العنوان تونس: نهاية الحقوقي وبداية السياسي؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
مشاهدات 53
نشر في العدد 1423
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
استئصال «الأصولي» في تونس لم يكن سوى المقدمة لمطاردة السياسي وضربه وتجميد الحراك الاجتماعي إلى نقطة الصِفر أو ما دونه.
أصبح «المخبر» أداة التواصل الوحيدة في التعامل مع المجتمع المدني والسياسي!
بعد أكثر من اثنتي عشرة سنة على الانقلاب الذي أطاح بالرئيس السابق الحبيب بورقيبة، ووضع الجنرال بن علي على رأس الدولة التونسية، وما صاحب ذلك في إبانه من فرحة بالإنقاذ واستبشار بمستقبل المسيرة الديمقراطية للبلاد، وبعد انقشاع الغيوم، وزوال الأوهام، وظهور النظام الجديد على صورته الحقيقية في أول مواعدة الانتخابية في شهر أبريل ۱۹۸۹م، منذ ذلك الحين، وتونس تعيش انسدادًا سياسيًا خانقًا، يزيد عمقًاوخطورة في كل موعد انتخابي ولم يقر بهذا الوضع الملاحظون والمتابعون للشأن التونسي وقوى المعارضة الوطنية فقط، بل أعترف به حتى الرئيس التونسي نفسه في خطابه التقليدي للسابع من نوفمبر ۱۹۹۹م، أي بعد أقل من شهر من الانتخابات التي عمّدته لولاية ثالثة، حيث وصف الوضع السياسي بالبلاد بأنه في حالة «ركود وجمود».
وإذا كانت أزمة الحياة السياسية بتونس حقيقة شبه مجمع عليها، فإن قراءتها وتحديد عناصرها ومستوى مسؤولية كل طرف من أطراف الصراع السياسي والاجتماعي في استمرارها وتعميقها أمر خلافي. بيد أنه لا يختلف اثنان على أن السُلطة تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن مآلات الوضع باعتبارها احتكرت كامل المجال العمومي والسياسي، وقمعت بعنف وضربت بقسوة كل من حاول منافستها، أو حتى مشاركتها في إدارة الشأن العام من الأطراف التي دخلت معها في الميثاق الوطني في بداية سنة ١٩٨٨م.
ويرجع تاريخ بداية الأزمة إلى تراجع الإدارة عن مشروع التغيير الذي بشّرت به «نخبة 7/11» المنقلبة على الرئيس السابق بدعوى إنقاذ البلاد وفتح المجال للإرادة الشعبية لتعبر عن نفسها وتشارك في إدارة شؤون البلاد، وهو ما حقق حول خطابها إجماعًا وطنيًا توّجه توقيع وثيقة الميثاق الوطني، ثم أغتاله الانقلاب على نتائج انتخابات أبريل ۱۹۸۰م. وهكذا رجعت الدولة إلى نواتها الأولى البوليسية الصلبة وفتحت المجال للمخبر كأداة تواصل وحيدة في التعامل مع المجتمع المدني والسياسي واستدرجت الإسلاميين إلى ساحة المواجهة الأمنية بصمت وتواطؤ من جزء كبير من المجتمع السياسي والمدني تحت خلفية بناء الديمقراطية بدون «الأصولية».
إلا أن تطورات الأحداث أثبتت خطأ المراهنة على أجهزة الدولة في صنع التحول الديمقراطي واستعمال أجهزتها لحسم الصراعات الاجتماعية والسياسية، فاستئصال «الأصولي»، لم يكن سوى المقدمة لمطاردة و«ضرب السياسي»، وتجميد الحراك الاجتماعي إلى نقطة الصفر أو ما دونه، من خلال إستراتيجية مراقبة وضبط حادة وعنيفة ليس لها من مبرر موضوعي سوى المحافظة على النظام القائم، وقد انتهت تلك الاستراتيجية إلى تكفين السياسة بلحاف التقرير الأمني.
وهكذا توسعت دائرة العنف الرسمي لتشمل يمين ويسار ووسط الخريطة السياسية بالبلاد، بل لحقت حتى الأطراف التي شكلت النصاب التعددي الرسمي والذي تأسست مشروعيته على قاعدة إقصاء الإسلاميين وبناء مجتمع مدني بدون «اللوثة الأصولية»، فكان ضرب حركة الديمقراطيين الاشتراكيين -أولًا بأيدي قلة من قيادييها، وثانيًا بعصا الدولة- إعلانًا عن سقوط العمران السياسي الذي أقامته السُلطة بعد إخراج الإسلاميين من ساحة الصراع السياسي.
