; ركن تكوين الداعية.. إيمان الداعية | مجلة المجتمع

العنوان ركن تكوين الداعية.. إيمان الداعية

الكاتب عبدالله ناصح علوان

تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1984

مشاهدات 72

نشر في العدد 660

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 28-فبراير-1984

الحلقة الأولى

لا يمكن للداعية أن يتربى إسلاميًّا ويتكون دعويًّا حتى يتصف بصفات نفسية عالية، ويتخلق بمكارم خلقية فاضلة ليكون الداعية الذي يشار له بالبنان، ويثبت أمام المحن والأحداث، ويقوم بدوره في الإصلاح والتغيير، ويؤدي رسالته في مجال الدعوة والتبليغ.

ولكن ما هي الأصول النفسية التي إن تحلى بها الدعاة انطلقوا في ميادين الدعوة والجهاد والاستشهاد غير هيابين ولا وجلين ولا يائسين، وظهروا في المجتمع بخير ما يظهرون به من الاتزان والتوازن، وحسن التعامل، ومكارم الأخلاق غير متهورين ولا ظالمين ولا منحرفين، أرى هذه الأصول مرتبة على الأسس التالية:

1- الإيمان: من المعلوم يقينًا أن الإيمان بالله الواحد الأحد.. حين يتغلغل في النفوس، ويخالط بشاشته القلوب، هو أول سلاح يتسلح به المؤمن الداعية في مواجهة صراع الحياة، وفي مجابهة مغريات الدنيا، سواء أكان الداعية متقهقرًا أو متقدمًا؟ وسواء أكان مهاجمًا أو مدافعًا، وسواء أكان منتصرًا أو ممتحنًا؟ فبدون الإيمان يبطل كل سلاح، ويبطل كل إعداد، وتبطل كل ذخيرة.

* وأعني بالإيمان أن يعتقد الداعية من قرارة وجدانه أن الآجال بيد الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وإن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإن اجتمعت الأمة على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وعلى المؤمن أن يضع نصب عينيه  قول الحق سبحانه: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:51)، وأن يردد صباح مساء قوله جل جلاله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف:34)، فبهذا الاعتقاد وبهذا الشعور يتحرر المؤمن من الخوف والجبن والجزع، ويتحلى بالصبر والشجاعة والإقدام، ويهتف من أعماق قلبه بما هتف به الإمام علي- كرم الله وجهه- حين كان يجابه الأعداء:

 أي يومي من الموت أفر      يوم لا يقدر أو يوم قدر

 يوم لا يقدر لا أرهبه ومن      المقدور لا ينجو الحذر

 ويتمثل بما تمثل به قطري بن فجاءة، حين كان يخاطب نفسه في حومة الوغى ويقول لها:

أقول لها وقد طارت شعاعًا  من الأبطال ويحك لن تراعي

فإنك لو سألت بقاء يوم     على الأجل الذي لك لن تطاعي 

فصبرًا في مجال الموت صبرًا   فما نيل الخلود بمستطاع

* وأعني بالإيمان أيضًا: أن يعتقد المؤمن من سويداء قلبه أن الأرزاق بيد الله، وإن ما بسطه الله على العبد لم يكن لأحد أن يمنعه، وأن ما أمسكه عليه لم يكن لأحد أن يعطيه، وإن ما قدر لماضغيه أن يمضغا لابد أن يمضغا، وأن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها، وعلى المؤمن أن يضع نصب عينيه قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء:30) وإن يردد صباح مساء قوله جل جلاله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (الملك: 21).

فبهذا الاعتقاد وبهذا الشعور، يتحرر المؤمن من الحرص الزائد على الدنيا، والإلحاح بالطلب، ويتحرر أيضًا من الشح النفسي، والتقتير المزري، والإمساك الشائن، ويتحلى بمعاني الكرم والإيثار والعطاء، بل يرى السعادة في القناعة وعيش الكفاف، فإذا قنعت النفوس رضيت بالقليل وكفاها اليسير، ورحم الله الإمام الشافعي حين قال:

النفس تجزع أن تكون فقيرة      والفقر خير من غنى يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف، فإن أبت    فجميع ما في الأرض لا يكفيها

* وأعني بالإيمان كذلك: أن يعتقد المؤمن من أعماق أحاسيسه ومشاعره. أن الله سبحانه معه يسمعه ويراه، ويعلم سره ونجواه، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.

وعلى المؤمن أن يضع نصب عينيه قول الحق سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (المجادلة/ 7) 

وإن يردد صباح مساء قوله جل جلاله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: 59)..

فبهذا الاعتقاد، وبهذا الشعور، يتحرر المؤمن من ربقة الهوى، ونزعات النفس الأمارة، وهمزات الشياطين، وفتنة المال والنساء، ويتحلى بالمراقبة لله، والإخلاص له، والاستعانة به والتسليم لجنابه فيما ينوب ويروع، ويندفع بكليته إلى العمل بكل أمانة وجدية وإتقان، بل يكون - إذا مشى في الناس - إنسانًا سويًّا، وبرًّا تقيًّا، وريحانة طيبة الشذى، وشامة في المجتمع يشار إليه بالبنان.

بل يتمثل بما تمثل به شاعرنا الإسلامي حين قال:

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل        خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة                   ولا أن ما تخفي عليه يغيب

فعلى هذه المعاني من الإيمان ينبغي أن يتكون الداعية، ويواجه بها صراع الحياة، ويبتسم لمصاعبها، لأن استقرار العقيدة الربانية في أعماق النفس الإنسانية يجعلها أن تتحرر - كما سبق ذكر ذلك - من الخوف والجبن، بل يجعلها عزيزة كريمة، فلا تذل لأحد «تقف أمام قوى الأرض لا ترهب سلطانًا، ولا تستخذي أمام صولة الملك، وإغراء المال، هذه العقيدة ترفع أصحابها من أوحال الأرض، ومستنقع الطين، فيقف في المرتقى السامي ينظر إلى الأرض من علٍ مع التواضع، وبالعزة مع المحبة والتضامن دون استطالة ولا بغي على الناس، يود لو يرفعهم إلى هذا المستوى الذي رفعه الله إليه..».

ولابد لي - أخي الداعية - في هذه المناسبة أن أذكر لك ولو نموذجًا واحدًا عن أثر العقيدة الربانية في السلوك الاجتماعي رزقًا وكسبًا، وضرًّا ونفعًا، ومراقبة وخشية، عسى أن يتأسى الدعاة بمن يقتدى بهم من الرعيل الأول ومن تبعهم بإحسان: 

* ففي نموذج أن الأرزاق بيد الله أسوق هذا الخبر: وإليكم يا من تحسبون لقطع الرزق حسابًا قصة هذه المرأة المؤمنة التي تربت في مدرسة الإيمان، ورتعت في روضة اليقين، ونشأت على حب الله والرسول والإسلام، إليكم موقفها الرائع، وجوابها السديد حين خرج زوجها للجهاد، جاءها من يستثير حزنها، ويهيج عاطفتها ويقول لها: من يقوم على أمرك، ويرعى أولادك إذا قدر على زوجك القتل، وكتبت له الشهادة؟ فما كان منها إلا أن صرخت في وجوههم لتقول لهم في ثقة واطمئنان ويقين: «إني أعرف زوجي أكالًا، ولم أعرفه رزاقًا، فإذا مات الأكال بقي الرزاق»!!!

* وفي نموذج أن الآجال بيد الله أسوق هذا الأثر: يقول الصحابي الجليل سيف الله خالد بن الوليد حين أدركته الوفاة وهو على الفراش: «إني حضرت مئة حرب أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح، أو رمية سهم.. أهكذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء؟!!».

وكم كان بوده رضي الله عنه أن يموت في ساحات الوغى شهيدًا؟ ولكن الله جل جلاله لم يقدر له الموت إلا على الفراش، ألا فليعتبر أولئك الذين يجبنون عند اللقاء، ويخافون خوض المعارك والمجاهرة بالحق، وتقويم اعوجاج الطغاة الظالمين؟!!

* وفي نموذج استشعار الدعاة مسؤوليتهم في التفاعل مع الدعوة أسوق هذه القصة: من المآثر الكريمة التي رواها الثقات عن الإمام الشهيد حسن البنا - رحمه الله - أنه كان من عادته أن يتفقد شباب الدعوة الإسلامية في الأقضية والنواحي في كل عيد من الأعياد، ففي مرة من المرات التي كان يخرج فيها، مرض ولده «سيف الإسلام» مرضًا شديدًا أشرف فيه على الهلاك.

فقالت له زوجه: لو بقيت معنا في هذا العيد نستأنس بك، وتكون بجانب ولدك المريض؟! فأجابها وبيده حقيبة السفر: إن من الله على ولدي بالشفاء فلله الحمد والشكر والمنة، وإن قدر الله عليه الموت فجده أعرف بطريق المقابر!! ثم خرج - بعد أن دعا لولده بالشفاء، وكلف أباه بالرعاية - وهو يتلو قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة/ 24).

ولما يعتقد الدعاة أن الآجال والأرزاق بيد الله، ولما يتفاعلون مع هذه الدعوة، ويحيون بكليتهم للإسلام، فلا شك أنهم يكونون على مستوى كبير من الإيمان، بل يتحررون من الخوف والجبن، والشح والبخل، ويراقبون الله عز وجل في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والمتقلب والمثوى.. بل يحقق الله على أيديهم عزة الإسلام، ومجد المسلمين، والكيان السياسي المرموق في القرن العشرين وعلى مثل هذا فليعمل العاملون.

أما عن إخلاص الداعية فسنتولى الحديث عنه في العدد القادم، فإلى العدد القادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

الرابط المختصر :