العنوان تمثيل حياة الصحابة بين الإجـلال والإخلال (1 من 2)
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2004
مشاهدات 86
نشر في العدد 1600
نشر في الصفحة 52
السبت 08-مايو-2004
لسنا ضد الفنون... ولكن التمثيل الوارد لشخصيات الصحابة الكرام يكاد يكون تمثيلًا بهم لا تمثلًا بهم.
إذا كنا نفزع من تهمة الازدراء برموز الحكم.. فكيف بالازدراء برموز الإسلام؟!
علماء الدين: رأى مجمع البحوث الإسلامية بإجازة تمثيل حياة الصحابة من غير العشرة المبشرين بالجنة.. معيب ومنقوص لغة وشرعًا.
بينما رحب الكثير من العلماء والكتاب والفنانين بالمسلسل التلفازي «رجل الأقدار»، الذي عرض مؤخرًا عن حياة الصحابي الجليل «عمرو بن العاص» - رضي الله عنه -فقد أثار هذا العمل العديد من التساؤلات الخطيرة التي ما زالت حائرة بين الرفض والقبول، وما زال أهل الفن والفقه يتناجشون حولها، فيما يخص الصحابة الكرام من إجلال وما يتعرضون له من إخلال، وما مرجعية هذا التناول الفني لأشخاص الصحابة الكرام شرعًا؟، وما المساحة التي يمكن الاتفاق عليها لرجل الفن أن يتدين ولرجل الدين أن يتفنن؟ وهل تراجع الأزهر الشريف عن رأي مجمع البحوث الإسلامية بشأن تمثيل العشرة المبشرين بالجنة؟، ولماذا العشرة بالذات دون غيرهم؟ وماذا يقول أهل الفن في هذا الشأن؟، وعشرات الأسئلة التي تطرح نفسها في هذه القضية.
بداية علينا أن نعلم أن مجمع البحوث الإسلامية «هيئة كبار العلماء في مصر» كان قد أصدر رأيه بأن الصحابة المبشرين بالجنة وآل بيت النبي ﷺ، محظور ظهورهم تمثيلًا.. بينما أباح ظهور غيرهم من الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم -، وقد فتح هذا الرأي الباب واسعًا أمام المغامرين الذين يحسنون حينًا ويسيئون أحيانًا، فتم طرح أسماء العشرات من كبار الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لتكون مشروعًا لأعمال فنية مقبلة، كعمرو بن العاص، وسلمان الفارسي، وخالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح، بل وعشرات الأسماء من الصحابيات الجليلات كنسيبة بنت كعب الأنصارية، وأسماء بنت أبي بكر، وهند بنت عتبة ...
ولعل هذا الرأي المنقوص من مجمع البحوث الإسلامية.. هو الذي ترك الباب مواربا لهذا الاجتراء على أصحاب رسول الله ﷺ من بشر منهم بالجنة ومن لم يبشر بها- حيث يرى د. عبد العظيم المطعني أن كلام مجمع البحوث مشوب علميا وشرعيا؛ إذ إن قصر البشارة بالجنة على هؤلاء النفر الكرام، إنما كان في جلسة واحدة، أما ما ينبغي أن نظل به الصحابة - رضي الله عنهم - فهو قول ربنا - عز وجل -: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 100).
فكم يكون عدد هؤلاء إذن؟ وحين يقول الله - عز وجل -: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾ ( الحديد: 10).
وحين قال تعالى: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ( الفتح: 29).
لذا فإن قصر البشارة بالجنة على عشرة من الصحابة، إنما هو استشهاد جزئي في قضية كلية، وهذا خطأ علمي فادح.
ولكن هؤلاء المنفلتين قد انحرفوا وانجرفوا في حق الصحابة، فيما زعموه فنًا يجسد حياتهم، ويصور مشاعرهم، ويبرز خصائصهم في عيون المشاهدين.. وكأني بعائشة - رضي الله عنها - وهي تقول: «أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ فسبوهم» (رواه مسلم).
ومن السب لهم: التقليل من شأنهم، وتهوينهم في عيون الرائين، بل وصل الأمر بهؤلاء المجترتين أن اتهموا بعض الصحابة بالكذب، والنفاق، والخيانة.. وأدخلوا حياتهم فيما يسمى بالحبكة الفنية، ومهارات الإخراج القائم على التشويق والتلفيق.. بهدف الإقناع والتصديق.. وحاش لصحابة رسول الله ﷺ أن يكونوا عرضًا لمثل هذا الترخص.. ومن ثم فنحن نقول: إنه يحرم أن تكون حياة كل الصحابة من المهاجرين والأنصار.. السابقين منهم واللاحقين عرضة لمثل هذا العمل الذي يحمل ظاهره الرحمة وباطنه من قبله العذاب.
عدم الظهور... أولى
ويتفق مع عدم ظهور كل الصحابة د. أحمد عمر هاشم - رئيس جامعة الأزهر السابق والرئيس العام لجمعيات الشبان المسلمين - ؛ حيث يرى «أن رأي مجمع البحوث السابق رأي منقوص.. ومتعجل.. ولم يستوف حقه من البحث والدراسة، بل يعتبر رأيًا منقوصًا شرعًا؛ حيث لا أعلم العلة وراء تمييز الصحابة بين عشرة مبشرين وآلاف من غير المبشرين، مع العلم أن أدلة البشارة بالجنة واردة وموثقة بالكتاب والسنة لمئات إن لم تكن للآلاف من الصحابة الكرام البررة - رضي الله عنهم أجمعين -فهؤلاء هم رموز الأمة، وحملة الوحي، تلقوا عن رسول الله ﷺ وكانوا إلى جواره قرآنًا يمشي على الأرض.
ويكفينا هنا قول الله - عز وجل -: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ( الفتح: 29)، فلا يصح بحال أن تمثل شخصياتهم، وأكاد أرى أن التمثيل الوارد لشخصياتهم، يكاد يكون تمثيلًا بهم لا تمثلاً بهم.
وإن كان ولا بد.. فأمامنا متسع رحب الرواية وحكاية حياتهم كأن نرويها على ألسنتهم بطريق غير مباشر، أو على ألسنة ممثلين يتحدثون عنهم لا يجسدون شخوصهم الكريمة.
فرفقًا أيها السادة بهذا النفر الكريم الذي اختاره الله - عز وجل - وصنعه على عينه؛ ليعايش الرسول ﷺ، ويتمثل وحيه الكريم في حياة الناس، وأنا هنا لست متحجرًا ولا مضيقًا، فأنا أكتب الشعر وأتذوق الأدب، وأفهم رسالة الفن جيدًا، ولكن شتان بين مشرق ومغرب.
وعلى هذا النحو.. يمضي أ.د. عبد الصبور مرزوق - الأمين العام المساعد للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - حيث قال: لا أزيد ولا أنقص من هذا الرأي السابق، بل أحب أن أنبه الجميع إلى أنه لم يتبق لنا في عالم اليوم من أسوة وقدوة سوى هذا النفر من الناس، فدعوهم وشأنهم يرحمكم الله .
وإذا كانت صناعة السينما والتلفاز قد أفلست في الموضوعات الجيدة، فلا تميلوا عليهم، بل ميلوا عنهم، فذلك أولى ثم أولى!!.
والصحابة - رضوان الله عليهم - لهم في قلوب المؤمنين منزلة عالية، ولا يستطيع أحد -مهما بلغ خياله الفني- أن يتقمص شخصية واحد منهم- كما يؤكد د. عبد الفتاح عاشور - رئيس قسم الدراسات الإسلامية بتربية الأزهر- ذلك؛ لأن الله – تعالى - قد أتاهم من القدرات والمميزات الخاصة، ما كانوا به أهلًا لصحبة الرسول ﷺ، وإظهار هؤلاء الصحابة في صورة تمثيلية، ينقص من قدرهم، ومما لهم من جلال وهيبة ومنزلة في قلوب الناس؛ لذلك لا بد من الابتعاد عن الوقوع في هذا الشرك.
والقائلون بحرمة تمثيل العشرة المبشرين بالجنة وحدهم، لما لهم من هذه المنزلة، ماذا يقولون في قول النبي ﷺ: يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ولا عتاب»، فالحكم الذي تعجله مجمع البحوث، ولا أدري لماذا؟ -ينطبق على جميع الصحابة الكرام العدول، وأي منصف متوسط العلم يرى أن هذا القول بحاجة إلى إعادة نظر، وهو قول مرفوض ومردود، وصل الله وسلم على من ذب عن عرض أصحابه في قوله: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا من بعدي... فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم»، والذين يزعمون أنهم يخدمون سيرتهم بهذا الصنيع، ينطوي عرضهم على حق يراد به باطل؛ لأن ما يصدق على الرسول ﷺ يصدق على أصحابه.
فخدمة سيرتهم قيمة وأسوة وسلوك ومعايشة واقتداء... بعيدًا عن التصوير والتجسيد، خاصة أن هؤلاء الكتاب والفنانين ينقصهم أدنى فنيات وأدوات كتابة التاريخ فضلًا عن كتابة السيرة التي لا يمكن معالجة حياة هؤلاء بعيدًا عنها، فهم جزء لا يتجزأ من السيرة النبوية الشريفة، التي لا يصح كتابتها أو الخوض فيها بعيدًا عن التزود بأدوات علم الحديث من جرح وتعدل، وأين هؤلاء من هذا العلم الرفيع الذي لا يقوم به إلا العدول من العلماء؟
وإلى فريق التحريم ينضم د. محمد سيد أحمد المسير - أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر -؛ حيث يرى أن من تلبيس الشيطان على بعض ذوي الأهواء، أن يطلق لهم العنان: مزينًا إياه بنية صالحة أو صحيحة، أو غرض طيب، فيجعل من الحياة كلها ميدانًا واسعًا للهو واللعب، مستبيحًا كل ممنوع، متوسعًا في كل مشروع باسم الفن والترويج، وغاب عنهم أن الفنون وسائل إلى مقاصد، ومن ثم فحكمها حكم مقاصدها، والغاية المشروعة لا تتم إلا بوسيلة مشروعة، وأنه من القواعد الأصولية المقررة أن الأسباب المشروعة لا تؤدي إلى مفسدة، وأن الأسباب الممنوعة لا تؤدي إلى مصلحة، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، وهذا المقصد من تمثيل أشخاص الصحابة الكرام وتمثيل أدوار حياتهم قد تطرق إلى ميدان الفن السابع، كما يقولون، وهو فن السينما.. متأثرًا بالفكر الكهنوتي والكنسي الذي بزغ المسرح والسينما في أحضانه من تقديس للأشخاص ولعب أدوار الآلهة في المعابد، بل وعبادة لها من دون الله، والفن في الإسلام متحرر من هذه المادية المغرقة، بعيد عن التوثين والتجسيد وعبادة الفرد للفرد.
وإذا كنا في زماننا هذا نفزع من تهمة تسمى الازدراء برمز الحكم، فكيف بالازدراء برموز الإسلام..؟!
ولعله من رحمة الله تعالى أن آلات التصوير لم تخترع في حياة هؤلاء الكرام من خلق الله تعالى من الأنبياء وأصحابهم، حتى لا تتقيد صورتهم ولا شخوصهم بشكل معين في الأذهان.
والقول بتجسيد حياتهم تمثيلًا قول محفوف بالأخطار العظام، وإذا سلمت شخصية لن تسلم أخرى، وإذا وجدنا من يفهم ويعلم سيرتهم اليوم، فلن تجده غدًا بل وستظل تصورات الفنانين لأشخاصهم نهبًا لكل شارد ووارد، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
ويضيف د. المسير: لسنا ضد الفن ورسالته، ولكن الفن كالعلم لا بد أن يبنى على أسسه، وأن تتوجه رسالته إلى غايتها المشروعة، وإلا تحول من ساحة لبلوغ الكمال إلى ساحة للإفساد والإضلال .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل