العنوان أيها المسلم استعد لاستقبال رمضان (۲).. ثلاث خطوات نحو ضيافة أكرم ضيف
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2007
مشاهدات 65
نشر في العدد 1768
نشر في الصفحة 52
السبت 08-سبتمبر-2007
■ الحسد أول معصية لله في السماء.. وأول ذنب في الأرض.
■ القلب المنهك بالأمراض لا يستطيع القيام بواجب الضيافة للشهر الكريم.
إنها خطوات يجب أن تخطوها جميعًا للقيام بالواجب في هذا الشهر الكريم... واجب الإجلال والتعظيم، والمحبة والتوقير... واجب كرم الضيافة وحسن الترحيب، وكمال الاستقبال خطوات تخطوها لتسعد برمضان ويسعد هو بنا، إنها لخطوات ترضي بها رينا ليرضينا ويجتبينا.
فقبل أن يهل هلال رمضان، ابدأ أولًا بالبحث في قلبك لتتعرف على مدى استعداده لاستقبال الضيف، وبالتالي تكرم وفادته عليك، وانظر: هل هو نظيف قابل للوفود عليه من قبل الضيوف أم بحاجة لمن يسعى لتنظيفه وتطهيره؟ وهذا التطهير يحتاج منك إلى خطوات ثلاث:
الخطوة الأولى: أخلص نيتك لله تعالى
عند البدء في العمل عليك بصدق النية، لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (البخاري).
الخطوة الثانية: فتش في قلبك
ونقب عن الأمراض الخطيرة، ومنها:
1- العمل لغير الله.. والشهوة الخفية.. فقد قال فيه رسول الله ﷺ: «إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله، أما إني لست أقول يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا وثنًا ولكن أعمالًا لغير الله وشهوة خفية» (ابن ماجه).
وقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر».. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!» (أحمد).
وقد سئل الحسن عن الإخلاص والرياء فقال: من الإخلاص أن تحب أن تكتم حسناتك ولا تحب أن تكتم سيئاتك، فإن أظهر الله عليك حسناتك تقول: هذا من فضلك وإحسانك، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي، وتذكر قوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110)، ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون: 60) يؤتون الإخلاص، وهم يخافون ألا يقبل منهم، وأما الرياء فطلب حظ النفس من عملها في الدنيا، قيل له: كيف يكون هذا؟ قال: من طلب بعمل بينه وبين الله تعالى سوى وجه الله تعالى والدار الآخرة فهو رياء.
٢ - هل أنت حسود ؟ قال: ﷺ «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا» (الترمذي). وقال: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (أبوداود).
والحسد هو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة هي تمني مثلها وإن لم تزل، فالحسد شر مذموم، والمنافسة مباحة وهي الغبطة. وقد روي أن النبي ﷺ قال: «المؤمن يغبط، والمنافق يحسد» وفي الصحيحين: «لا حسد إلا في اثنتين ...» يريد لا غبطة.
ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فأما في السماء فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل.
وقال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه: أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره، وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت هذه القسمة؟ وثالثها: أنه ضاد فعل الله، أي إن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله، ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم وزوال النعمة عنهم، وخامسها أنه أعان عدوه إبليس.
وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعًا وغمًا. ولا ينال في الآخرة إلا حزنًا واحتراقًا، ولا ينال من الله إلا بعدًا ومقتًا.
3- احذر هذه الثلاث: وقد ذكرها ﷺ في قوله: «ثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه» (الطبراني).
- شح مطاع: أما الشح فقد رغب الله تعالى في اثنائه والبعد عنه فقال: ﴿ن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: 16)
والشح في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل من المال، وأما العلماء فإنهم يرون أن الشح في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حق.
وقال فيه النبي ﷺ مبينًا عاقبته: «إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالبخل فيخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» (مسلم).
- وهوى متبع: قال تعالى: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: 50) أي: ومن أضل عن طريق الرشاد، وسبيل السداد ممن اتبع هوى نفسه بغير بيان من عند الله، وعهد من الله، ويترك عهد الله الذي عهده إلى خلقه في وحيه وتنزيله.
- إعجاب المرء بنفسه: أما إعجاب المرء بنفسه فيؤدي إلى الكبر والغرور والخيلاء، والكبر بدوره يجر إلى رفض الانقياد للحق والتعالي على الناس كما قال ﷺ: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» (مسلم)، وبطر الحق هو دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، وغمط الناس معناه: احتقارهم.
فعلام تتكبر أيها الإنسان؟! ألست مخلوقًا من طين؟ أليست الأمراض تنهكك، والجوع يضعفك، والشبع يمرضك، والخوف يقتلك، والبرد يمزقك، والعطش يهلكك، فأنت ضعيف ببشريتك، فعلام التكبر إذن؟! إنك إن تكبرت بعلمك فأنت عنه مسؤول، وإن تكبرت بمالك فأنت عليه محاسب، وإن تكبرت بالحسب وضعك الله ولم يرفعك، وإن تعاليت بالجاه والقوة والسلطان فالله أكبر وأعز وأعلى وأجل، فعلام التكبر إذن؟! وأين أنت معه من الجنة؟ وقد قال ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبره» (مسلم).
4- إياك والبخل: إن البخل داء خطير مهلك، قال عنه ﷺ: «وأي داء أدوأ من البخل؟» (البخاري). ويبين لنا أن ليس للإنسان في هذه الحياة إلا ما أقام صلبه وستره، وما قدم لنفسه وادخر لآخرته فيقول: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو ليست فأبليت؟!» (الترمذي).
وليس البخل مرتبطًا بالمال فقط، بل إن أشد البخل ضررًا على النفس أن نبخل عليها بما يصلحها في الدنيا والآخرة من الإيمان الصادق الخالص، والالتزام بالمنهج الرباني والصبر والثبات على طريق الله والامتثال لأوامره، والاستكثار من عمل الخير، وإن من أسوأ البخل البخل على عباد الله بالكلمة الطيبة والبسمة الحانية وإلا لما كانت صدقة، وكذلك البخل بالمساعدة المختصة من عون بالمال أو الجهد للمحتاج والضعيف من الناس، والبخل بالنصح لهم أو التعاون معهم على البر والتقوى.
5-الوهن.. حين سئل رسول الله ﷺ وما الوهن قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (أبو داود)، تلك الدنيا التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة، الدنيا التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: 20)
فهل نحن مخلدون فيها؟! لقد حذرنا رسول الله ﷺ من ذلك فقال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون» (مسلم).
ولقد حذرنا من مغبة ذلك الحب المفسد، مبينًا آثاره السيئة فقال: «سيصيب أمتي داء الأمم»، قالوا: يا رسول الله، ما داء الأمم؟ قال: «الأشر، والبطر، والتكاثر، والتشاحن في الدنيا، والتباغض، والتحاسد. حتى يكون البغي» (الحاكم).
وانظر إلى تلك الصورة القبيحة لهذه الدنيا الخادعة الفاتنة.. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء وزرقاء، أنيابها بادية، مشوه خلقتها، تشرف على الخلق فيقال: تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه، فيقال: هذه الدنيا التي تناحرتم عليها، بها تقاطعتم، وبها تحاسدتم، وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في جهنم، فتنادي: أي رب، أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول الله عز وجل: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها»..
الخطوة الثالثة: سارع بتناول الدواء
بعد التفتيش في القلب عن مواضع الداء يجب العلاج والتنظيف، وليكن البدء فيه فورًا بلا تأخير أو تسويف وإلا مات القلب وغطاء الران، وصار مثقلًا بالأحمال والأوزار، لذا لابد من الشروع في علاجه في الحال حتى تستطيع اللحاق بركب المستقبلين للضيف الكريم وتنعم بشرف الاستقبال، وإن لم تفعل فإن الفرصة ستفوتك وموسم الخير لن ينتظرك.
واعلم أن القلب ما دام منهكًا بالأمراض فلن يستطيع النهوض لتحمل تبعات تلك الضيافة وواجباتها، فاغتنم الفرصة ولا تضيعها، واخط إلى طريق العلاج بخطوات ثابتة ومتكررة، وبعون الله ستشفى وتصح.
-----------------------
المصادر
1. تفسير القرطبي.
2. تفسير الطبري.
3. تفسير ابن كثير
4. جامع العلوم والحكم ج 2.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل