العنوان ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان الحلقة السابعة رحلة مع الأبطال
الكاتب د. نجيب الرفاعي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1983
مشاهدات 100
نشر في العدد 646
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 22-نوفمبر-1983
بعد أدائنا صلاة الفجر من يوم الجمعة الموافق 12/8/83 م ذهبت وبعض الإخوة لإعداد لوازم السفر إذ كنا على موعد في ذلك اليوم مع القائد «حكمت يار» لزيارة أحد مخيمات المجاهدين في إقليم بكتيا.
التقينا بالقائد «حكمت يار» في مقر اتحاد المجاهدين الأفغان على مائدة الفطور الذي كان مكونًا من نصف رغيف من الخبز وكوب من الشاي وبعد الانتهاء من الفطور ذهبنا إلى السيارات المعدة للسفر لهذا الغرض وكانت هذه القافلة مكونة من سيارتين جيب ووانيت، إحدى سيارات الجيب كانت غنيمة اغتنمها المجاهدون بعد إحدى المعارك وانطلقت السيارات متوجهة إلى ساحة من ساحات الجهاد تمخر عباب القرى الباكستانية والتي كانت معظم شوارعها ضيقة تتنافس في السير عليها السيارات الكبيرة المزركشة والملونة كما يحب ذلك أهل باكستان، كما يتنافس عليها كذلك أدوات المواصلات القديمة وهي عربات خشبية يجرها الحصان والحمار تارة والجواميس تارة أخرى، وأثناء سيرنا كنت أتأمل المناظر التي كانت تمر أمام عيني من حقول وأسواق قديمة ومساجد لا زالت مبنية من الطين وقفنا عند أحد هذه المساجد التي عدمت من كافة وسائل الراحة من مراوح أو مكيفات إلا من مراوح يدوية صنعت من سعف النخيل وسجاد صنع من نفس المادة كذلك، وأدينا صلاة الظهر والعصر جمع تقديم، ثم واصلنا المسير، قطعنا فيه بعض الجبال، وكانت تعترضنا بين الفينة والأخرى في الوديان مجاري السيول والتي كانت سيارتنا تخترقها اختراقًا قد تصل في بعض الأحيان إلى درجة المجازفة. وحينما خيم علينا المساء وقفت القافلة في قرية من قرى المجاهدين وكانت قريبة من الحدود الأفغانية الباكستانية واستضافنا هناك «الحاج سليمان» في منزله الذي بني من الطين، تذكرت مع غروب الشمس الكويت حينما كانت في هذه الصورة منذ أربعين سنة، فمعظم البيوت في هذه القرية مبنية من الطين يتسم أهلها بحسن المعشر والكرم وحسن الاستقبال، وأثناء شرب الشاي سألنا الحاضرين عن ماضيهم الجهادي في أفغانستان، فقال أحدهم إنني كنت سائق دبابة في الجيش الأفغاني، التحقت مع المجاهدين وحولت ضربات دبابتي من صدور المجاهدين إلى صدور أعداء الدين من الشيوعيين والمرتدين، وقال آخر: كنت نقيبًا في الجيش الأفغاني ففكرت قبل أن ألتحق في صفوف المجاهدين كيف أقدم خدمة للجهاد الإسلامي؟ فاتصلت سرًّا بقائد المجاهدين وأخبرته بعزمي ونيتي بالتحول إليهم مع الجند الذين كانوا معي، هذه الخدمة كانت عبارة عن أنني استدعيت وَالِي المنطقة الذي قَبل أن يأتيني لكنه أرسل مبعوثًا من قبله فقتلته، ثم اتصلت به مرة أخرى وقلت له: إن الأمر ضروري جدًا وإن ذلك يستدعي حضوره شخصيًّا، فجاءني بطائرته العمودية وما أن نزل منها حتى استقبلته طلقات رشاشي فأرديته قتيلًا، ثم بعد ذلك انضممت والكتيبة التي كانت معي إلى صفوف المجاهدين، وأنني أحمد الله الذي أنقذني من ظلمات الشيوعية.
هذا وإنني انضممت إلى إخواني المجاهدين في أول قتالهم، لقد اعتبروا انضمامي إليهم كرامة من الكرامات ونصر من الله وفتح مبين.
وكان ذلك منذ ثلاث سنوات في وقت لم يكن لديهم من الأسلحة إلا الأسلحة القديمة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم لقد سلمت للمجاهدين ثلاثة آلاف بندقية وطائرتي هوليكبتر وثمانين مدفعًا مضادًا للدبابات وثلاثة وثلاثين مدفعًا ثقيلًا ومئات الألوف من طلقات البنادق، وبعد يومين حينما علمت الحكومة الأفغانية بانضمامي والكتيبة التي كانت معي إلى المجاهدين أرسلت الطائرات الروسية كي تقصف المنطقة لكنها لم تجد إلا طائرة الهوليكيتر، فقد لاذ المجاهدون وكنت معهم بالفرار من المنطقة ومعنا الغنائم التي ساندت الجهاد الأفغاني في بدايته وإلى يومنا هذا.
النعاس في المعارك:
تطرق الحديث بعد ذلك إلى الكرامات التي تفضل الله سبحانه وتعالى بها الجيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم وتطرَّق الحاضرون إلى تفسير الآية الكريمة التي نزلت بشأن أهل بدر قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (الأنفال:11).
تطرق المجاهد «عبد الله» أنه في إحدى المعارك التي استمرت لعدة أيام لم يذُق أثناءها النوم إلا بين طلقات الرصاص وقذائف المدافع إذ كان يأتيه النوم بهيئة نعاس لعدة دقائق وكان إخوانه المجاهدين يوقظونه أكثر من مرة خشية عليه من طلقات الرصاص كان بعد هذا النعاس يشعر بنشاط غريب وكأن هذه الدقائق التي نامها ساعات.
