العنوان تنظيم الجهاد ومسار المواجهة مع النظام
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1986
مشاهدات 67
نشر في العدد 764
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 22-أبريل-1986
تحدثت وكالات الأنباء عن وقوع اضطرابات طلابية في جامعة أسيوط بصعيد مصر،
إثر قيام أحد رجال الشرطة السرية بإطلاق الرصاص على الطالب شعبان راشد، لقيامه
بوضع ملصقات على جدران الجامعة، تتضمن دعوة لحضور ندوة دينية يتحدث فيها الدكتور
عمر عبد الرحمن، الذي ورد اسمه في المحاكمات الخاصة بتنظيم الجهاد، الذي اتُهم
بحادث اغتيال أنور السادات عام 1981.
ومع أن الدولة حاولت بعد الانتهاء من هذه المحاكمات إسدال الستار على تنظيم
الجهاد، وإيهام الرأي العام المصري بانتهاء فاعلية هذا التنظيم، بل وحتى وجوده على
الساحة المصرية واعتباره حدثًا طارئًا على المجتمع المصري، إلا أن مؤشرات العديد
من الأحداث التي وقعت في مصر بعد حادث المنصة، كانت تدل على استمرار التواجد
الفعال لتنظيم الجهاد على الساحة المصرية، وعلى الأخص داخل أسوار الجامعات، وفي
جامعة أسيوط بشكل رئيسي، حيث حققوا نجاحات كبيرة في الانتخابات الطلابية، رغم كل
المضايقات التي اتخذتها السلطات الأمنية.
فما هي قضية الجهاد؟
كان العمل الإسلامي في مصر يتعرض ومنذ بروزه على الساحة المصرية لمضايقات
الدولة واضطهادها؛ نظرًا لخطورة مبادئه المطروحة على الأنظمة الحاكمة، سواء في
العهد الفاروقي أو العهد الناصري أو الساداتي... وشهدت الساحة المصرية أشكالًا
عديدة من العنف والإرهاب الذي كانت تمارسه تلك الأنظمة ضد الإسلاميين، فمن اغتيال
رائد الحركة الإسلامية الشيخ حسن البنا، إلى إعدام عبد القادر عودة وسيد قطب
وعشرات من إخوانهم الدعاة، إلى اعتقال الآلاف وزجهم بالسجون، وسط آلات التعذيب
الجسدي والنفسي الذي يفوق كل احتمال... واستمر الحال على هذا النحو حتى وفاة عبد
الناصر، واضطر وريثه السادات وتحت ضغط ظروفه الخاصة وصراع مراكز القوى من حوله
وتحفزها للانقضاض عليه، اضطر إلى الإفراج عن معظم المعتقلين من أبناء الدعوة بعد
أن أمضوا زهرة شبابهم وحيويتهم في تلك السجون، وكان من الطبيعي ونتيجة لظروف القهر
التي عاشها أبناء الدعوة أن تظهر أفكار جديدة في الأساليب الدعوية، فمنها:
- ما كانت تدعو للانعزال بعيدًا عن المجتمع الفاسد الذي تحكمه قوانين
وضعية، وتمثل هذا الأسلوب الجماعة التي أُطلق عليها اسم التكفير والهجرة.
- ومنها ما كان يدعو للانعزال نهائيًّا عن أي نشاط دعوى وآثرت الاعتماد على
بناء الجانب الروحي والتعبدي، وهذا الأسلوب كان منحصرًا في الأفراد فقط.
- ومنها ما كان يدعو إلى ممارسة العمل السياسي الطويل المدى، واعتماد
الدعوة السلمية لتحويل الجماهير إلى طريق الإسلام، ومثّل هذا الأسلوب الإخوان
المسلمون.
- ومنها ما كان يعتقد أن أسلوب مواجهة النظام هو الطريق الصحيح الذي من
شأنه أن يحقق الهدف الكبير الذي تدعو إليه الحركة الإسلامية وهو إقامة النظام
الإسلامي، ويمثل هذا الأسلوب تنظيم الجهاد.
ومن هذه القناعة بدأ الشهيد يحيى هاشم ينطلق بعد خروجه من السجن في تكوين
البنية الأولى لتنظيم الجهاد، وتمكن من بناء قواعد التنظيم هيكليًّا وفكريًّا،
ولكنه استُشهد بعد ذلك مع ثلاثين من إخوانه في معركة أجهزة الأمن المصرية، ويومها
اعتقدت هذه الأجهزة أن تنظيم الجهاد لم يعد له وجود في مصر، إلى أن كان حادث
اغتيال السادات الذي أبرز حجم التنظيم ودقة تحركه على الساحة المصرية.
أهداف الجهاد
لم تكن أهداف الجهاد لتختلف عن أهداف الجماعات الإسلامية المختلفة، وإن كان
الاختلاف واضحًا في الأسلوب الواجب اتباعه لتحقيق هذه الأهداف، فالمتتبع لما ورد
في محاكمات التنظيم وما سُطر في منشوراتهم- وعلى رأسها كتب الفريضة الغائبة لمحمد
عبد السلام فرج أحد القيادات الرئيسية في التنظيم- يجد هذه الأهداف تنحصر في
قضيتين أساسيتين هما: العمل بفريضة الجهاد بكل ما تحويه هذه الكلمة من معنى عسكري
وسياسي وعقائدي، فهذه الفريضة شُرعت للقتال من أجل إعلاء كلمة الله، وهذا القتال
يكون ضد الحاكم الذي يمنع حكم الله وتطبيق شرعه، وهنا يكون هذا الحاكم ظالمًا
وفاسقًا وكافرًا استنادًا للنصوص القرآنية، وكما يقول الدكتور عمر عبد الرحمن الأب
الروحي لأعضاء التنظيم: إن الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله يجب الخروج عليه
وقتاله... وكانت قضية الجهاد تستحوذ على تفكير قادة التنظيم، وتمثل ذلك في المناقشات
التي كانت تدور بين الشيخ عبد الرحمن وهؤلاء القادة من أمثال محمد عبد السلام فرج
وعبود الزمر وفؤاد الدواليبي وكرم زهدي وغيرهم.
أما القضية الثانية فهي تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال إقامة الدولة
الإسلامية.. وهذا التطبيق لا ينحصر في قضية الحكم أو الاقتصاد أو... بل على كافة
المستويات السياسية والاجتماعية، و.... وهذا يعني كما يقول الشيخ عمر عبد الرحمن
أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع وليس مصدرًا رئيسًا للتشريع.
ولهذا فإن تنظيم الجهاد كان يعتمد الجهاد لإقامة الدولة المسلمة الملتزمة
بالشريعة الإسلامية، وكانت نظرته للجهاد تنسحب على كل القضايا الإسلامية وخاصة
القضية الفلسطينية، ولذلك فإن أحد الأسباب التي دفعت التنظيم إلى قتل أنور السادات
كان يتعلق بموقفه من القضية الفلسطينية وتآمره عليها من خلال اتفاقيات الخيانة في
كامب ديفيد. والمراقب لجلسات المحاكمة يلاحظ كيف كان أعضاء التنظيم يرفعون وهم في
أقفاص المحكمة لافتات كتبوا عليها القدس ستعود إسلامية كما كانت.
التنظيم والنظام
والمتتبع لمسيرة تنظيم الجهاد خلال الخمسة عشر عامًا من عمره، يلاحظ أنه في
تصادم مستمر مع النظام سواء في العهد الساداتي أو في عهد وريثه حسني مبارك، ففي
البدايات الأولى لتلك المسيرة كانت المواجهة الأولى التي استُشهد خلالها يحيى
الشامي وثلاثون من إخوانه، وفي عام 80 كانت هناك مواجهة ثانية في مدينة
الإسكندرية. وفي عام 1981 كانت حادثة المنصة وهي قمة المواجهة مع النظام، حيث قضى
التنظيم على رأس النظام... وإثر مقتل السادات كانت المواجهة بين التنظيم والنظام-
الذي وقف على رأسه حسني مبارك- في مدينة أسيوط التي شهدت العديد من المواجهات
المسلحة بين الفريقين، مما يعطي انطباعًا بأن تغلغل التنظيم في أسيوط أكثر اتساعًا
وانتشارًا من المدن والأقاليم المصرية الأخرى، وكانت هناك مواجهات غير مباشرة من
خلال حادثة سليمان خاطر، وتمرد الأمن المركزي وغيرهما من الحوادث التي كانت تتفق
مع توجهات التنظيم... ثم كانت المواجهة الأخيرة في المنيا وأسيوط في الأسبوع
الماضي عقب استشهاد الطالب شعبان راشد عندما أطلق عليه البوليس السري النار...
والواضح تمامًا أن النظام المصري يضع في مقدمة اهتماماته الأمنية قضية إنهاء
فاعلية ووجود تنظيم الجهاد من على الساحة المصرية، وهذا الاتجاه أكده مرارًا حسني
مبارك في خطبه وتصريحاته وأحاديثه حول ما يُطلق عليه اسم التطرف الديني.
وبعد،
فإن ما ذكرناه حول قضية الجهاد يدفعنا إلى التأكيد على أن النظام المصري لا
يُجانب الحقيقة حين يدعي أنه مع الإسلام ولكن بدون تطرف، قاصدًا الجهاد وما شابهه
من تنظيمات إسلامية موجودة على الساحة المصرية، فالحقيقة الواضحة تشير إلى أن
النظام لا يريد أساسًا أي عمل إسلامي منظم، وتحت أي شكل من الأشكال معتدلًا أم
متطرفًا... ويُدلنا على ذلك موقف النظام من التنظيمات الإسلامية التي تطالب
بممارسة العمل السياسي العلني، شأنها في ذلك شأن بقية الاتجاهات والتيارات
الموجودة على الساحة المصرية، فالنظام أعطى حق العمل السياسي للوفديين والشيوعيين
والاشتراكيين، واستثنى الإخوان المسلمين من هذا الحق؛ بحجة أن القانون الذي وضعه
النظام لا يسمح بالعمل السياسي على أساس ديني... وذهب النظام إلى حد حرمان الإخوان
من ممارسة العمل الإعلامي، ورفض منحهم الترخيص اللازم لإصدار مجلة تنطق باسمهم
وتعبر عن رأيهم.
وبالتالي فإن هذه المواقف من قبل النظام ضد الاتجاهات الإسلامية لا بد من
أن تدفع البعض- من أمثال أولئك الذين أسسوا تنظيم الجهاد ومن أمثال من التحق
بتنظيمهم- إلى تبني فكرة العنف المسلح طريقًا وحيدًا لتحقيق أهدافهم السياسية
والعقدية. والثابت أنه حين يرفع النظام المصري الحجر الذي فرضه على التيار
الإسلامي في ممارسة العمل السياسي والإعلامي و... شأنه في ذلك شأن الآخرين فإن كل
مظاهر العنف المشروع للجهاد ستتوقف على الفور... فهل يفعلها النظام أم يواجه عنف
التنظيم؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل