنهم يملكون تخليص الناس من القسوة والحيرة.
تعدد مصادر الهداية:
إن أصحاب المبادئ الظالمة الجائرة، وأصحاب الأديان المحرفة يزعمون أنهم يملكون الهداية من الضلال، وأنهم يملكون تخليص الناس من الشقوة والحيرة، الفلاسفة في القديم والحديث يدعون ذلك، واليهود والنصارى يدعون ذلك، ورجال الفكر والتربية وعلماء النفس في الغرب والشرق يدعون ذلك، ونحن نقول في مواجهة ذلك كله: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾، لا هداية للبشرية من ضلالها وشقاوتها إلا في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والبشرية في مسيرتها فقدت الهداية.
واستمداد الهداية من غير دين الله الخاتم كفر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 100)، ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 101).
وإذا فقهنا هذه الحقيقة التي صرح بها كتاب ربنا ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾ وفَّرنا على أنفسنا جهودًا كثيرة في تلمس الهداية في الكتب السماوية المحرفة، وفي نظريات البشر وأفكارهم المتضاربة، وسرنا في طريقنا المرسوم، ندعو البشرية إليه ونحاكم علومهم وعقائدهم إليه، وإذا ما جاءوا يعرضون علينا بضاعتهم رفضناها، لأننا نعلم أن في بضاعتهم وهنًا، وهم لا يرضون عنا حتى نأخذ بها ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة:120).
وقد أوقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الانحراف بقوة وقال فيه كلمة الفصل بلا غموض ولا لبس، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن جابر قال: جاء عمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ يهودي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟
قال: فتغير وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال عبد الله بن ثابت قلت له: ألا ترى وجه رسول الله؟ فقال عمر: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، قال: فسرَّى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: «والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى -عليه السلام- ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين».
إنا نرفض ما يسمى بمؤتمرات التقريب بين الأديان، التي تُعقد في شتى أنحاء العالم، ويحضرها علماء مسلمون يبحثون في الالتقاء والتقارب بين الإسلام والنصرانية، إننا نرفض هذه المؤتمرات لأنها تضع الإسلام الدين الحق والنصرانية الدين المحرف الباطل في مرتبة سواء، ونرفضها لأن الإسلام جاء مهيمنًا على النصرانية وغيرها من الأديان وليس هناك مجال للتقريب بين دين محرف مغير مبدل والدين الحق.
إننا نقف في مجامع النصارى لا لنبحث في دينهم الباطل، وإنما لنقول لهم دعوا هذا الدين، ودعوا الشرك بالله والكفر به وتعالوا إلى الدين الذي بشر به موسی وعیسی، دين الله الخاتم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إننا نعد قبول علماء المسلمين بعقد هذه المؤتمرات انحرافًا يضر بهم وبدينهم وعقيدتهم، ولا ينفع إلا الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدًا، لأنهم بذلك يجروننا إلى باطلهم ويوقعوننا في شباكهم.
في عام واحد عقدت ثلاثة مؤتمرات للبحث في تقارب الإسلام والنصرانية، وقد أمَّ هذه المؤتمرات مئات من علماء المسلمين.
في شهر أبريل سنة ١٩٧٤، عقد مؤتمر من هذا النوع في باريس التقى فيه علماء دين من المملكة العربية السعودية ورجال فكر أوروبيين للبحث في التقارب بين الإسلام والمسيحية، وزار الوفد السعودي الفاتيكان وألقى هناك محاضرتين، وقد مهد لهذا المؤتمر منذ عام ۱۹۷۲، وقد وصفت الصحف هذا المؤتمر بأنه مهم «الأنوار9/4/1974». وفي شهر سبتمبر من العام نفسه 1974 انعقد المؤتمر الإسلامي المسيحي «جريدة القبس الكويتية 3/7/1975» في مدينة قرطبة، وقد كانت مهمة المؤتمر تقريب وجهات النظر بين العالمين المسيحي والإسلامي، ودراسة تزايد موجة الابتعاد عن الدين التي يواجهها الشباب المسلمون والمسيحيون، وكذلك السعي من أجل إزالة الخلافات وسوء الفهم الذي قد يكون قائمًا بين الدينين بالنسبة للمعنيين بالأمر والرأي العام.
وفي شهر نوفمبر من ذلك العام كان المؤتمر المسيحي الثالث في مدينة تونس « جريدة القبس الكويتية 3/7/1975».
