; زيارة الرئيس الفرنسي إلى المنطقة العربية- تكريس النفوذ الفرنسي في المنطقة لمنافسة النفوذ الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان زيارة الرئيس الفرنسي إلى المنطقة العربية- تكريس النفوذ الفرنسي في المنطقة لمنافسة النفوذ الأمريكي

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996

مشاهدات 52

نشر في العدد 1208

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 16-يوليو-1996

أنهى الرئيس الفرنسي «شيراك» زيارته إلى كل من المملكة العربية السعودية وقطر في إطار تفعيل السياسة الفرنسية تجاه العالم العربي وتكريس المنافسة الأمريكية الأوروبية في المنطقة، ويرى بعض المراقبين أن هذه الزيارة تعادل من حيث أهميتها مقابلة ديجول مع الملك فيصل عام ١٩٦٧م وذلك من حيث أبعادها الاستراتيجية بالنسبة للعلاقات الثنائية بين البلدين وتأثير ذلك على العلاقات الفرنسية - العربية والإسلامية عمومًا.

لم تكن هذه الزيارة الأولى للرئيس الفرنسي الديجولي إلى المنطقة، فقد حضر قمة شرم الشيخ الخاصة بـ «صانعي السلام»، وقام بزيارة إلى لبنان وصفت بأنها تاريخية، كما زار مصر حيث قدم خطابه الشهير في جامعة القاهرة يوم 8/4/1996م الذي وضع فيه معالم السياسة الفرنسية المستقبلية تجاه العالم العربي على ضوء أربعة مبادئ:

  • الحوار كشركاء في ظل الاحترام المتبادل لشخصية الآخر وهويته.
  • حق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها وحقها في حياة آمنة.
  • تأیید تطلعات الشعوب إلى التضامن والوحدة.
  • تأييد تطلعات العالم العربي إلى الانفتاح والسلام.

كما تعرض «شيراك» في خطابه إلى الدور التاريخي لفرنسا في مصر وفي المنطقة عمومًا وإلى دورها الحاضر والمستقبلي هناك ذي البعد المتوسطي مع التأكيد على إقامة «شراكة ثقافية» بين فرنسا ودول المنطقة (انظر المجتمع عددي ۱۱۹٦ و۱۱۹۷). 

وتعتبر زيارة «شيراك» الأخيرة إلى السعودية مؤشرًا هامًا على إدخال هذه السياسة حيز التطبيق، وقد أبرز الناطق الرسمي لقصر الإليزيه البعد السياسي لهذه الزيارة.. والمقصود بذلك إنعاش العلاقات الثنائية عبر التأكيد على التقارب في وجهات النظر حول المحاور الأساسية بخصوص قضايا المنطقة، وكانت القضية الفلسطينية على رأس هذه القضايا، حيث صرح الرئيس الفرنسي بضرورة دفع مسيرة السلام حتى لا يعود التوتر إلى منطقة الشرق الأوسط، ويتفق الموقف الفرنسي مع الموقف السعودي الرسمي فيما يتعلق بإقامة سلام شامل وعادل كشرط أساسي لتجنب الانفجار المتوقع، وهو نفس الخطاب الذي أكدت عليه القمة العربية الأخيرة في مصر.

وتبرز المحادثات بين الطرفين وجود تخوفات من المستقبل بعد صعود حزب الليكود الإسرائيلي إلى الحكم، لكن من خلال تصريحات «شيراك» خلال الندوة الصحفية، يبدو أن الطرف الفرنسي محرج كثيرًا في موقفه من الحكومة الإسرائيلية اليمينية، حيث صرح «شيراك» بأنه لا يريد «الحكم على نوايا أحد» إشارة إلى «نتنياهو»، وأضاف: «إذا كان هذا الأخير ينوي ترك مسار السلام فالأفضل أن يأخذ شيئًا من الوقت للتفكير في الموضوع»، وهذه المرونة في الخطاب مع حكومة اتفق المراقبون على خطها السياسي وتركيبتها المتطرفة، حتى وإن تظاهر باحترام مسار السلام دليل على الحرج الكبير لدى الفرنسيين في التوفيق بين كسب ثقة العرب والإسرائيليين في نفس الوقت؛ من أجل الحفاظ على تواجدهم ومصالحهم في المنطقة، فالعرب والمسلمون عمومًا ليس لهم أدنى شك في أن صعود اليمين الإسرائيلي وعودة «شارون» إلى الحكم مؤشران خطيران على تطرف الموقف الإسرائيلي، أما الغربيون فإنهم مضطرون بحكم مساندتهم للسياسة الإسرائيلية، وبالنظر إلى وزن اللوبيات اليهودية في البلاد الغربية إلى اتخاذ موقف فيه الكثير من المجاملة والمرونة مع الحكومة الإسرائيلية مهما كان انتماؤه السياسي، ومهما بلغ تطرفها في تعاملها مع الفلسطينيين، وحتى خارج فلسطين، وتكفي الإشارة إلى الموقف الغربي الصامت وفي أحسن الحالات المحتشم تجاه المجزرة الإسرائيلية في قانا بلبنان.

من هنا فإن طرح ملف «الإرهاب»، وتأكيد بعض المراقبين على التوافق السعودي -الفرنسي- بشأن هذا الملف يحتاج إلى تفصيل وإلى التفريق بين التنديد بعمليات التفجير، كما حصل في الظهران وبين المقاومة الفلسطينية المشروعة، فالطرف السعودي لم يصرح يومًا بأن هذا النوع من المقاومة إرهابًا، وإنما يتحدث عن السلام العادل والشامل، وهذا يعني إعطاء الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره ورفع الوصاية الإسرائيلية عنه، وإرجاع أرضه المغتصبة وإيقاف سياسة التوطين، علمًا بأن «شارون» المسئول الأول عن مجزرة صبرُا وشاتيلا في لبنان تسلم حقيبة وزارية هامة تقوم على دفع عملية الاستيطان.

سياسة براجماتية:

بيد أن التأكيد على إبراز هذا الملف يخفي بعدًا براجماتيًا في السياسة الفرنسية، فهذه الأخيرة استفادت من حادث التفجير في الظهران، ومن الاستياء السعودي من الموقف الأمريكي الذي انتقد السلطات السعودية بعدم تعاونها الأمني من اجل تجنب مثل هذه الحوادث، وجاءت زيارة «شيراك» إلى السعودية في هذا الظرف للتأكيد على وقوف فرنسا مع هذا البلد في محنته، وهذه فرصة الفرنسيين المنافسة الأمريكان في المنطقة، وهذا الأمر هو أحد الأهداف الكبرى للحضور الفرنسي في الشرق الأوسط في ظل القطبية الأحادية الأمريكية وهيمنتها على النظام الدولي الجديد. وتبلور هذا النهج الفرنسي منذ عودة اليمين الديجولي إلى الحكم في فرنسا عام ١٩٩٥م. 

وفي هذا الإطار تأتى كل المحاولات الفرنسية للضغط على الهيمنة الأمريكية عبر دعم المحور الأوروبي (الفرنسي- الألماني على وجه الخصوص) أو دعم الفرنكفونية كما حصل في الدورة السادسة للقمة الفرنكوفونية بين 2 – 4/12/1995م بكوتونو عاصمة دولة البينين، وقد دعا «شيراك» خلال هذه القمة دول الجنوب من الناطقين بالإسبانية والعربية، وكذلك الذين يتكلمون اليابانية والهندية للانخراط في مقاومة التماثل اللغوي ومن ثم الثقافي في العالم خوفًا من هيمنة الإنجليزية، كما أن كلا من قمة شرم الشيخ، وقمة الدول الصناعية الكبرى شهدتا بروز بعد أوروبي منافس للقطبية الأمريكية. 

وبدون شك فإن عودة الحرارة إلى العلاقات الفرنسية- السعودية ستساعد الفرنسيين على المضي في هذا النهج المنافس للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم العربي الإسلامي، ذلك أن المملكة العربية السعودية تبقى وترمز إلى محور إسلامي هام بحكم تواجد الأماكن المقدسة الإسلامية على أراضيها وإلى محور عربي هام أيضًا بالنظر إلى دورها الإقليمي، كما يشهد ذلك مجلس التعاون الخليجي وإلى علاقتها الجيدة مع القطب المصري، وهذا ما يفسر نوعية الطاقم الوزاري المصاحب للرئيس الفرنسي في زيارته الأخيرة للسعودية والذي يوجد من ضمنه وزير الداخلية «جون لوي دوبري»، ووزير الدفاع «شالسيون»، ووزير الخارجية «هرفي دو شاريت».

البعد الاقتصادي للزيارة:

لكن بالرغم من التركيز على البعد السياسي بهذه الزيارة، فإن البعد الاقتصادي والأمني لم يكن غائبًا، فقد أشارت صحيفة لوموند الفرنسية إلى عقود في طور الإعداد بشأن تسليم معدات فرنسية لمراقبة الحدود، وإعلان عام حول التعاون بين وزارتي الداخلية في البلدين إلى جانب مفاوضات بصدد بيع طائرات عمودية و١٥٠ دبابة من نوع وكلارك وصور تلتقطها أقمار صناعية، كما ذكرت صحيفة ليبراسيون الفرنسية بأن ممثلًا للشركة داسو التي تنتج معدات عسكرية استقر بالسعودية، وذلك بعد غياب منذ عام ١٩٨٨م، تاريخ فشل هذه الشركة الفرنسية في الحصول على صفقة القرن وبيع الأسلحة والتي حصل عليها البريطانيون، وأضافت الصحيفة بأن السعودية ستجدد أسطولها العسكري الجوي لطائرات ف ١٥ أي ١١٥ طائرة عسكرية، ويتبين من خلال عمليات التبادل الاقتصادي في كل مجالاته في العقود الثلاثة الأخيرة بين فرنسا ودول المنطقة أن واردات النفط الفرنسية تعادل من حيث أهميتها وحجمها الصادرات الفرنسية من الأسلحة لصالح هذه الدول، بالإضافة إلى حجم الخدمات والمشاريع الاقتصادية التجارية والتقنية، وهذا التبادل الاقتصادي المتمحور حول النفط مقابل السلاح ليس بالجديد أن يعود إلى انفتاح السياسة الفرنسية منذ عهد ديجول على العرب في بداية الستينيات، وقد كان لقاء القمة ين ديجول والملك فيصل عام ١٩٦٧م من أهم المحطات في تفعيل العلاقات الفرنسية العربية، ومنذ ذلك الوقت تصاعد حجم المبادلات التجارية الاقتصادية عمومًا، وقد كان التعامل الفرنسي مع كل دول المنطقة، ولكن مع التركيز أساسًا على القطبين العراقي والسعودي. 

وقد تحولت السعودية إلى المزود الأول لفرنسا بالنقط عام ١٩٨٠م بما يقارب 38.2 مليون عن مقابل 26 مليون طن عام 1960 م و9.6 مليون طن عام ۱٩٧٠ أي تضاعفت واردات فرنسا من النفط خلال العشرية ١٩٧٠م - ١٩٨٠م) بنسبة 4 أضعاف مقابل ضعفين بالنسبة لواردات العراق)، ويبلغ مجموع ما استوردته فرنسا من النفط من منطقة الشرق الأوسط 63.5% من مجموع الواردات الفرنسية عام ١٩٦٠ م و 44.1% عام ١٩٧٠م، 78.4% عام 1980م.

والتركيز على هذه المنطقة يعود إلى أمرين انخفاض سعر البرميل والعامل الجغرافي (أقرب نقطة تزويد بعد الجزائر حيث يصل النفط السعودي إلى لبنان والنفط العراقي إلى سورية على المتوسط) علمًا بأن المخططين الخامس والسادس للاقتصاد الفرنسي قاما على استهلاك النفط بسعر منخفض.

ومقابل واردات الطاقة كانت دول المنطقة سوقًا للأسلحة والمعدات الفرنسية المدنية والعسكرية وأنشأت الشركات الفرنسية فروعًا لها في المنطقة في مجال البناء والأعمال العامة والكيمياء النفطية والملاحة والعمران (مراكز وأحياء تجارية مثل كويت سيتي والرياض) ومصانع تحلية مياه البحر مثل شركة بويج والكاثيل وفرانكو رايل والسترم، وفي المجال العسكري مثل شركات سنياس وسناكما ودانيو وماترا وبارليه وبانهارد.. ومنذ منتصف الثمانينيات، قامت فرنسا يبيع دول المنطقة حوالي ٣٠٠ طائرة مطاردة من نوع ميراج وألفاجات وفوغا ماجستر وأكثر من ١٥٠ طائرة عمودية من نوع ألوات وغازال وبوما وعشرات الرادارات وحوالي ٣٥٠ دبابة AMX و٦٠٠ قطع ثقيلة وعدد من القوارب المعدة للحرب ومئات الصواريخ من كل أنواع أهمها ايكوسات خاصة بعد نجاحه في حرب مالوين. 

وقد استفادت فرنسا من الوضع المتوتر ومن الحروب في منطقة الشرق الأوسط إما ببيع الأسلحة أو تأكيد حضورها العسكري أساسًا، وتفيد الإحصائيات بأنه بفضل مبيعات الأسلحة، فإن صناعة السلاح في فرنسا توفر العيش لحوالي ٣٠٠ ألف شخص وتساهم في تخفيض عجز ميزان المدفوعات بالإضافة إلى الدور الذي تقوم به فرنسا في إعداد وتكوين الطيارين والمختصين في مدارسها العسكرية.

كما أن مشاركة فرنسا في عاصفة الصحراء (حرب الخليج الثانية) وتزويد العراق بالأسلحة ضد إيران في حرب الخليج الأولى مكنتها من الحصول على الطاقة حتى في أشد فترات الأزمة بأسعار منخفضة.

الشراكة الثقافية:

وبالرغم من الأزمة العالمية، فإن الطاقة والنفط خصوصًا مازال يمثل عامل جلب ومنافسة بين القوى. الكبرى لتكريس حضورها في المنطقة من أجل حمايتها لمصالحها الاقتصادية والسياسية إلى جانب الوضع الاستراتيجي للمنطقة في ظل التغيرات العالمية، ولعل بروز الصحوة الإسلامية ونشأة كيانات إقليمية جديدة تتطلع إلى التحرر من الهيمنة الغربية من أهم المعالم في المنعطفات التي يشهدها العالم حاليا، ولا شك أن دعوة «شيراك» إلى قيام شراكة بين فرنسا والسعودية يأتي في إطار خطاب في جامعة القاهرة الذي أكد فيه أهمية الشراكة الثقافية والمقصود به الحوار الثقافي والتبادل العلمي واللغوي وقد جاء في خطابه ولابد أن تكون هذه الشراكة ثقافية، وأن تشجع الحوار باستمرار بين الشعوب وخاصة بين الشباب، وأرجو أن يتطور التعاون بين الجامعات الكبرى على ضفتي المتوسط وأرجو أن يزداد تبادل الزيارات الطلابية عبر التقريب بين المناهج، وأن يلتقى الأساتذة للتنسيق بصدد وضع الكتب المدرسية ولا سيما في مجال التاريخ. كما أرجو أن تتكشف المشاريع السمعية والبصرية المشتركة، وأخيرًا أن يتعزز دور اللغتين العربية والفرنسية كعامل تبادل واتصال. 

ولا يختلف اثنان في أهمية التبادل الثقافي، كوجه من وجوه التعايش الحضاري، لكن المشكل في الخلفية التي تقود هذه الشراكة، فالعقلية العربية والإسلامية في عمومها لا تجد مشكلًا في الانفتاح على الغير، بيد أن العقلية الغربية بقيت تشدها بعض رواسي الماضي الاستعماري ونزعة الهيمنة على الآخر ومطلوب من النخبة السياسية والفكرية الغربية العمل بكل وسعها على تذويب هذه الحواجز، ولعل وجود جاليات إسلامية كبيرة في البلاد الغربية يعتبر بمثابة المحك لهذه النخبة في مصداقية دعوتها لشراكة مع الدول العربية والإسلامية تقوم على مبدأ الاحترام المتبادل لشخصية الآخر وهويته وعلى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها كما جاء في خطاب الرئيس الفرنسي بجامعة القاهرة، ونشير في هذا الصدد إلى التصريح لأحد الوزراء بالحكومة الفرنسية الحالية ايريك راؤول بأن الجهل مصدر الخوف وأن معرفة الآخر سبب التسامح، ويشير إلى جهل الرأي العام الفرنسي بحقيقة الإسلام بحكم الصورة المشوهة للإسلام والمسلمين في أغلب وسائل الإعلام الفرنسية في الكتب الدراسية. 

فالشراكة الثقافية بين فرنسا والدول العربية خصوصًا والإسلامية عمومًا تمر عبر إعادة الاعتبار للحضور الإسلامي في فرنسا باعتبار الجالية الإسلامية جسرًا هامًا للتقارب الثقافي والحضاري بين الطرفين وعبر الأخذ بالنظر مبدأ تكافؤ المصالح.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

324

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 7

120

الثلاثاء 28-أبريل-1970

مجلس الأمة - عدد 7