وعقب القائد «حكمت يار» ينقل عن أحد المجاهدين أنه دخل مع إخوانه معركة من المعارك استشهدوا كلهم وخرج هو وكان يمسك بيده قنبلة يدوية، كان قد أعدها لضرب العدو، ثم أخذه النعاس ونام لفترة وجيزة ومر عليه الأعداء وهم يظنون أنه مات كما مات إخوانه... ثم استيقظ فزعًا من نومه وحمد الله على هذا النعاس الذي تغشاه وحمد الله ثانيًا على القنبلة التي لم تسقط من يده، بعد ذلك توجه هذا المجاهد إلى معسكره للمعالجة من جروحه بعد أن تخلص من القنبلة التي كانت بيده.
«سبحان الله.. نفس المواقف تتكرر.. النعاس هذا الجندي المأمور بقوة الله وقدرته لأوليائه الصالحين الذين أخلصوا بنياتهم إليه وفوضوا أمرهم إليه وتوكلوا عليه حق التوكل فكافأهم، إما النصر في الدنيا أو الشهادة يقول أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد ولقد سقط السيف من يدي مرارًا، يسقط وآخذه يسقط وآخذه، وقال علي بن أبي طالب: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح».
وقال عبد الله بن مسعود: «النعاس في القتال أَمَنَةٌ من الله وفي الصلاة من الشيطان ويعقب الشهيد سيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن حول المعاني السابقة فيقول: ولقد كنت أمرُّ على هذه الآيات وأقرأ أخبار هذا النعاس فأدركه لحادث وقع يعلم الله سره ويحكي لنا خبره... ثم إذا بي أقع في شدة وتمرُّ عليّ لحظات من الضيق المكتوم والتوجس القلق، في ساعة الغروب... ثم تدركني سِنَةٌ من النوم لا تتعدى بضع دقائق... وأصحو إنسانًا جديدًا غير الذي كان... ساكن النفس... مطمئن القلب... مستغرقًا في الطمأنينة الواثقة العميقة... كيف تم هذا؟ كيف وقع هذا التحوُّل المفاجئ؟ لست أدري ولكن بعدها أدرك قصة بدر وأحد، أدركهما في هذه المرَّة بِكَيَانِي كله لا بعقلي... وأستشعرها حيَّة في حسِّي لا مجرد تصور، وأرى فيها يد الله وهي تعمل عملها الخفي المباشر... ويطمئن قلبي» «سيد قطب/ في ظلال القرآن».
فكرة للجهاد بالمال
قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد:۷). إن الله يخاطب القلوب التي خلقها، فهو يعلم أحوالها ويعرف مداخلها ويطلع على خوافيها... وهو يعلم أن نقاء العقيدة وخلوص القلب واستقرار حقيقة الإيمان تنبثق منه آثاره ونتائجه في واقع الحياة، من بَذْلٍ وتضحية وتُقَدِّمه خالصة لله.. إن هذا الأمر يكلف الطاقة البشرية كثيرًا ويحتاج منها إلى جهد ومجاهدة طويلة.
والمخاطبون هنا هم مسلمون ولكنهم يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله!! فهي إذًا حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها، وهي لفتة دقيقة، وهم يدعون إلى الإنفاق، ومع الدعوة لمسة توجيه فهم لا ينفقون من عند أنفسهم إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من مُلكه.. وهو الذي له ملك السماوات والأرض... فهو الذي استخلف بني آدم جمله في شيء من ملكه ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (المؤمنون:80)... فهو الذي استخلف جيلًا منهم بعد جيل... «في ظلال القرآن/ سيد قطب».
في شتاء بارد... وعواصف ثلجية، خرجت الأم الأفغانية مع طفليها حفاة الأقدام مهاجرين من قريتهم بعد أن قصفها الروس بالقنابل والمدافع... وتصعد الأم الجبل المكسو بطبقة بيضاء من الثلوج تحمل الأول وتجعل الآخر يسير فإذا تعب الثاني حملته وأنزلت الأول وقبل أن تصل إلى القمة يحدث المحذور أن تعثر رجل الطفل الذي يسير فيسقط متدحرجًا إلى الوادي السحيق فتبهت الأم وتتحجر الدموع في مآقيها وهي تنظر إلى طفلها في بطن الوادي وما كان منها إلا أن واصلت المسير تاركة أحد أطفالها خلفها ظهريًّا.
عزيزي المُنفق:
هذا المشهد حدث بالفعل وقد سخر الله تعالى أحد المهاجرين لإنقاذ الطفل الذي سقط... ترى كيف سيعيش إخواننا الأفغان زمهرير هذا الشتاء؟! كيف سيتحملون برده القارس وعواصفه الثلجية وهم لا يوجد عليهم إلا كسوة الصيف؟!
تذكر وأنت ذاهب لشراء كسوة الشتاء هذه السَّنَة لأطفالك وأهلك، تذكر المجاهد والمهاجر حافي القدمين عليه ثياب بسيطة وخفيفة يتحمل كل هذا المتاعب في سبيل رفع راية الإسلام خفَّاقَة عالية، فلا أقلَّ أن تتحمل معه جزءًا من هذه المتاعب بإرسال تبرع يخصص لشراء كسوة الشتاء أو إرسال ما لديك من ملابس وأغطية دافئة إلى بيت الزكاة «لمزيد من المعلومات حول كيفية استقبال التبرعات العينية والمادية إتصل بالرقم التالي: 2466102»..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل