الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
تونس.. بين الديمقراطية والدكتاتورية
● مشروع قانون جديد يحظر قيام حزب سياسي على أساس الدين في تونس
● هل يفلت الحزب الشيوعي التونسي من محاظير القانون الجديد؟
سؤال تطرحه الجماهير في تونس كما يطرحه المراقبون السياسيون عن مستقبل السياسة التونسية وهامش الديمقراطية الذي ما زال يأخذ شكلًا صوريًّا؛ لأنه يحرم القطاعات الأكثر تأثيرًا في الحياة الإجتماعية من ممارسة حقها الديمقراطي.. لذا فقد يصف كثير من المراقبين أن السياسة الداخلية هي أقرب إلى التناول الديكتاتوري لأنها مصرة على حرمان السواد الأعظم من ممارسة الحياة السياسية بشكل قانوني.
وقد يجيب بعض القريبين من صانع هذه السياسة أن التعددية تأخذ في تونس شكلًا مرحليًّا. ولكن قرار مشروع القانون الأساسي الذي أصدرته الحكومة التونسية لتنظيم الحياة الحزبية في البلاد ترد على أولئك وتكشف أن السياسة القائمة مصرة على حرمان اتجاه عريض واسع في تونس من حقه السياسي.. هذا الاتجاه يتمثل بحركة الاتجاه الإسلامي، وبسائر الفئات الحزبية الوطنية المؤمنة بالله وبدينه. وهؤلاء جميعًا يشكلون السواد الأعظم من أهل تونس، الذين يتطلعون لممارسة حقوقهم السياسية بشكل قانوني.. ولكن كيف تجنح السياسة القائمة منحى ديكتاتوريًّا في التضييق على السواد الأعظم الذي لا يتهاون مع السلطة في مسائل الشريعة الإسلامية؟
لعل أقرب مثال یكشف لنا منحى السلطة هو مشروع القانون الأساسي لتنظيم الحياة الحزبية؛ فقد أصدرت الحكومة التونسية مشروع القانون الأساسي الجديد لتنظيم الحياة الحزبية في البلاد، وقد تم توزيع نسخ من هذا المشروع على الأحزاب السياسية وبعض الهيئات والشخصيات البارزة في البلاد لإبداء الرأي. وقد ذكرت مصادر مطلعة أن المشروع الجديد ينص في فصله الرابع على وجوب احترام مكاسب الشعب التونسي منذ الاستقلال وخاصة فيما يخص قانون الأحوال الشخصية كشرط أساسي للسماح لأي حزب جديد لممارسة الحياة الحزبية في تونس.
حظر الأحزاب الدينية
ويرى المراقبون من هذا الشرط الذي يفرض على أي حزب سياسي جديد احترام تجارب الدولة منذ استقلالها بمساوئها ومحاسنها وسيلة لإغلاق الباب أمام حركة الاتجاه الإسلامي وغيرها من الحركات التي تنطلق من أساس إسلامي حتى لا تتحول تلك الحركات إلى أحزاب سياسية. ومما يؤكد هذا القول ما ورد في الفصل الخامس من مشروع القانون الجديد حيث ينص المشروع بكل صراحة على أن الإسلام واللغة العربية وحرية ممارسة الشعائر الدينية تعتبر مكاسب قومية مشتركة بين جميع أفراد الشعب التونسي، ولا يمكن أن يكون أي من تلك الأمور أساسًا لحزب سياسي.
ولمزيد من الإيضاح ينص مشروع القانون على حظر أي حزب سياسي يستند إلى جنس أو جهة أو عرق أو مذهب يجعله مرتبطًا أو خاضعًا لأي طرف أجنبي. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه تردد أخيرًا في الأوساط التونسية أن السلطات التونسية تسعى للترخيص لحركة الاتجاه الإسلامي بتأسيس جمعية ثقافية -وليس حزبًا سياسيًّا- للتعبير عن وجهات نظر الحركة. وهذا الموقف الذي اتخذته السلطات التونسية تجاه حركة الاتجاه الإسلامي ما هو إلا خطوة أولى لمنع الحركة من إعلان نفسها كحزب سياسي معارض؛ لأن الحكومة التونسية وخاصة وزيرها الأول مزالي يدرك تمامًا ماذا يعني قيام حركة حزبية سياسية متمثلة في حركة الاتجاه الإسلامي التي تحظى بتأييد أغلبية الشعب التونسي. وهناك مؤشر آخر يدل على أن مشروع القانون الجديد لتنظيم الحياة الحزبية إنما نص في فصله الرابع على وجوب احترام مكاسب الدولة بما فيها قانون الأحوال الشخصية لقطع الطريق مرة أخرى أمام حركة الاتجاه الإسلامي.
الاتجاه الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية
إن السلطات التونسية تدرك بوضوح موقف حركة الاتجاه الإسلامي من قانون الأحوال الشخصية الذي يعتبره مشروع القانون الجديد مكسبًا من مكاسب الدولة؛ فالحكومة التونسية على علم بأن موقف الاتجاه الإسلامي هو رفض قانون الأحوال الشخصية لأنه يخالف نصوص القرآن والسنة؛ لأن هذا القانون يمنع تعدد الزوجات الذي سمح به الإسلام ونظمه، ويمنع وقوع الطلاق إلا أن يكون إعلانه أمام المحكمة المختصة وبشروط لا تمت للإسلام بصلة. وقد طلبت حركة الاتجاه الإسلامي عرض قانون الأحوال الشخصية على مجلس وطني متخصص لمراجعته وتطويره؛ حيث إن السلطة التنفيذية وحدها هي التي أصدرت هذا القانون منذ عام ١٩٥٦ في غياب السلطة التشريعية.
فالاتجاه الإسلامي يرفض هذا القانون انطلاقًا من وحي العقيدة الإسلامية، ومن المستحيل أن يتراجع عن ذلك الموقف مهما كان الثمن، والحكومة التونسية تعرف ذلك كل المعرفة، لذلك اشترطت في مشروع قانون تنظيم الأحزاب السياسية ضرورة احترام قانون الأحوال الشخصية لمنع حركة الاتجاه الإسلامي من الحصول على إذن رسمي للتحول إلى حزب سياسي.
الحزب الشيوعي ومشروع القانون الجديد
من الأحزاب السياسية المعلنة رسميًّا في تونس الحزب الشيوعي التونسي الذي يعتنق الأيديولوجية اللينينية- الماركسية، ويدين بالولاء للاتحاد السوفيتي.
وقد نص مشروع قانون تنظيم الأحزاب السياسية الجديد في فصله الثاني والعشرين على إعفاء الأحزاب القائمة حاليًا من طلب تراخيص جديدة، لكنها مطالبة بالخضوع لأحكام القانون الجديد، بما فيها ما نص عليه الفصل السادس من هذا القانون من حظر استناد أي حزب سياسي إلى جنس أو جهة أو عرق أو مذهب؛ مما يجعل ولاءه لطرف أجنبي.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن استمرار قيام الحزب الشيوعي التونسي في ظل هذا القانون الجديد؟ فهذا الحزب يستند إلى أساس أيديولوجي مذهبي غريب عن الشعب التونسي المسلم وعن مكاسبه الوطنية. كما أن هذا الحزب في تونس مرتبط كغيره من الأحزاب الشيوعية في العالم بالاتحاد السوفيتي الذي يحكمه الحزب الشيوعي. ولا شك أن استمرار وجود هذا الحزب في تونس يعطي مبررًا قويًّا لحركة الاتجاه الإسلامي للمطالبة بإعلان نفسها حزبًا سياسيًّا رغم كونها تقوم على أساس مذهبي معروف وهو الدين الإسلامي، دين الشعب التونسي المسلم، كما أنها لا تعطي ولاءها لأي جهة أجنبية؛ بل ولاؤها كله لله تعالى، ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير﴾ (الأنفال: 40).
أما ما ورد في مشروع القانون الجديد من أن الإسلام دين جميع الشعب التونسي ولا يجوز قيام حزب سياسي على أساس الإسلام، فلا ينتصب دليلًا لمنع قيام حزب ديني، فمعظم الشعوب الأوربية يدينون بالنصرانية وعلى الرغم من ذلك توجد أحزاب مسيحية رسمية في كثير من البلاد الأوربية.
هدف القانون الجديد
في ضوء ما ذكرنا آنفًا نجد أن الهدف من مشروع القانون الجديد لتنظيم الحياة الحزبية ما هو إلا لوضع عراقيل ومواقع أمام قيام حزب سياسي إسلامي قوي يمكنه تكوين معارضة بناءة قوية تستطيع أن تزعج الحكومة. ولا شك أن حركة الاتجاه الإسلامي هي المؤهلة بكل معنى الكلمة لتكوين مثل هذه المعارضة، لذا جاء مشروع القانون الجديد في شكل شروط تعجيزية لهذه الحركة وأمثالها لقطع الطريق أمامها، ولكي تخلو الساحة السياسية الحزبية أمام الحزب الحاكم بعد تطويع الحكومة لنقابة العمل التونسية التي كانت تشكل عقبة أمام رئيس الوزراء لتحقيق طموحاته السياسية.
وإذا كان الأمر كذلك.. فماذا تعني كلمة ديمقراطية وكلمة تعددية في السياسة التونسية القائمة، وهل يعتبر منع الاتجاه الإسلامي من ممارسة حقه الوطني في السياسة الداخلية «ديمقراطية»؟ وهل يعتبر الضرب على مطالب معظم أبناء شعب تونس الوطنيين ديمقراطية؟!