العنوان مجلة (العربي).. والمهزومون فكريًّا
الكاتب عبد اللطيف محمد برزق
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1977
مشاهدات 89
نشر في العدد 368
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 27-سبتمبر-1977
مجلة (العربي).. والمهزومون فكريًّا
عرفت البشرية منذ القدم خطورة الدعاية والإعلام.. وعملت الأمم على بث الدعاية لعقائدها ودولها والقيام بالدعاية المعادية لعقائد الآخرين.
ولقد دأبت الجهات المعادية للإسلام على بث دعاية مضادة له وللحضارة الإسلامية ولكل ما يمت لدين الله بصلة استهدفت في ذلك.
أولًا: إضعاف أثر القيم الإسلامية في الشعوب وتصوير تلك القيم بشكل مشوه وتعمد إثارة الشبهات حولها ليتحقق لها عزل الشعوب الإسلامية عن مصدر قوتها وتدمير معنوياتها في مواجهة التآمر المستمر عليها، وتجريد جماهير المسلمين من سلاح الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
ثانيًا: الدعاية للقيم المضادة للإسلام وتمجيدها لتحل محل القيم الإسلامية العليا لدى الشعوب الإسلامية.. وفي ذلك الترويج لشعارات براقة خادعة مثل الليبرالية والاشتراكية.. التي أصبح الناس يرددونها -حتى من يدعي الثقافة منهم- ببغاوية عجيبة. دون تمحيص لما تحويه من مفاهيم تبعدهم عن الطريق الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده.
ولقد تنبهت هذه الجهات في تآمرها وحربها المستمرة ضد الإسلام إلى أهمية السيطرة على منابر التوجيه الإعلامي داخل بلادنا ومخاطبة الشعوب الإسلامية منها فذلك أكثر فعالية في جلب الهزيمة الفكرية لتلك الشعوب وتزوير مفاهيم الحضارة لديها فذلك يعتبر تمهيدًا ضروريًّا للتحكم في مصيرها والسيطرة ونهب مصادر ثرواتها وإهدار إمكانياتها.
ولما كانت مجلة العربي تعتبر منبرًا إعلاميًّا مرموقًا من حيث كونها تصدر عن دولة الكويت المسلمة فقد كان السعي لبث السموم تجاه الإسلام وعقائده ومفاهيمه من خلال تلك المجلة يعد هدفًا في حد ذاته لواضعي مخططات ضرب الشعوب الإسلامية.
هو أن الدعاية المعادية للإسلام قد مكّنت من احتلال موقع لها في تلك المجلة فبعد أن أصدرت مجلة العربي عددًا خاصًّا عن الولايات المتحدة الأمريكية جاء العدد الماضي الصادر في شهر رمضان المبارك 1397هـ - سبتمبر 1977م - مشيرًا في أكثر من موقع فيه إلى تلك الحقيقة المؤلمة.
ففي حديث الشهر لرئيس تحرير المجلة الحالي صاحب التاريخ الطويل في التصدي للحركات الإسلامية المحاصرة يواصل ما أسماه استطرادادت باريسية ويتحدث بإسهاب غريب – 7 صفحات كاملة عن تلك المدينة التي لا ينقصها شي من وجهة نظره ويتغنى بالحضارة الغربية وقيمها ومفاهيمها البراقة!! متجاهلًا أن ذلك قد تم على حساب روح الإنسان وأخلاقياته وقيمه؛ فالمعروف أن الغرب في سعيه لكي ينعم برفاهة العيش وترفه المادي وانكبابه الشهواني على متع الحياة استباح كل الحرمات لنهب ثروات الشعوب المغلوبة على أمرها وتسلط عليها وداس حرياتها وكراماتها.
ثم يراد لنا أن نؤمن بأن مثلنا الأعلى هو هناك في باريس ولندن وواشنطن..، وموسكو.... أي مكان خلى إطار الإسلام وحضارة الإسلام.
أما مقال "الدين أو السكين" لفهمي هويدي الكاتب القادم من جريدة الأهرام ويمكن أن تلخص الخطوط الرئيسية له فيما يلي: يقول الكاتب -لم نعد نرى في الإسلام إلا الوجه العقابي بكل ما يتضمنه هذا التعبير من جنوح إلى التكفير ولهفة على تطبيق الحدود، هذا فضلًا عن أن بعضنا لا يزال يرفض العالم ويناصبه العداء لأن الكرة الأرضية في نظرهم- ما زالت مقسمة إلى قسمين دار الإسلام ودار الحرب.
وهذه الصورة ليست من خيال شباب متهور حديث السن والتجربة قليل التحصيل في علوم الدنيا والدين، ولكنها وهذا هو الأقدح برسم وخط علماء كبار يتحدثون باسم الإسلام ويقفون حراسا على مصالح وضمائر المسلمين.
العجيب والمدهش أن كلام شيوخنا هؤلاء عندما يصل إلى الناس ويصدقه الشباب الذي لم يكتسب حصانة من أي نوع ثم يندفعون في محاولة ترجمته إلى حقيقة وواقع فإن الذي يوضع في القفص هم هؤلاء الشباب وحدهم.. يحاكم المجني عليهم وليس الجناة.
يعجب الكاتب أشد العجب ممن لا يزالون يرون العالم مقسمًا إلى قسمين دار الإسلام ودار الحرب، ويرى لذلك معنى واحدًا هو رفض العالم ومناصبته العداء، ويتهم علماء الإسلام بأنهم يقفون وراء هذه الجناية... ضد الشباب ويستصرخ السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين أن تلتفت إلى الجناة الحقيقيين وتضربهم- وهم في نظره الشيوخ وعلماء الإسلام. بدلًا من أن تضع في القفص الشباب وحدهم..
يستطرد بعد ذلك قائلاً من منا لم يسمعهم يقولون في كل مناسبة من فوق كل منبر ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44)؟.. من منا من لم تخرق أذنيه هذه الآية القرآنية يرددها مشايخنا ليعززوا دعوتهم إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ويضعوننا أمام خيارين: إما تطبيق الشريعة أو وصمة الكفر والزندقة.. وما دام التطبيق لم يتم فحكامنا كفار ومآلهم جهنم وبئس المصير. بمنتهى البساطة يلقون مثل هذه الآيات بغير شرح ولا إيضاح ثم يتمددون وتستريح ضمائرهم ويتصورون أنهم بلّغوا الرسالة وأفحموا غيرهم بالحجة الدامغة ويغيب عن بالهم -أي عن بال علماء الإسلام- أنهم لم يفعلوا أكثر من أنهم دسوا ألغامًا موقوتة في أعماق الناس وقد انفجر أحد هذه الألغام في مصر منذ أسابيع ويعلم الله متى وأين تحدث الانفجارات الأخرى.
ما تفسير هذا -العداء- لعلماء الإسلام؟
يجيب الكاتب نفسه على هذا فيرى أن بيان علماء المسلمين للناس أن دار الإسلام هي الإقليم الواقع تحت ولاية حاكم مسلم وتجري فيه أحكام الإسلام هي جنايتهم الكبرى؛ لأن الناس في نظره غافلون عن مدى تردي واقعهم ويخشى أن يفيقوا فينفجر أحد الألغام... ويعلم الله متى وأين.. وهذا تحريض لكافة السلطات الحاكمة في البلدان الإسلامية ضد العلماء..
ويقول إن العلماء يضعوننا أمام خيارين إما تطبيق الشريعة أو وصمة الكفر والزندقة..
هل هذا صحيح.. هل صحيح أن هذا التخيير من فعل العلماء أم هو من عند الله سبحانه وتعالى؟؟
ولم تنج الآية الكريمة ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44) من تعريض الكاتب بها فهو يصفها بأنها أكثر الآيات غموضًا والتباسًا في أذهان الناس..
وهو يسعى بهذا الفخر والتعريض للتمهيد لإبعاد المجتمعات الإسلامية عن الأخذ بما جاء بها والمسارعة إلى العودة للحكم بما أنزل الله...
لم يأت الكاتب بجديد في هذا المجال فقد سبقه المستشرقون اليهود والصليبيون وتابعهم علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم الذي أنكر صلة الإسلام بالخلافة أو القضاء أو وظائف الحكم..
يعود الكاتب إلى مسألة التفرقة بين دار الإسلام ودار الحرب فيعتبر هذه التسمية مثيرة للدهشة ويستغرب ويستنكر على -البعض الذي ما زال يتداولها ويرتب علها نتائج وآثارًا عديدة، ويقول إن هذا التقسيم ربما كان مقبولًا منذ ثلاثة عشر قرنًا حيث كان الاحتكام إلى السيف- في زعمه هو سبيل الحوار.
هل يُعقل أن ترى العالم المتغير حولنا بمنظار القرن الأول أو الثاني الهجري؟ ويعتبر أن تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب غير مقبول حاليًا وأن فيه مضيعة للوقت وتشتيتًا وتبديدًا للجهد.
ونحن بدورنا نتساءل لماذا كان حرامًا على الإسلام والمسلمين تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب وردة وحلال على الصليبيين تقسيم العالم إلى- العالم الحر الذي يشمل الدول التي تنضوي تحت لواء الصليبية الغربية وآخر يقع تحت نير الشيوعية؟
كذلك حلال على الشيوعيين تقسيم العالم إلى عالم اشتراكي يضم الدول السائرة في فلك موسكو وآخر يرزح تحت وطأة الرأسمالية؟
أم أن المطلوب هو أن لا يكون للمسلمين شخصيتهم المتميزة المستقلة؟
الحقيقة أن اليهود بالذات في حربهم على الإسلام واليهود هـم أول من سعى بخطى حثيثة إلى طمس الشخصية الإسلامية المتميزة وإذابتها في غيرها من الأمم وابتكروا وابتدعوا الحركة الماسونية في سبيل إنجاز هذا الهدف.
ثم لا يلبث الكاتب أن يغمز من قضية الجهاد في سبيل الله فيلجأ لتحقيق ذلك إلى طريقة –لا تقربوا الصلاة- فيقتطع أجزاء من آيات كريمة ليدلل على أن الإسلام في زعمه لم يشرع القتال ضد أعداء الله إلا في أضيق الحدود ويفتري في سبيل ذلك على الفقه والتاريخ معا؛ حيث يقول من الثابت فقهيًّا وتاريخيًّا أن حروب المسلمين كانت دفاعية بالدرجة الأولى وأن الحرب استثناء من القاعدة التي يقررها الإسلام - ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (الأنفال: 61).
إنه يريد أن ينفي عن الإسلام أعظم الصفات التي اختص بها الله سبحانه وتعالى أمة الإسلام وهي حمل أمانة نشر دعوة التوحيد للناس كافة وما يتبع ذلك بالضرورة من مقاتلة أعداء الله وهم الطواغيت المتسلطة على الشعوب والمكرسة لكل الإمكانيات لتحويل تلك الشعوب إلى عبيد لها من دون الله.
إن الإسلام يعلن وحدة شعوب الأرض ويرفض أن يترك شعبًا منها تحت نير الطغيان بل يدعو لتحريره مهما كلف ذلك الأمر من صعاب وآلام وتضحيات..
إن الإسلام ليس فيه انهزامية وجبن ولم يعرف الإسلام أبدًا صيحة كتلك التي قيلت عام 1948م من رئيس وزراء بلد عربي حين قال أنا رئيس وزراء «..» ولست رئيس وزراء فلسطين ليتنصل من مسئوليته تجاه البلد الذي استباح اليهود حرماته ومقدساته.. الإسلام يدعو المسلمين - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 29-30-31-32).
والإسلام يدعو المسلمين لنصرة المستضعفين ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 74-75-76).
واضح أن الإسلام يرفع الطاغوت عن كاهل الشعوب الرازحة تحت وطأته وحين تصبح لها إرادة حرة ورؤية واضحة.. عندها - ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256).
ثم لماذا يقتطع الكاتب ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (الأنفال: 61) ويستشهد بها متجاهلًا ما سبقها ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60).
إن الكاتب للأسف انتقى مقاطع من آيات كريمة ليستشهد بها في غير ما أنزلت له وليؤولها ويلوي معانيها ليخرج من ذلك إلى أن الجهاد لإعلاء كلمة الله وإسقاط الباطل تهمة موجهة للإسلام والإسلام منها براء..
والحق أن الكاتب لم يكن أول من نادى بذلك فقد سبقه المستشرقون وكذلك سبقه ميرزا غلام أحمد صاحب فتنة القاديانية التي أنشئت- عمدًا لتخذيل مسلمي الهند عن جهاد الاستعمار البريطاني. وأخيرًا فإن الكاتب قد سعى إلى تحطيم إرادة القتال لدى الشعوب الإسلامية فهو يدعوها إلى السير في طريق الحرب الباردة ويغريها بأن الحرب الباردة تحقق نتائج أفضل بكثير من القنبلة والصاروخ.
ومن حقنا التساؤل ماذا يراد بهذه الدعوة في الوقت الذي تُضرب فيه الشعوب الإسلامية بالقنبلة والصاروخ وليس بالحرب الباردة وحدها؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل