العنوان تونس.. في الذكرى الـ ٢٧ لتأسيسها:
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1808
نشر في الصفحة 26
السبت 28-يونيو-2008
حركة «النهضة التونسية» تطالب بإصلاحات حتمية وتصر على مواصلة الطريق
- الغنوشي: التأخر في إطلاق إصلاحات ديمقراطية حقيقية سيعمق أزمة البلاد ومشكلاتها ويقضي على آمال التونسيين في تغيير مدني حقيقي
أحيت «حركة النهضة» الإسلامية التونسية الذكرى الـ «27» لتأسيسها في ٦ يونيو ۱۹۸۱م وسط ظروف محلية وإقليمية ودولية غاية في التعقيد، حيث لا تزال السلطات مصرة على اجتثاث الحجاب الإسلامي من الجامعات والمعاهد والمؤسسات الرسمية والخاصة، بل من الشارع العام، وحتى داخل المنازل.
كما لا تزال «السلطة» تتعامل مع المطالب الشعبية في حق العمل والسفر والتنظيم بكل أدوات القمع والتنكيل، ولا سيما في منطقة الجنوب الغنية بمناجم الفوسفات والمحرومة من عائداته، حيث قتل منذ ذكرى التأسيس 5 شبان برصاص الجيش وجرح العشرات، في وقت لا يزال فيه البعض من قادة الحركة في الزنازين منذ ما يزيد على ١٨ سنة، وفي مقدمتهم رئيس الحركة الأسبق الدكتور «الصادق شورو».
ظروف مأساوية: وتأتي الذكرى الـ«27» لتأسيس حركة النهضة، في وقت تجد فيه السلطات التونسية نفسها وجهًا لوجه مع نحو «26%» من نسبة البطالة التي تضرب البلاد، وفق بعض التقديرات والتي قدرها البعض الآخر بـ«40%»، في حين لا تعترف السلطة سوى بـ«11%».
وفي الذكرى الـ«27» لتأسيس حركة النهضة أصدر الشيخ راشد الغنوشي بيانًا ذكر فيه أن الإعلان عن الحركة شكل تتويجًا لمسار نضالي منذ سني، وظل هذا المشروع الإسلامي الذي حملته حركة النهضة يتشكل في صيغ تدريجية بتفاعل بناء مع مكونات واقعنا مستجيبًا لمستلزمات أصالة الروح وحداثة الفكر وفعالية الوسائل وبناء على القناعة المبدئية بقداسة قيمة الحرية في ذاتها، فضلاً عن كون مناخ الحريات العامة والتعددية السياسية هو أفضل إطار لحل مشكلاتنا الاجتماعية والتصدي لكل التحديات التي تواجهنا، ولهذا التفت حولها قطاعات عريضة من المحرومين والشباب والمثقفين والعمال لما حملته من أمل جديد في اتجاه تأصيل الهوية الإسلامية لهذا الشعب، والوعي بالمصلحة العليا للبلاد.
وتابع: تبنت حركة النهضة منذ انطلاقها تصورًا للإسلام يكون من الشمول بحيث يشكل الأرضية العقدية التي تنبثق منها مختلف الرؤى الفكرية والاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحدد هوية هذه الحركة، وتضبط توجهاتها الاستراتيجية ومواقفها الظرفية.
وتطرق بيان الغنوشي إلى رد فعل السلطة على الإعلان عن الحركة في ٦ يونيو ۱۹۸۱م قائلاً: إنه منذ تلك السنة إلى اليوم، والحركة لا تخرج من محنة إلا لتسلط عليها أخرى وكل هذه المحن تدور حول ذات القضية، وهي قضية الحريات والحق في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي، وكان مدار كل المواجهات والمحاكمات والصراعات هو النضال من أجل حق المشاركة للحركة وللشعب، ولكل الأطراف وتوسيع مجال الحريات الأساسية وكان رد النظام في كل المراحل هو السجن والتشريد وكل ألوان العذابات وضرب بقية الأطراف الجادة ومحاصرة من يبقى طليقًا من الأطراف أو الشخصيات حتى يلازم الصمت إزاء كل هذه المظالم أو تلفق له قضية.
قادة الحركة في الداخل
من جهتهم أعرب بعض قادة الحركة الموجودون في تونس عن اعتقادهم بأن الساحة المحلية والإقليمية والدولية في حاجة للحركة الإسلامية لإحداث التوازن المطلوب على الأصعدة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقال الإعلامي والقيادي عبد الله الزواري الذي نفته السلطات التونسية إلى الجنوب: يمكن لي أن أقول: إن نشوء هذه الحركة هو ضرورة حضارية وإنسانية، وليس فقط ضرورة مجتمعية أو سياسية.. كما أنها ضرورة عالمية وليست ضرورة تونسية أو عربية أو إسلامية فحسب..
وتابع: إن الحركة ضرورة حضارية في عصر طغت فيه رؤية أحادية رؤية تمجد الحضارة المادية الغربية بالأساس رؤية ألغت حضارات عديدة أخرى بالقهر والإرهاب والعنف وشوهت أخرى اعتمادًا على دعايتها وإعلامها، وما زالت تسعى جاهدة إلى نفي الآخر، وإلغائه تحت لافتة سميت بهتانًا وخداعًا بالعولمة، وهو ما دفع بعض الأحرار من أبناء تلك الحضارة إلى تسمية المسميات بأسمائها الحقيقية فأطلقوا عليها الأمركة وهي كذلك ضرورة إنسانية، لتعيد للإنسان كرامته التي أهدرت في خضم التنافس المحموم على جمع الثروة.
أما القيادي الشيخ عبد الوهاب الكافي أستاذ العلوم الطبيعية فقال: إني أعتقد أن هذه المحنة التي مرت بها الحركة المباركة وما زالت- هي ابتلاء من الله تعالى وتمحيص لأولي العزم منهم.. أليست تصريحات رجالاتها الأبطال الذين أفرج عنهم- بعد أن أمضوا زهرة شبابهم في غياهب سجون الظلم والتعذيب والقهر وصمودهم وثباتهم على العهد- لهي- بفضل الله- ثمرة طيبة لشجرة مباركة إذ لم يفت في عزيمتهم ما يقوم به النظام إلى اليوم من جور صارخ.
وقال القيادي والمهندس عبد الحميد الجلاصي في كل الحالات فقد ترسخ واستقر بحمد الله طيلة هذه المسيرة منهج مميز للحركة:
- في التعامل مع المجتمع بمقتضى الرفق والتدرج، ويؤكد على التميز قدر تأكيده على التفاعل والمخالطة. ويؤكد على التيسير قدر تأكيده على عدم التساهل في الثوابت والكليات والأصول.
- وفي التعامل مع المخالفين بمقتضى التفهم، والبحث عن الحوار والقواسم المشتركة دون إغفال أو قفز على محاور الخلاف التي قد تكون جوهرية أحيانًا.
- وفي التعامل مع السلطة وفق منهج رشيد ينفر من التنطع نفوره من موقع شاهد الزور، ويغلب الوفاق والحوار دون السقوط في منطق الاستجداء والتذلل.
ويقول: هذه الحركة كان لا بد لها أن تنشأ، إذا كانت تعبيرًا مخصوصًا في بيئة معينة وفي زمن محدد على حيوية ديننا القويم وعلى تواصل قافلة الإحياء لقيمه، والتجديد لمعانيه حتى يكون باستمرار دينًا قيمًا، كما كانت تعبيرًا عن حقيقة بلادنا، باعتبارها جزءًا من هذه الأمة التي تعمها صحوة إسلامية عظيمة من مشارقها إلى مغاربها، وما كان لبلادنا أن تكون بمنأى عن هذا الخير العميم.
إصرار على مواصلة الطريق
وقال القيادي المهندس حمادي الجبالي الرئيس الأسبق للحركة: هذه الذكرى التي تعود بعد سبع وعشرين سنة على تأسيس حركة النهضة تأتي مثقلة بحمل سنين طويلة تقارب السبع والعشرين سنة من السجون والمنافي والتشريد والتجويع والقمع الذي طال أبناء الحركة، ومس أكثر من ثلاثة أجيال، فمنذ سبع وعشرين سنة مر عشرات الآلاف من أبناء حركة النهضة إلى السجون إبان محاكمات ۱۹۸۱م ومحاكمات ١٩٨٦م ومحاكمات التسعينيات ولا يزال من قياداتها وأبنائها من يقبع الآن بالسجن لما يزيد علي ثمانية عشر عامًا، كما مر الآلاف إلى المنافي منهم من لا يقدر على العودة لبلده إلى الآن منذ سنة ۱۹۸۱م، ومر الكثير إلى ربهم شهداء بالإعدامات والاغتيالات والتعذيب، وعاش مئات الآلاف من أبنائنا وعائلاتنا محرومين من أبسط حقوق المواطنة كالعمل والعلاج والأمن والسفر.. ولا يزالون.
وأضاف الجبالي: إن السلطة اليوم تواصل الإصرار على سياسة الهروب إلى الأمام وتعيد إنتاج نفس تجربة الخطأ في تعاملها مع الشباب المتدين بالبلاد بقانون مكافحة الإرهاب غير الدستوري، مؤكدًا أن هذه السياسة لن تجدي نفعًا سوى أنها تراكم مزيدًا من المظالم على أبناء الشعب وعائلاتهم وتزيد الاحتقان بالبلاد...
وشدد على أن العالم كله يتجه طوعًا وكرهًا نحو التغيير بمزيد من الحريات للشعوب وبزوال الديكتاتوريات وأنظمة الاستبداد، ولا مفر لبلادنا من التغيير لكننا نأمل أن يكون بأقل تكلفة على شعبنا، والسباحة عكس التيار مخاطرة وإهدار للوقت والجهد فهل آن للسلطة أن تفهم وتعتبر؟!