العنوان تونس عام 2015م: إرهاب وتوافق وانشقاق و"نوبل" للسلام
الكاتب عبدالباقي خليفة
تاريخ النشر الجمعة 01-يناير-2016
مشاهدات 66
نشر في العدد 2091
نشر في الصفحة 40
الجمعة 01-يناير-2016
الصراعات على الزعامة وعلى الأموال القادمة من الخارج أدت دوراً مؤثراً في تفكيك حزب نداء تونس
الحكمة وتغليب المصلحة العليا للوطن على بعض النزوات السياسية والمصالح المحلية والإقليمية أهم النجاحات التي حققتها تونس خلال العام 2015م
شهد العام اعتداءات متعددة ضد حقوق الإنسان ومنها جرائم تعذيب قام بها أمنيون ضد متهمين و30 حالة اعتداء بحق صحفيين
عشرات القتلى والجرحى جراء أعمال إرهابية استهدفت مواقع سياحية وأمنية
شهدت تونس في العام 2015م العديد من الأحداث التي تمثل علامة فارقة للسنة المنقضية، أبرزها نزول الإرهاب من الجبال إلى المدن، وتفكك حزب الرئيس الباجي قايد السبسي، وحصول الرباعي الراعي للحوار الذي أفضى لقيام حكومة التكنوقراط عام 2014م والتي أشرفت على الانتخابات البرلمانية والرئاسية نهاية ذات العام، وتمخضت عن واقع سياسي قابل هو الآخر للتشكل أو في طريقه لإعادة التشكل وفق المعطيات الجديدة الناجمة عن تبدل في ميزان القوى بعد انقسام حزب نداء تونس، علاوة على الأزمة الاقتصادية التي تراجع فيها الاقتصاد عما كان عليه الوضع إبان حكم الترويكة (2012/ 2013م).
في الحملة الانتخابية بادر بعض قيادات الأحزاب الأثرياء إلى وضع لوحات ضخمة تحمل شعارات تؤكد أن البطالة مؤقتة، وأن الأزمة الاقتصادية مؤقتة، وأن الإرهاب مؤقت؛ بمعنى أن كل ذلك سينتهي بمجرد مغادرة الترويكة للسلطة، واستلام حزبه للحكم، أو يكون العمود الفقري للسلطة، ولكن كل ذلك ورغم صعود حزب النداء للمرتبة الأولى، لم يتغير بل زاد صعوبة وزاد ضراوة وتعقيداً، فالبطالة وصلت إلى المليون، بعد أن كانت سبعمائة ألف، ونسبة النمو 0.5% بعد أن كانت 3.5%، والإرهاب نزل للمدن بعد أن كان في الجبال.
ووقعت بالعاصمة تونس في 18 مارس 2015م عملية إرهابية، كان متحف "باردو" المحاذي لمجلس نواب الشعب (البرلمان) مسرحاً لها، خلَّفت 22 قتيلاً، و45 جريحاً، وتم احتجاز نحو 200 سائح، وكانت تلك أولى ضربات الإرهاب في المدن.
في 26 يونيو، شهدت تونس عملية استهدفت فندقاً سياحياً بمدينة سوسة الساحلية، وقتل على إثره 28 شخصاً معظمهم بريطانيون، وجرح 36 آخرون.
وعلق الرئيس الباجي قايد السبسي على ذلك بمثل تونسي: "كان الضرب في الورق وأصبح في العتق"؛ بمعنى أن الضرب كان فيما يشبه الورق، أما وقد تمادى للأجانب فإنه أصبح من الورق إلى الجذوع، وقد أعقب ذلك عاصفة من الانتقادات، حيث شبه التونسيين بالورق والأجانب بالجذوع، ورأوا في ذلك استهانة بأرواح التونسيين، أو تفضيل الأجانب عليهم، ومما قاله السبسي في نفس المناسبة ولاقى عاصفة من الانتقادات أيضاً قوله: ضربة أخرى وتنهار الدولة.
وقد كان للضربتين العديد من التداعيات على السياحة، وعلى مناخ الاستثمار، إذ يعمل في قطاع السياحة أكثر من 400 ألف شخص بشكل مباشر، ومثلهم تقريباً بشكل غير مباشر، وتمثل السياحة 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وتدر ما بين 18 و20% من مداخيل تونس السنوية من العملات الأجنبية.
في 30 أكتوبر 2015م، كانت العملية التي استهدفت حافلة للأمن الرئاسي، وهم قوات النخبة في تونس، وأسفرت عن مقتل 12 عنصراً منهم، وخيم بعدها جو من الريبة والتشكيك في كثير من المسلَّمات، زادها رهقاً ما عاشه ويعيشه حزب نداء تونس من تفكك وتشققات.
أزمة "نداء تونس"
مثلت الصراعات على الزعامة وعلى الأموال القادمة من الخارج، التي أدت دوراً في تأليب شق على آخر، وفق بعض الروايات، أو بتأثير منه، ومن ثم الانقسام وتهديد الحزب بالتلاشي، أحد أهم أحداث عام 2015م.
وبدأت أزمة نداء تونس بتصريحات لأحد قياداته، وهو وزير الخارجية الطيب البكوش، يؤكد فيها عدم رضا أطراف داخل الحزب بنصيبه في الحكم، وإشراك حزب حركة النهضة في السلطة، وبشكل أوضح هو موقف دولة الإمارات التي لها تأثير مالي على نداء تونس، والآن يستأثر الطرف المنشق بذلك، وفق بعض الندائيين الذين تحدثوا لـ "المجتمع".
ومن المرجح، وفق محللين ومتابعين للساحة التونسية، أن ينقسم حزب النداء إلى 4 أحزاب، حيث يتوقع أن يكوِّن لزهر العكرمي، وهو حالياً ضمن شق الأمين العام الأسبق لحزب النداء محسن مرزوق، حزباً آخر، كما يتوقع أن يشكِّل رجل الأعمال فوزي اللومي حزباً آخر، وهو حالياً ضمن شق نائب رئيس الحزب حافظ قايد السبسي.
وبعد انقسام حزب نداء تونس (86 نائباً)، وإعلان 22 نائباً بالبرلمان استقالاتهم (احتمال تراجع البعض)؛ تصبح حركة النهضة هي الحزب الأول في البلاد بـ69 نائباً.
جائزة "نوبل" للسلام
واحدة من أهم الأحداث في تونس عام 2015م حصول الرباعي الراعي للحوار في تونس على جائزة "نوبل" للسلام، وهي أربع منظمات؛ الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين، ورغم أهمية الجائزة والحدث فإن هناك العديد من القراءات التي تبدو موضوعية، فالرباعي وإن ساهم بتدخله في التوصل إلى اتفاقات بتشكيل حكومة تكنوقراط أشرفت بعد عام من تشكلها على انتخابات برلمانية ورئاسية، إلا أنها مع أطراف أخرى ساهمت في خلق أجواء لم تؤثر على طريقة إخراج الدستور فحسب، بل فيما تعيشه البلاد حالياً على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأدت الضغوط التي مارستها مع أطراف خارجية في صناعة الواقع المعاش بنجاحاته وإخفاقاته.
إذا كان هناك من نجاحات في عام 2015م فهي الحكمة التي اتسم بها كل من زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، ورئيس حزب نداء تونس، الشرفي (بحكم وجوده على رأس الدولة؛ حيث لا يحق له الجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة الحزب)، وتغليب المصلحة العليا للوطن على بعض النزوات السياسية الذاتية، أو الوساوس والدسائس المحلية والإقليمية التي حاولت دفع الباجي قايد السبسي إلى عزل النهضة، وعدم إشراكها في الحكم.
وكان لصبر حركة النهضة على الاستفزازات التي مارسها البعض من داخل الحكم وخارجه، أحد المعالم البارزة للنجاحات، فإغلاق الكتاتيب، وإعفاء الأئمة، واستدعاء خصوم أيديولوجيين من الخارج في معرض الكتاب، واستمرار التجاوزات بحق الدين والمتدينين، كان من أهدافه أيضاً دفع النهضة للخروج من الحكم احتجاجاً على ذلك، أو التصرف بعيداً عن الصبر والعقلانية، وتفويت الفرص على المتربصين.. بل كانت هناك سيناريوهات لإدخال البلاد في حرب أهلية من خلال رغبة البعض في إعادة عجلة التاريخ إلى المربع المظلم؛ مربع الاستبداد والدكتاتورية، وطرح أسئلة لا يزال بعضها يتردد في بعض وسائل الإعلام المشبوهة، من بينها التضحية بالحرية من أجل الأمن، ولم يعلم هؤلاء أن لا أمن بدون حرية، والعكس صحيح، بل هناك من استخف بعد نجاح الثورة بدماء التونسيين وقالوا: ماذا لو قُتل 20 ألفاً وتحقق ما نريد؛ ولذلك رغب كثيرون في أن تكون جائزة "نوبل" للغنوشي والسبسي، أو إشراكهما فيها.
هذا التوافق لا يقف عند تشكيل حكومة لم تمثل فيها النهضة تمثيلاً يوازي حجمها البرلماني، بل في استمرار هذا التوافق على مدى عام كامل، ووجود مؤشرات على استمراره، وهو ما جعل الحكومة التي يقودها حبيب الصيد تصمد أمام الأزمات بما فيها الأعمال الإرهابية، والاضطرابات الاجتماعية.
احتجاجات واضطرابات
في قطاع التعليم، حيث شهد عام 2015م إضرابات 95 ألف أستاذ بنسبة 100%، وفق فخري السميطي، كاتب عام مساعد نقابة التعليم الثانوي؛ احتجاجاً على عدم تفعيل الاتفاقات المبرمة مع وزارتي التعليم والشباب والرياضة بخصوص الزيادة في الأجور، وهي اتفاقات تم التوصل إليها أثناء حكم الترويكة.
كما شهدت العديد من المناطق اضطرابات متعددة وفي أزمنة وأمكنة مختلفة، منها إغلاق معبر رأس جدير على الحدود التونسية الليبية من قبل الجانب الليبي، وشهدت المنطقة مواجهات بين أهالي بنغردان والأمن واقتحام مقرات أمنية، كما شهد العام اعتداءات متعددة ضد حقوق الإنسان، ومنها جرائم تعذيب قام بها أمنيون ضد متهمين؛ وهو ما يشكِّل خرقاً للقانون الذي يجرم التعذيب.
وطالت الاعتداءات الصحفيين بما يقارب 30 اعتداء، واعتبرت نقابة الصحفيين التونسيين بعض المحاكمات تمثل تهديداً جدياً لحرية التعبير؛ حيث حوكم مدوِّنون ومتهمون بالإرهاب، وتم اعتقالهم بعد إطلاق سراحهم من قبل المحاكم؛ وهو ما مثَّل صدمة للمدافعين عن حقوق الإنسان والرأي العام، لا سيما وأن عمليات الاعتقال رافقتها جرائم تعذيب، كما سلف، وهو ما صبغ عام 2015م بكابوس ما قبل الثورة من هذه الناحية، ويشبه الوضع الأمني وضع الحريات في العام المنقضي بوضع الاقتصاد الذي وصفته رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة بالكارثي، حيث لم تتعدَّ نسبة النمو الـ0.5%.