; محاكمة الإسلاميين في الجزائر وتونس.. خضوع الأحكام لميزان القوى والمناخ السياسي | مجلة المجتمع

العنوان محاكمة الإسلاميين في الجزائر وتونس.. خضوع الأحكام لميزان القوى والمناخ السياسي

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1992

مشاهدات 70

نشر في العدد 1009

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 28-يوليو-1992

* هناك أطراف يهمها استمرار توتر الأوضاع في كل من تونس والجزائر

محاكمات الإسلاميين في الجزائر وتونس ذات طابع سياسي بالأساس رغم إنكار السلطات الرسمية في كل من البلدين ومحاولة حشرها في خانة القضايا العامة المتعلقة بإخلال الأمن.

وانطلاقا من هذا المعطى الرئيس فإن سير المحاكمات والأحكام الصادرة وآثارها الحالية وأبعادها المستقبلية تخضع لميزان القوى السياسي وتتكيف بالمناخ السياسي للبلاد.

أحكام متسامحة

فبالنسبة للجزائر جاءت الأحكام الصادرة في حق قياديي الجبهة الإسلامية للإنقاذ السبعة- ما بين أربع سنوات واثنتي عشرة سنة- أخف مما توقعه العديد من الملاحظين في الداخل والخارج. وفسر المراقبون هذا الحكم على أنه اتجاه نحو المصالحة، ووصفته صحيفة «لوموند» الفرنسية بأنه «متسامح نسبيًا وتوفيقي وتهدف السلطة من ورائه إلى التصالح مع الإسلاميين المعتدلين» واستنتجت من خلال ذلك أنه بالرغم من المسار المتردد فإن السلطة تبدو أنها بدأت تعي تدريجيًا بأن الأزمة تستحق علاجًا لا يقتصر فحسب على القمع، حتى يكون الحل مستديمًا.

ومهما كانت الأعذار والمبررات الرسمية للتخفيف-مثل المساهمة في امتصاص الأزمة- فإن الأرجح- بمنطق الواقع السياسي- أن النظام تراجع عن العقوبات القصوى خوفًا من الانعكاسات السلبية والخطيرة ليست على البلاد فحسب وإنما أيضًا على استقراره.. فجاءت الأحكام بالتالي ترجمة لميزان القوى السياسي القائم اليوم في الجزائر.

فمن جهة، هناك سلطة غير شرعية ولا شعبية ومدعومة من الجيش -القوة الخفية- التي تسيطر على مقاليد الحكم، ومتحالفة مع فئة من الانتهازيين الذين ترتبط بمصالح النظام، إذ من المعروف أن القيادة الجزائرية تعاني من أزمة شرعية خاصة منذ الانقلاب على المسار الديمقراطي بعد الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991.

ولم يحل المشكل باستقدام وجوه ورموز تاريخية وتعيينها على سدة الحكم مثل بوضياف وكافي، بسبب وجود مراكز ضغط من صالحها استمرار الوضع المتوتر لفرض تنازلات على السلطة لفائدتها.

ومن بين هذه القوى الضاغطة «المافيا» التي تفشت في ظل العقلية الحزبية الفردية والتيار الفرانكفوني في الجيش بزعامة خالد نزار، وبعض التيارات اليسارية والبربرية.

تورط النظام

في المقابل تقف النسبة الكبيرة من الشعب وراء التيار الإسلامي عمومًا والجبهة الإسلامية للإنقاذ خصوصًا لاعتبارات عديدة أهمها وضع الآمال في هذا التيار الذي يمثل البديل الوحيد القادر على تخليص البلاد من التبعية وإخراجها من المأزق السياسي والاقتصادي الذي تردت فيه، فلا غرابة إذن أن تتحول محاكمة الإسلاميين إلى محاكمة للنظام نفسه.

فقد تجلى خلال هذه المحاكمة ضعف الاتهامات المنسوبة إلى قيادي الجبهة، وتغيب هؤلاء عن الحضور مثل لسان الدفاع احتجاجًا على غياب الصحفيين الأجانب واضطر رئيس المحكمة إلى طي القضية بسرعة في ظرف ثلاثة أيام بعد أن تبين من خلال استنطاق شخصيات سياسية معروفة الوزير الأول السابق أحمد غزالي ورئيس الحكومة الذي سبقه مولود حمروش ووزير داخليته محمدي، تبين الورطة السياسية للحكم في آخر عهد حكومة حمروش التي اتفقت مع قيادة الجبهة الإسلامية على أن يحتل أنصارها أربع ساحات عمومية في إطار الإضراب السياسي للاحتجاج على القانون الانتخابي وتقسيم الدوائر الانتخابية والمطالبة باستقالة الحكومة، لكن رغم وجود هذا الاتفاق جاء أمر مجهول المصدر بإجلاء المتظاهرين من هذه الساحات بالقوة ليلة ٤ يونيه (جوان) 1991 مما نتج عنه سقوط ضحايا وإعلان حالة الطوارئ.

وعبرت تصريحات هيئة المحكمة العسكرية ببليدة عن الحرج الذي وجدت نفسها فيه، فقد صرح رئيس المحكمة بأنه لا يمكن الربط المباشر بين المسؤولية المعنوية والسياسية للمتهمين، وعقب انتهاء الجلسة الأخيرة أقر وكيل الجمهورية العسكري الرائد بلقاسم بخاري الذي يمثل قانونيًا وزير الدفاع بأن «الجبهة الإسلامية للإنقاذ ليست المسؤولة الوحيدة معنويًا عن الأحداث» بينما يصر لسان الدفاع على براءة قيادة الجبهة وقرر المحامي علي يحيى استئناف الحكم أمام المحكمة العليا.

ولا غرابة أيضًا أن تعبر فئات من الشعب عن تضامنها ومساندتها لعباسي مدني وصحبه كما أكدته المواجهات والاعتقالات الأخيرة. فمهما كانت الأحكام الصادرة ضدهم خفيفة فإن الشارع لن يسكت عما يعتبره ظلمًا ويحمل المسؤولية كلها أصحاب القرار القدامى والجدد خاصة بعد خيبة الأمل في التغيير على مستوى التركيبة السياسية بعد مقتل بوضياف وزيادة تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية.

المناورة لمصالحة انتقائية

إلا أن المراقبين يستبعدون أن تتطور ردود الأفعال هذه إلى انفجار شعبي شامل خاصة إذا كان هناك توجه نحو المصالحة وتبرئة ساحة المتهمين من قيادة الجبهة بمناسبة الاستئناف أمام المحكمة العليا ولا شك أن هذه المحاكمة التاريخية في الجزائر مهدت الطريق أمام كل من الطرفين الإسلامي والرسمي لإعادة حساباته وكسب مواقع جديدة كل حسب إستراتيجيته.

فالنظام القديم -الجديد يسعى إلى اكتساب نوع من المصداقية والشرعية عن طريق فتح باب الحوار مع المعارضة بما في ذلك التيار الإسلامي مع اعتماد أسلوب المناورة بالمراهنة على ما يسمون بالمعتدلين وإقصاء «المتشددين» وقد تجلى ذلك من خلال عدة مؤشرات:

  • الحملات الإعلامية في الداخل والخارج لتلميع صورة النظام الجديد والتنويه بالماضي الدبلوماسي والخط المعتدل لرئيس المجلس الأعلى للدولة الجديد علي كافي بالمقارنة مع «الخط الصلب» الذي انتهجه بوضياف في معالجة القضايا الساخنة.
  • التخلي في حكومة بلعيد عبدالسلام الجديدة عن «العربي بلخير» وزير الداخلية السابق الذي دارت حوله العديد من الشكوك حول ظروف مقتل بوضياف بالإضافة إلى مسؤوليته في تردي الأوضاع الأمنية وتصلبه في معالجة ملف الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
  • السعي إلى إحياء «التجمع الوطني» الذي دعا إليه بوضياف بمشاركة القوى الحية في البلاد بما في ذلك الأطراف الإسلامية الموصوفة بالاعتدال مثل «حماس» و«النهضة».
  • محاولة استقطاب العناصر القيادية «المعتدلة» في الجبهة الإسلامية للإنقاذ واستبعاد العناصر «المتشددة»، مثال على ذلك أثناء المحاكمة الأخيرة، طلب وكيل الجمهورية العسكري تجريد علي بلحاج واثنين من مساعديه: علي جدي وكمال غمازي من حقوقهم المدنية في حين سكت عن ذلك بحق رئيس الجبهة عباسي مدني.

اختبار القوة

أما هذه الأخيرة، فهي الأخرى قد وظفت المحاكمات لقادتها لإثبات جدارتها السياسية والدخول في مرحلة جديدة من الحضور السياسي والتصدي لكل محاولات تهميشها في إطار اللعبة السياسية التي ينوي النظام المبادرة بها، بل إن الأحداث الأخيرة بمثابة التحذير من اعتبارها رقمًا لا وزن له ومن جعلها كبش فداء لكل أخطاء النظام في السابق.

وقد أعطت المحاكمات دفعًا جديدًا لأنصار الجبهة وأتباعها وبقية الهيكل المسير في الخفاء، وقالت لوموند في نهاية المحاكمة: لم يعد قياديو الجبهة يمثلون الصورة الرهيبة التي أراد النظام أن يلصقها بهم. واعتبرت الإسلاميين من «القوى الحية» أحببنا ذلك أم كرهنا- كما جاء في تعليقها. واشترطت للمصالحة الوطنية أن يشترك الطرفان الإسلامي والرسمي في أقل ما يمكن من القيم والأهداف المشتركة، ومثل هذه التحاليل تثبت بداية تشكل قناعة لدى دوائر القرار العالمية بعدم إمكانية إغفال المعطى الإسلامي في صياغة المجتمعات التي تنتمي إلى الفضاء الثقافي الإسلامي.

كما يظهر من خلال تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية ومواقفها بخصوص الصحوة الإسلامية واقترنت هذه القناعة بقناعة أخرى أن العنف مع أصحاب العقائد يؤدي دائمًا إلى الطريق المسدود، ولعل هذا التوجه يدخل في إعادة النظر في الفيتو المسلط على الظاهرة الإسلامية.

انسداد الآفاق في تونس

ولكن إذا كانت الجزائر تشهد مخاضًا قد يأتي بمفاجآت جديدة، فإن القطر المجاور تونس مازال الوضع فيه مسدود الأفق، ويتجلى ذلك بالخصوص من خلال محاكمة الإسلاميين التي تتواصل على قدم وساق بحضور الملاحظين والصحفيين الأجانب مع الإشارة إلى وجود عراقيل عدة أمام هؤلاء مثل عدم السماح لبعض المحامين لحضور المداولات بصفتهم مراقبين من بينهم رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان عبدالنور علي يحيى والمحامي الفرنسي ألن موند.

وتكفي الإشارة إلى أن منظمة المحامين لحقوق الإنسان الدولية- مقرها نيويورك- قد وجهت رسالة مطولة إلى صادق شعبان وزیر العدل التونسي بتاريخ 1992/7/17 تطالبه فيها بالإيقاف الفوري لإجراءات المحاكمة للسماح لهيئة المحامين بالوقت المناسب لدراسة ملف القضية وإجراء تحقيق شامل من طرف جبهة محايدة حول تهم التعذيب أو سوء المعاملة مدة الإيقافات وإسقاط الاعترافات والشهادات المأخوذة تحت التعذيب كشواهد قانونية.

ورغم تورط الأجهزة الأمنية الواضح في قضية التعذيب، فقد أصرت السلطة الرسمية على الإنكار وقلب الحقائق بالادعاء بأن المحامين رفضوا الدفاع عن المتهمين لأنهم إرهابيون بالإضافة إلى الحملة الإعلامية التي ضخمت الإعدامات المتوقعة من أجل تهيئة الرأي العام في الداخل والخارج لأحكام قاسية.

بُعد سياسي للقضية

وكل المؤشرات تدل على أن المحاكمات في تونس بدأت تأخذ نفس المنعرج للمحاكمات في الجزائر فبمرور الأيام، تحولت محاكمة الإسلاميين إلى محاكمة للنظام نفسه، وتجلى ذلك بالخصوص خلال تدخلات المتهمين ولسان الدفاع في جلسات الاستجواب. فقد تحدث كل من الحبيب اللوز والصادق شورو من قياديي حركة النهضة عن «مؤامرة» النظام لتصفية خصم سياسي قوي ومنافس، من ناحيته طالب الدفاع على لسان المحامي محمد شقرون باستدعاء عدد من كبار مسؤولي الحكومة من بينهم رئيس الوزراء لاستجوابهم حول أقوال نسبت إلى أحد المتهمين.

وقد يتعمق هذا المنحى السياسي في القضية الحالية خلال مرحلة المرافعات بعد الانتهاء من مرحلة الاستجواب.

وفي انتظار انتهاء مداولات المحكمة العسكرية ببوشوشة وباب سعدون للمجموعتين فإن الاهتمام منصب على نتائج هذه المحاكمات السياسية وانعكاساتها على المستقبل السياسي في تونس.

وفي حين تميل بعض التوقعات إلى أن النظام التونسي سيضطر للأخذ بعين الاعتبار الأحكام المعتدلة نسبيًا الصادرة بحق قياديي الجبهة الإسلامية في الجزائر، تری توقعات أخرى بأن السلطة الرسمية في تونس قد تورطت في المعالجة الأمنية للملف الإسلامي وهيأت الرأي العام لأحكام قاسية ولا يمكنها التراجع عن هذا المسار الذي يستهدف استئصال النواة الرئيسة لما تسميه بالإرهاب والتطرف وهي مستعدة للسير فيه إلى نهاية المطاف مهما كانت النتائج خاصة وأنها مطمئنة لعدم قدرة الكيان الداخلي للحركة المضروبة على رد الفعل على عكس ما يحصل في الجزائر.

الرابط المختصر :