وقد عقد مؤتمر إسلامي في مدينة لاهور في باكستان في ذلك العام في شهر فبراير (1974)، ومع كونه مؤتمرًا إسلاميًّا في الظاهر، إلا أنه قد حضره ممثلون مسيحيون من لبنان، وقد أشاد المؤتمر بالتعاون الإسلامي المسيحي « القبس الكويتية 3/7/1975».
وهذه المؤتمرات لم تكن الأولى ولا الأخيرة، فقد عقد قبلها مؤتمرات وبعدها مؤتمرات على النمط نفسه، وقد تحدث عن شيء من بلايا هذه المؤتمرات العلامة الباحث الدكتور محمد محمد حسين في كتابه: «حصوننا مهددة من داخلها» (ص ۳۲۱) عندما كشف عن زيف ودجل المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي دعت إليه جامعة برنستون ومكتبة الكونغرس الأمريكي في صيف عام ١٩٥٣، ونشرت قسمًا من بحوثه مؤسسة فرانكلين الأمريكية، كما كشف الدكتور الأهداف الخبيثة لذلك المؤتمر.
إن بعض الذين يؤمون تلك المؤتمرات لا يدركون الدسيسة والمكيدة التي أوقعهم أعداؤهم فيها، وآخرون يعلمون ذلك ولكنهم يريدون بالإسلام والمسلمين شرًّا، وعندما يوجه إليهم اللوم لا تكون إجابتهم إلا كإجابة إخوانهم من قبل: إننا نريد الإحسان والتوفيق، وذلك بالتقارب بين الأديان والمبادئ السماوية، وقد فضح القرآن هذا الصنف من الناس وبيَّن أن هؤلاء أتباع الطواغيت همهم إفساد البلاد والعباد وصد الناس عن دين الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)﴾ ( النساء: ٦٠-٦٣)
الانحراف العقائدي والفكري
الإنسان أسير فكره وعقيدته، وما عمله وسلوكه وتصرفاته في واقع الحياة إلا صدى لفكره وعقيدته، ومن هنا كان تبنِّي الفكر المنحرف، واستقرار العقيدة الزائفة المشوهة في النفوس من أخطر القضايا، من أجل ذلك حرص الإسلام حرصًا كبيرًا على إقرار العقيدة الإسلامية الصافية في النفوس، والابتعاد عن الفلسفات والعقائد البشرية والوثنية، وحاربها حربًا لا هوادة فيها.
بعض العلماء والجماعات لا تعنى بالعقيدة عناية كافية، فتكون العقيدة في نفوس أتباع تلك الفئات غير واضحة وقابلة لأن تختلط بغيرها نتيجة لعدم تكاملها، وهناك جماعات أخرى في عقائدها وهْن لأنها لم تقتصر على العقيدة الإسلامية من مصدريْها: الكتاب والسنة، لقد اختلطت مباحث الفلسفة وعلم الكلام عندها بمباحث العقيدة، وكثير من الناس يظن أن علم الكلام هو العقيدة الإسلامية التي ينبغي أن تتوجه النفوس لاستيعابها ومُدارستها.
لقد خاض كثير من العلماء في الماضي في صفات الله وأسمائه، وفي العوالم الغيبية التي حدث عنها الإسلام بطريقة ومنهج بعيد عن طريقة الإسلام ومنهجه، وحرفوا من أجل ذلك النصوص القرآنية والنبوية التي تتصادم وعقيدتهم المنحرفة، وما زالت هذه العقيدة المنحرفة تدرس في كثير من الجامعات الإسلامية وكليات الشريعة وأصول الدين، ويقوم هؤلاء بعد تخرجهم بنشر هذه العقيدة وتعليمها للناس على أنها العقيدة الإسلامية.
وهي مع كونها تشوه العقيدة الإسلامية وتمسخها فإنها تدخل فيها ما ليس منها، وخطورة هذا أن العقيدة المنحرفة لا تزكي النفوس التزكية الإلهية، ولا تخرج المسلم الذي أراده الله، ومن ثم تكون معطياتها في واقع الحياة مخالفة للمنهج الإسلامي بمقدار ما فيها من انحراف، وما فتنة القول بخلق القرآن ببعيدة عن أذهاننا، وكثير من العلماء اليوم يرفض العقيدة القرآنية التي تعرفنا بالله وصفاته وتخبرنا أن له سمعا وبصرا ويدا ووجها وأنه يأتي وينزل ويتكلم.. يرفض ذلك كله ويؤول النصوص القرآنية والحديثية التي تتحدث عن ذلك، ويعد صاحب العقيدة الصافية زائفا ضالا، وينفر منها أشد التنفير.
اعتماد المنهج الفلسفي الكلامي في إرساء العقيدة والإيمان
وهذا المنهج الإيماني القرآني قائم على الوحي، وعمدة المنهج الفلسفي الكلامي نظريات عقلية وأصول فلسفية، ومصطلحات منطقية، وهذا المنهج يختلف مع المنهج الإيماني القرآني في طريقة الاستدلال وفي المقصد والهدف.
فالاستدلال القرآني الإيماني أساسه الوحي والإيمان بالرسالة، ومن علوم الوحي تعرف ربنا، وقد أرشدنا القرآن إلى الدلائل العقلية ووجه أنظارنا إلى التفكير في الكون، وهذه الدلائل دلائل فطرية قريبة المأخذ مأمونة العاقبة، والغاية التي يدعو المنهج القرآني إليها هي عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته متضمنة لمعرفته وتوحيده.
أما عمدة المنهج الكلامي الفلسفي فهو تلك النظريات والأقيسة العقلية التي جعلوها أصولا للعقائد.
الإنسان: أسير فكره وعقيدته، وما عمله وسلوكه وتصرفاته في واقع الحياة إلا صدى لفكره وعقيدته ومن هنا كان تبني الفكر المنحرف.
من أعظم ما أصاب المسيرة الإسلامية بالفرقة والشتات والتنازع والاختلاف، وقد أمرنا الله بالوحدة ونهانا عن التفرق.
الخلاف المذموم هو الخلاف الناشئ عن الهوى والتعصب لرجل أو جماعة دون تبين للحق والتعرف عليه.
والتشريعات وهذه الأدلة فيها حق وباطل، وهي سبيل وعر لا يسهل الارتقاء إليه، وقد ينقطع السالك قبل الوصول إلى مراده.
وقد اقتضت الأقيسة الباطلة رد كثير من الحق الذي في الكتاب والسنة، فردوا كثيرًا من الأسماء والصفات بهذه الأقيسة الباطلة، والغاية التي يريدونها من وراء بحوثهم هي المعرفة الباردة وهذا لا يكفي، فدعوة الرسل عبادة الله وحده.
وهذا يفسر لنا ذلك البرود الذي نجده لدى العلماء الذين يتخرجون في كثير من الجامعات الإسلامية اليوم.
جعل آراء الرجال دينًا يتعبد به:
وسأضرب لهذا مثلين: الأول:
حال المقلدة الذين يتابعون غيرهم بغير دليل، لا أعني بذلك العوام بل طلبة العلم، ويرفضون الكتاب والسنة لمخالفته لآراء العالم الذي يقلدونه، وقد بلغ الحال ببعضهم أن يقول كل نص مخالف لمذهبنا فإنه إما منسوخ أو مؤول.
والمثال الثاني: جماعة تدعو إلى الإسلام ترى أنه لا يجوز لأحد من أتباعها أن يتبنى رأيًا أو حكمًا خلاف ما تبنته الجماعة، وفيما تبنته أمور مخالفة لنصوص الكتاب والسنة، وعندما أرينا بعض هؤلاء النصوص المخالفة لما تبنوه لم يستطيعوا أن يرجعوا عما تبنته جماعتهم، لأنه بذلك يخرج عن الجماعة التي ينتمي إليها. فهو بين أمرين: إما أن يبقى في دائرة الجماعة التي يتبعها وبذلك يخالف كتاب الله وسنة رسوله، ويكون حاله حال اليهود والنصارى الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 31)، وإما أن يخالف جماعته وبذلك ينفصل عنها.
الأحاديث الضعيفة والموضوعة:
كثير من الكتاب والعلماء ورجال الدعوة والفكر الإسلامي يشحنون كتبهم ومقالاتهم بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومن هنا ينسبون إلى الإسلام كثيرًا من الأحكام والتشريعات والعقائد وهي بعيدة كل البعد عن الإسلام، وقد ينفون أحكامًا وتشريعات وعقائد هي من الإسلام بحديث ضعيف أو موضوع.
وقد اطلعت على كتاب في الاقتصاد الإسلامي لجماعة تدعو إلى الإسلام فوجدت فيه أربعة عشر حديثًا ما بين ضعيف وموضوع، وقد أقاموا نظريات على تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ويكفي أن نطالع بعض الكتب التي جمع مؤلفوها الأحاديث الضعيفة والموضوعة لنعلم مدى انتشار هذا النوع من الأحاديث بيننا، وقد أورد الغزالي في باب العلم من كتاب إحياء علوم الدين سبعة وعشرين حديثًا، حكم الحافظ العراقي على خمسة عشر حديثًا منها بالوضع أو الضعف.
وقد أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالتثبت حين ننسب الحديث إليه: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» أي منشئ الكذب أو ناقله، وحذر من الكذب عليه: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
التنازع والاختلاف
من أعظم ما أصاب المسيرة الإسلامية الفرقة والشتات والتنازع والاختلاف، وقد أمرنا الله بالوحدة ونهانا عن التفرق: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ (ال عمران: 103). وذكرنا بالحال التي كنا عليها قبل الإسلام، حيث كنا قبائل متناحرة يعادي بعضها بعضًا، ويسب بعضها بعضًا، فجاءنا بالإسلام فأصبحنا في ظله إخوة أحِبة ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ ﴾ ونهانا أن نسلك مسلك الأمم من قبل وهو التنازع والاختلاف بعد أن جاءنا الهدى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (ال عمران:105). وقد أخبر جل وعلا أن التنازع والخلاف يسبب الفشل وذهاب قوة الأمة، لأن قوتها تصرف في تحطيم بعضها بعضًا، وكيد بعضها لبعض، وتدبر بعضها بعضًا، ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ ﴾ ولقد وقعت هذه الأمة فيما حذرها الله منه، فتفرقت وتنازعت واختلفت، ولا أريد أن ألفت النظر إلى الفرق الإسلامية الكثيرة التي نشأت على مر التاريخ الإسلامي، ولكن أوجه النظر إلى الجماعات الكثيرة التي تغص بها الساحة الإسلامية اليوم، دعواها واحدة وهي الإسلام وإعادة مجد الإسلام، ولكنها متنافرة فيما بينها تتراشق الاتهام، ويصل الأمر إلى الرمي بالمروق من الدين والاتهام بالضلال والزيغ.
لا أعني بالاختلاف ذلك الاختلاف الطبيعي الناشئ عن الاختلاف في فهم النصوص بسبب تفاوت الناس في الإدراك والفهم، كما لا أعني ذلك الاختلاف الناشئ من عدم وجود النص، فهذا اختلاف لا يسبب فجوة بين المسلمين، وقد حدث شيء من هذا في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإنما الاختلاف والتنازع المذموم هو الإعراض عن النصوص من الكتاب والسنة، فالوحدة التقاء حول منهج وسبيل «واعتصموا بحبل الله جميعًا». وقد أرشدنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- كيف نكون عندما يقع النزاع والاختلاف: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».
والخلاف المذموم هو الناشئ عن الهوى والتعصب لرجل أو جماعة دون تبين للحق وتعرف عليه. وأنا أدعو هنا إلى الأخذ بسبيل الوحدة، وأول ذلك التمسك بالكتاب والسنة وما سار عليه الصحابة والتابعون منهجًا وطريقًا.
وأدعو كل مسلم وكل جماعة وغيرهم من العاملين بالإسلام لعدم الظنية دون تبين وبرهان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وأدعو إلى الحوار المفتوح القائم على الأدب الإسلامي والملتزم بحقوق الإخاء الإسلامي للوصول إلى أقوم السبل حول القضايا المختلف عليها.
وأدعو إلى التعاون في مجالات الدعوة، بل التنافس في هذه المجالات، وأدعو إلى الوحدة فيمن تقاربت تصوراتهم وتوحدت أصولهم، والوحدة خير من الاختلاف.
وأدعو إلى التأني في إصدار الآراء والتوجيهات ودراستها جيدًا لأنها ستعطي أثرًا قد لا تحمد عقباه إن كانت خطرًا.
العنف واللين
هناك تياران نلمحهما يدوران في أذهان كثير من الذين يتصدرون العمل الإسلامي أو يسيرون في ركابه.
فريق يرى الباطل مستعلنًا، امتلك القوة والمال والمؤسسات، ويسيطر على الحياة والأحياء، ويرى أهل الحق ضعفاء يُعتدَى عليهم، ويسجنون، ويقتلون، وتصادر أموالهم وممتلكاتهم فتغلي الدماء في عروقهم، فهم يريدون أن يواجهوا ذلك بالسلاح، يريدون أن يسفكوا دماء زعماء الشر ورجال الكفر، يريدون تدمير الباطل، يريدون هدم الملاهي، يريدون أن يستولوا على الحكم بالقوة، هذا تفكير يدور في أذهان بعض الناس، وقد ينشر في طيات كتاب، وقد يقال في محاضرة، وقد يطالب به كثير من الشباب.
وقد واجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثل هذا من أصحابه، طلبوا منه وهم ضعفاء في مكة أن يأذن لهم بالحرب والقتال، فقال لهم: كفوا أيديكم، وقال له الأنصار بعد بيعة العقبة: إن شئت ملنا على أهل منى بسيوفنا، فقال: إنا لم نؤمر بذلك، وعندما كانوا يطالبونه بأن يدعو الله لهم بالنصر، يبشرهم بأن النصر آت ويقول: ولكنكم تستعجلون، وعدم الإذن لهم بذلك لم يكن تعسفًا بل كان الحكمة بعينها، فالقلة المستضعفة لا تستطيع أن تواجه الكثرة الكافرة، والقلة المستضعفة لا تمتلك الأرض والاستقلال والسلاح والمال الكافي، فاللجوء إلى القوة تدمير للقوة الإسلامية قبل أن تقف على رجليها، وعندما تكونت القاعدة القوية التي تستطيع أن تتحمل أعباء القتال أذن لهم بالقتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِير﴾ (الحج: 39)، ثم أمروا بذلك أمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 123).
من الخطأ الكبير تجاوز مراحل الطريق والقفز من مرحلة إلى مرحلة متقدمة قبل أوانها.
وهناك فرقة أخرى ترى أن سبيل الدعوة هو اللين لا يجوز تجاوزه، فهم لا يفكرون إلا في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وينكرون على من يطمع يومًا في خلع جذور الشر وإقامة دوحة الإسلام، ولهؤلاء نقول: لقد نسيتم سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومسيرته، وحسبكم أن تنظروا فيها لتعلموا كيف أقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- الإسلام وحارب الباطل وقلع جذوره بقوة السنان.
الانحراف السياسي
هناك تجمعات تفر من السياسة فرار الصحيح من الأجرب، ولا يكاد الحديث ينفتح في شؤون السياسة حتى يحمل نعليه مبتعدًا كأنما قد حل في تلك الدار وباء، وهؤلاء يرون الدين دعوة للصلاة والصوم وقراءة القرآن، وهؤلاء يمثلون أصدق تمثيل الفكرة الأوروبية التي نادت بفصل الدين عن الحياة، وهم تطبيق للمقولة النصرانية: «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله».
هؤلاء لم يفهموا من حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسيرته إلا أنه عابد متبتل لربه، لم يعرفوا من حياته أنه كان حاكم دولة وقائد جيش، وقاضيًا في الخصومات.
وفريق آخر يقابل هؤلاء.. ضخموا العمل السياسي، فهم لا يقيمون وزنًا للتربية والتوجيه وغرس الفضائل والأخلاق الإسلامية، ويقللون من الجهد الذي يبذل في التربية والتوجيه، وكلما حدثتهم بشيء من هذا قالوا لك: عندما تقوم دولة الإسلام يغير ذلك بجرة قلم. وطغى التفكير السياسي على تفكيرهم وحياتهم فألهاهم عن الطريق السديد الذي يوصل إلى تحقيق النصر لهذه الأمة، وهم اليوم بعد مسيرة طويلة، أظنهم بدأوا يفيقون لأنهم وجدوا أنفسهم لا يزالون حيث هم، بل أقول قد تأخروا خطوات للوراء لأنهم ضخموا العمل السياسي والفكري وظنوا أنهم بهذين الأمرين سيحققون ما عجز الآخرون عن تحقيقه، وأحب أن أشير هنا إلى أن الوعي السياسي لم يكتمل لدينا، ولذا نرى بعض العاملين بالإسلام يحالفون غير المسلمين لإقامة دولة الإسلام، ونرى آخرين يبذلون جهودًا هائلة لتدمير الشر، ثم يأتي شياطين الجن والإنس ليجنوا الثمرة التي طابت وحان قطافها، حدث هذا في الجزائر ومصر والباكستان وغيرها من البلاد.
ونرى بعض المسلمين لا يملكون النظرة البعيدة التي تخطط للمسيرة بوضوح، وترى كيف ينبغي أن تكون في مستقبل أمرها، وبذلك تحتار عليها السبل.
ومن الضمور السياسي التسرع في إلقاء الأحكام دون دراسة وتبين، والمسارعة بتصديق فلان وتصديق فلان في دعاويهم، وهذا يكلف المسيرة الإسلامية جهودًا كثيرة وأوقاتًا ثمينة.
وفي الختام
وفي الختام أقول كما قلت في طليعة هذه الكلمة: المسيرة الإسلامية هي أمل هذه الأمة ومحل رجائها، ونحن نريد تقويمها كي تندفع في الطريق النير المأمون بقوة، كي تستطيع أن تقيم الحق وتظهر النور وترفع راية الله، وذاك يوم آت إن شاء الله تعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)﴾ (الصف: 9-14).