; تهديد الأمن العربي يبدأ من جنوب السودان | مجلة المجتمع

العنوان تهديد الأمن العربي يبدأ من جنوب السودان

الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997

مشاهدات 63

نشر في العدد 1252

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 03-يونيو-1997

أخشى أن يكون الثمن فادحًا ذلك الذي سيدفعه السودان الشقيق على حساب هويته العربية والإسلامية وعلى حساب حاضره ومستقبله، في ظل تطور الأحداث الجارية الآن على ساحتيه الشرقية والجنوبية، خاصة في أجواء فقدان الوزن والوعي والشعور على المستوى العربي والإسلامي العام. وأخشى كذلك أن يكون الثمن الذي سيدفعه عالمنا العربي والإسلامي من جراء ما يجري على ساحة السودان أكثر من فادح.

عرب العصر في ظل فقدان الوعي والوزن، وتضاؤل الحجم، وتخاذل القرار حادوا عن اتخاذ الموقف الصحيح بالوقوف في وجه أخطار تهدد بضياع السودان، وتمتد لتلحق الضياع بكافة الديار.

لقد أداروا ظهورهم في وقت تحل الكارثة فيه بالسودان، وهزوا أكتافهم والنار تشتعل في شرق وجنوب السودان وتزحف لتلتهم حاضرته وكافة أطرافه وتقتلع هويته وتقوض أصالته وتقضي على دوره التاريخي والحضاري والأمني والاقتصادي، وكأنهم لا يدركون أو لا يريدون أن يدركوا أن النار التي تلتهم السودان اليوم ستلتهم غير السودان في الغد. 

فريق منا غلب عليه الخلاف أو العداء مع الجبهة القومية الإسلامية الحاكمة في السودان، فاعتبر أن ما يجري هو من نتاج الأخطاء والتجاوزات في توجهات وسياسات الحكام في الخرطوم، كما أنه شأن سوداني داخلي بين المعارضين والحكام.. ينتهي بتغيير الحكام للسياسات والتوجهات أو بزوال الحكام أنفسهم.

فريق آخر رأى أن النأي بالنفس والابتعاد عن الانغماس فيما يجري في شرق وجنوب السودان في ظل الظروف العالمية الراهنة والانفراد الأمريكي بالهيمنة والنفوذ على الساحة العالمية مع طول اليد الإسرائيلية، ومع ظهور البصمات الأمريكية والإسرائيلية على رقعة الأحداث، ومع قلة الحيلة أو الوسيلة على المستوى العربي.. ومع تفرق الكلمة وتمزق الصف.. هو خير سبيل للنجاة، والحفاظ على الاستقرار الخاص والاطمئنان الذاتي..

وغاب عن الجميع أن السودان الذي يمثل قارة واسعة الأرجاء وسط إفريقيا المترامية الأطراف، وصاحب  التاريخ والدور الحضاري العظيم يمثل حلقة الوصل بين الشرق العربي المسلم وبين غرب إفريقيا المسلم ذي  التاريخ الحافل وصاحب الدور المنتظر في عالم الغد كما أنه جسر العبور بين الشمال وبين وسط وجنوب وشرق القارة حيث الجذور العربية والإسلامية وبصمات الحضارة العربية ونبتة المد الإسلامي الجديد.

 نسينا أن السودان هو سلة الطعام اليوم وفي الغد خاصة مع ازدياد حلقات الضنك والفقر حول الرقاب وتسليط الاستعمار لسلاح الغذاء يضغط على الأفواه والأعناق لتنحني الرؤوس والجباه.

تناسينا ثروات السودان العربي المسلم من المعادن والبترول واليورانيوم وهي كفيلة بإنعاش اقتصاد السودان وغيره.

 وفوق كل هذا بل قبل كل هذا ننسى أو نتناسى النهر العظيم الذي يمثل شريان الحياة لمصر على مدى الأمس واليوم والمستقبل يحمل في طياته الخير والنماء وحول روافده ومنابعه في هضبة البحيرات وهضبة أثيوبيا وأيضًا وهو يجري في أرض السودان منسابًا نحو الشمال تحاك المؤامرات الصهيونية وألاعيب الأمريكية وتنبش مخالب القطط الأثيوبية خاصة بعد أن أسفرت أثيوبيا عن وجهها وأبانت عن أطماعها ولم يعد في صالحنا أن نتجاهل ما يقام حول منابع النيل وحول مجرى النيل الأزرق على وجه الخصوص قبل أن يدخل السودان من مشاريع وسدود على حساب الحاضر والمستقبل المصري.

لقد ألغت إثيوبيا معاهدة ۱۹۰۲م بينها وبين مصر لتنظيم مياه النيل وأعلنت أنها لا تعترف باتفاقيتي ۱۹۲۹م، ۱۹۵۹م اللتين تحددان لمصر نصيبًا من المياه يبلغ ٥٥٥ مليار م٣ من مياه النيل، وأعلنت أنها في حاجة إلى معاهدات جديدة تنظم توزيع مياه النيل من جديد لتوفر لها ٢٠ مليار م٣ من المياه ستقتطع من نصيب مصر وعلى حساب الإنسان المصري وأراضيه الزراعية وصناعاته الراهنة ومشروعاته المستقبلية.

وإضافة إلى هذا وذاك يقوم العدو الصهيوني بتشييد أكثر من ٤٠ سدًا ومشروعًا للري والزراعة والكهرباء على نهر النيل الأزرق قبل أن يدخل السودان إضافة إلى الاتفاق الموقع بينه وبين إثيوبيا باستصلاح ١٥٠ ألف فدان من الأراضي الإثيوبية المجاورة لحدود السودان تعتمد في ريها وزراعتها على المياه المخصصة لمصر.

لقد حاولت وسائل الإعلام الحكومية المصرية ولفترة طويلة أن تصور العلاقات الإثيوبية المصرية على أنها محاطة بدفء الود والصفاء وأنه ليس ثمة توترات كما أنه لا صحة لما يقال عن مشروعات إثيوبية على النيل الأزرق تصادر أو تنتقص من الحق المصري في مياه النيل.. حتى تم الإعلان الإثيوبي والإسرائيلي عن المشروعات.. والإعلان الإثيوبي عن رفض المعاهدات وضرورة الدخول في مفاوضات لإعادة تقسيم المياه، إضافة إلى ظهور دور البنك الدولي والخبراء الأمريكيين وراء المطالب والمطامع الإثيوبية.

 وكما ظل الموقف المصري يضفي على العلاقات مع إثيوبيا طابع الود والصداقة.. فإنه قد ظل أيضًا يروج لمقولة أن ما يجري في شرق وجنوب السودان إنما هو شأن داخلي وليس من أثر لبصمات التدخل الأجنبي رغم أن الغزو من الشرق قد زحف من داخل أثيوبيا.. ورغم أن جهات أجنبية قد أعلنت أن جنودًا إثيوبيين يدعمون الغزو كما أن السلاح والعتاد في يد الغزاة يحمل البصمات الأمريكية والإسرائيلية ويتربع في موقع القيادة العسكرية جون قرنق الذي وصف أبناء الشمال السوداني بأنهم عرب مستعمرون آن أوان طردهم من الجنوب، وأعلن أنه لا يعرف حلاً لقضايا السودان إلا من خلال فصل جنوبه عن شماله... ورفض أي توجه عربي أو إسلامي. 

ونحسب أن المحامي فاروق أبو عيسى المتحدث الرسمي باسم المعارضة السودانية قد حسم الأمر وحدد التوجهات وأبان عن الوجه الحقيقي لما يحدث شرق وجنوب السودان تحت لافتة تحالف قوى المعارضة والذي بلغت فيه جون قرنق الدور البارز والمؤثر.

أعلن فاروق أبو عيسى عن البنود الرئيسية في الميثاق الذي اعتمدته المعارضة والتقت حوله والذي يحدد توجهاتها السياسية ويمثل الخطوط الأساسية والرئيسية في تعاملها مع الدول المحيطة بالسودان بعد وصولها إلى السلطة في الخرطوم، وذلك حين أكد على أن ميثاق المعارضة ينص على:

- الاعتراف بالدور الإيجابي الذي لعبته دول الجوار ولا سيما الإيقاد.

- السودان حلقة وصل بين جيرانه ومصب النيل وهو الأمر الذي يتطلب نظامًا دوليًا لتنظيم مياه النيل وكيفية استثمارها وتدفقها والتنسيق بين الدول المعنية في حوض النيل.

  • العمل المشترك لحماية الأمن القومي لكل الأطراف ورعاية التسامح الديني والتعاون مع كل الدول على أساس احترام حسن الجوار والسيادة.
  •  العمل على تحقيق التكامل الاقتصادي بين السودان وإريتريا وإثيوبيا وكينيا وأوغندا.
  • توحيد شبكات الكهرباء بين هذه الدول. 
  • تصدير البترول السوداني لصالح شعوب المنطقة. 
  • تحويل البحر الأحمر لبحيرة سلام والعمل مع الدول المطلة عليه لاستثمار ثرواته. 

أي أن الميثاق الذي أعلنه فاروق أبو عيسى فضح المعارضة وكشف القناع عن وجهها ووضع مصر أمام موقف لا بد فيه من المفاصلة بين ما فيه نفعها وصالح حاضرها ومستقبلها وما فيه الهلاك والفناء.. كما وضع العرب جميعًا أمام موقف أكثر من صعب كفيل بتبديد الغفلة وإثارة الانتباه واليقظة وتحريك العزم والهمة.. قبل أن يحيق الضياع بالسودان.

 فهل يستيقظ عرب العصر على أجراس الخطر يقرعها جون قرنق كما يقرعها ميثاق فاروق أبو عيسى قبل فوات الأوان؟

الرابط المختصر :