وأدرك الجميع يومها أن رحى القمع التي طحنت الإسلامي «المتطرف» قد استكملت دورتها بطحن السياسي المعارض بالعنف والحدة والقسوة نفسها.
أمام هذا القمع، ومع منتصف التسعينيات تراوحت مواقف ومواقع المعارضة التونسية بين حدين، أولهما تنازل عن تاريخه وهويته وقايض وجوده بصمته وقبل الاستمرار في القيام بدوره الديكوري المضحك حد الألم، والثاني قبل أن يدفع ضريبة صموده فتوزع بين الداخل والخارج مثخنًا بجراح التجربة المُرة بعد أن أقتنع أن ديناميكية التغيير لا يمكن أن تُصنع إلا من خارج النسق السياسي القائم وفي مقابل تشكله البوليسي المتوحش.
فالمتأمل في خطاب وممارسة القوى التي وقفت أمام الاستبداد ورفضته وفضحته وسعت إلى مقاومته عبر الصمود على الموقف والعمل الميداني، يلاحظ أن تلك القوى بالداخل والخارج قد توافقت موضوعيًا على الحركة من خلالالمسألة الحقوقية.
وبالرغم من القيمة التاريخية والأخلاقية والرمزية لمواقفها التي كللت جباه أصحابها بتاج الشجاعة الفكرية والسياسية المطلوبة في هذه المرحلة من تاريخ نضالنا الوطني، فإن تلك الفاعليات والقوى والأطراف عجزت إلى اليوم عن تحويل الحراك على الملف الحقوقي إلى إستراتيجية متكاملة للمقاومة تتجه نحو تعديل ميزان القوى لصالح المجتمع وقواه الحية فبقي نضالها في حواصله العامة، مشتتًا في مدار لحظات نضالية هاربة تمنعت إلى حد اليوم على الانصهار في برنامج عملي يستجيب لمتطلبات المرحلة واستحقاقها، ولعل ذلك ما يفسر ضعف تفاعل أغلب الجهات السياسية الأجنبية مع المعارضة التونسية بالرغم من صفاقة الوجه الاستبدادي للسلطة القائمة واهتراء شرعيتها في الداخل وتدني مصداقيتها في العالم.
ليست سياسة
فالمسألة الحقوقية ليست سياسة ويبقي جوهرها قيميًا لا إجرائيًا، ولعل ما حدث أخيرًا مع قضية الجنرال الشيلي «بيونيشيه»، ما يؤكد هذه الحقيقة. فقضيته وإن تقاطعت مع السياسة فإنها عمليًا بقيت في حدود القضائي والحقوقي، بل والمفارقة فقد لاقت عملية إيقافه اعتراضات سياسية جدية تتصل بمشروعية الإجراء القضائي في حقه وعلاقاته بمفاهيم ومبادئ تأسيسية للقانون الدولي.
لا نريد من خلال الملاحظات السابقة، أن نقلل من قيمة وأهمية الجهود المبذولة لفضح وتعرية آلة العنف الرسمي بقدر ما نريد التأكيد على أن الطابع الحقوقي للنضال الوطني طيلة السنوات العشر الأخيرة قد حقق مطلوبه الأخلاقي في التعبير عن مأساة المتضررين من سياسة القمع وفضح القائمين عليه، ولكنه مازال بعيدًا عن ملامسة «مطلوبه السياسي»، في تحويل الديمقراطية من شعار عام إلى إستراتيجية متكاملة للعمل والمقاومة وفي الانتقال من المعارضة الاحتجاجية إلى معارضة بناءة تقر الواقع وتستشرف البدائل الممكنة لتحريكه في اتجاه الاستجابة للمطالب المشروعة لأبناء شعبنا في بناء نظام سياسي مفتوح على التداول والمشاركة.
ولعل أبرز علامة تراكمية في مسيرة النضال الحقوقي لقوى المعارضة التونسية قد جسّدها ميلاد «المجلس الوطني للحريات» في نهاية سنة 1998م، ذلك الكيان الذي بقدر ما عبّر ميلاده عن نفحة أمل في يقظة النخبة بالداخل وتنظمها -بعد غياب طويل- للقيام بواجبها الوطني في تحريك ديناميكية التغيير المعطلة، فإنه يعبر من ناحية أخرى عن بؤس السياسة وتردد القوى الديمقراطية في إعادة الحياة إليها.
فمن حيث هوية هذا الكيان، يبدو الارتباك واضحًا في تحديدها بين السياسي والحقوقي، فالمجلس يحوي في داخله ما يشبه تحالفًا جبهويًا بين أغلب وليس أهم روافد الخريطة الأيديولوجية والسياسية في تونس، حيث أنتظم في إطاره ديمقراطيون حقيقيون واستئصاليون، يبدو أنهم لم يتجاوزوا أنفسهم ولم يستفيدوا من دروس الماضي القريب ولعل ذلك ما يفسر تلكؤ المجلس في منطوقه السياسي وتهرب رموزه من سؤال السياسة الذي قد يعصف بتوازناته الداخلية.
العنف الرسمي
وإذا كان الأمر مفهومًا بحكم ضعف تقاليد العمل الجبهوي ببلادنا وقسوة العنف الرسمي في مواجهة «السياسي» فإن ذلك لا يضعف حجة من يقول إن الصيغة الحالية للمجلس مازالت بعيدة عن الاستجابة لمستحقات المرحلة ومطالبها، بل قد يقلل من حجم التفاؤل في أن تكون حلقة الصمود بالداخل التي انصهرت تحت معطف المجلس، يمكن أن تشكل النواة الصلبة لميلادالمشروع الوطني الديمقراطي البديل.
إن حجم المأساة التونسية لا ينعكس على سطح الاستبداد الذي تمارسه السُلطة بقدر ما ينعكس أيضًا على سطح العجز والارتباك الذي تعانيه قوى المعارضة الوطنية بمختلف مواقعها، وهو ما يستدعي ورشات حوار مستمرة حول مفردات هذه الأزمة وتداعياتها، فالتحول الديمقراطي المنشود لن يتحقق بدون وجود قوة سياسية واجتماعية ثانية تقدر على تعديل موازين القوى القائمة وتفرض على السُلطة تقديم التنازلات المطلوبة لإحداث تحول في بنية النظام السياسي الأحادي، وبدون ولادة هذا الطرف ستبقى المبادرة بيد السُلطة حتى ولو تحرك الشارع كما بدأ يحدث الآن.
أما من يراهن على الجماهير، فإن تجربة الاجتماع السياسي الوطني بعد الاستقلال تثبت أن الشارع التونسي لا يمثل حلقة أساسية في قلب موازين القوى وأنه في المرات القليلة التي نزلت فيها الحشود الشعبية محتجة إلى الشوارع، سرعان ما رجعت إلى بيوتها بأقل المكاسب وأكبر الأضرار، فالشارع ببلادنا لا يملك من تقاليد الاحتجاج المدني والسياسي -وهو حال الشارع العربي عمومًا- ما يمكنه من أن يذهب نحو الأقصى في فرض مطالبه، لضعف الوعي أو لغياب التأطير أو المنزع إصلاحي عميق مترسب في الثقافة السياسيةببلادنا، وهو ما يطرح على النخبة الوطنية والقوى الحية مراجعة حقيقية وعميقة لمنطلقات رؤيتها السياسية وبرامج عملها الميدانية.
إن السنوات العشر الماضية من مقاومة استبداد الدولة لم تكن حواصلها في مستوى التضحيات التي قدمتها القوى الوطنية بمختلف مواقعها، ولا يعود سبب ذلك إلى قوة السُلطة و«ذكائها»، بقدر ما يعود إلى ضعف في الجسم الوطني المعارض؛ حيث لا يمثل غياب السياسة في ملفوظ المعارضة التونسية العامل الوحيد في ضعفها، بل العامل الأكثر تعبيرًا عن حيرتها وارتباكها أمام قوة العنف الرسمي من جهة وحجم التحولات والمستجدات التاريخية من حولها وهي التي تسارعت وتيرتها في العشرية الأخيرة، عاصفة بأكبر الثوابت رسوخًا والمنطلقات صلابة.
ولا شكَّ أن كل ذلك يجعل من عملية المراجعة والنقد الذاتي مقدمة طبيعية وموضوعية لتجاوز الأعطاب وفتح أفاق جديدة للعمل الوطني، ويخطئ من يتصور أن حركة الاحتجاج المتنامية للمنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية، والتشهير الإعلامي الواسع والانتقادات الباهتة للحكومات الأوروبية أو الإتحاد الأوروبي ستكفي وحدها لإرغام النظام التونسي على التراجع عن سياسته المدمرة، ولإعفاء التونسيين من القيام بمهامهم، ونعتقد أن أولى وأوكد المهمات الملقاة على عاتق التونسيين، تتمثل في إدارة حوار شامل بين مختلف القوى الديمقراطية، دون شروط مسبقة أو أحكام إقصائية وعلى أساس البحث عن حقل المشترك لبلورة برنامج سياسي واضح ومتكامل الأبعاد، وتأجيل هذه المهمة بأي مبرر لن يكون إلا على حساب وطموحات أبناء شعبنا وقواه الحية والحساب نظام استبدادي فقد مشروعيته في الداخل وكثيرًا من مصداقيته في العالم.