العنوان وجه البريء..قصة قصيرة
الكاتب مني محمد العمد
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007
مشاهدات 80
نشر في العدد 1751
نشر في الصفحة 46
السبت 12-مايو-2007
نظرت رجاء بإشفاق شديد إلى طفلها الرضيع وهو نائم بسكينة بالغة، ابتسم الطفل في نومه ابتسامة سريعة، تساءلت في حنان: هل يحلم الصغير ترى بأي شيء يحلم؟ تريد أن تغطيه وتتركه في نومه الهانئ تحت دثاره الثقيل، وقد احمرت وجنتاه من الدفء بينا يتناهى إلى مسامعها صوت ريح صرصر.
نعم هي تريده أن يهنا بدفئه وحضن أمه، لكن ظروفها كموظفة لا تتيح لها تحقيق هذه الأمنية الصغيرة. عادت تنظر إليه تساءلت هذه المرة في حنق: أي أمر عظيم هذا الذي يجعلها توقظ فلذة كبدها في هذا الوقت المبكر وتخرج به تحت هذا البرد القارس لتضعه بين يدي امرأة غريبة لا تحمل في جوانحها قلب أمه ولا مشاعرها بل تتعامل معه كشيء ينبغي أن تهتم بطعامه ونظافته مقابل ثمن بخس دراهم معدودة؟!
صبت جام غضبها على قاسم أمين ورفاعة الطهطاوي وهدى شعراوي، فقد زعموا- فيما تعلم- أن المرأة لا تستطيع إثبات وجودها إلا من خلال عمل، وظيفة تقوم بها خارج البيت، أليست النساء كلهن عاملات داخل بيوتهن؟ أو لسن ينجبن ويربين الجيل الجديد؟ أليس كل ما تقوم به المرأة في منزلها كافيًا؟ كيف خدعوها وأخرجوها من بيتها؟
كم شعرت بقسوة فعلها، وهي تتناول الطفل كأنها تنتزعه من مهده انتزاعًا، تغير ملابسه وتعد حقيبته تريد أن ترضعه بتأن. جلست حاولت إرضاعه، لكن الوقت لا يسعفها، تنظر إلى الساعة الوقت يجري. هيا أيها الصغير أرجوك. لكن الطفل رضع دقائق معدودة ثم امتنع من يدري ربما كان يشعر بقلقها وتوترها وهي تنظر إلى الساعة في يدها! إنها تنظر إليها عشرات المرات في هذا الوقت كل صباح، تتذكر الآن قول أمها لها: يا ابنتي كانت أمهاتنا يوصيننا بألا نشغل أنفسنا أثناء الإرضاع حتى بالكلام هذا الوقت للطفل وحده، أرضعيه وأنت تفكرين فيه.. امسحي على رأسه ووجهه وتحدثي معه، إنه يسمعك ويشعر بحبك واهتمامك.
نظرت في عيني طفلها، نظراته تائهة كلمته سألته: ما بك اليوم؟ التقت عيناها بعينيه لكنهما اليوم عينان غريبتان عنها. أخذت تبكي، سألها زوجها وقد روعه بكاؤها الصباحي هذا: ما الأمر؟ قالت: إنه لا يكلمني قال: من؟ قالت: طفلنا، قال في شيء من الضيق هيا، هل أنت السيدة البتول ليتكلم طفلك في المهد؟ قالت: أقسم إني كنت أتواصل معه خاصة أثناء إرضاعه كان ينظر إلي نظرات فيها شكر فيها امتنان قال زوجها وقد ازداد ضيقًا : واليوم لم يشكرك قالت بألم ليس هذا فقط، لقد فقدت الاتصال بيني وبينه، إنه لا يشعر بعطائي، ثم قالت ربما كنت غير قادرة على العطاء اليوم، إنه يحس بي، أقسم إنه يحس بي. قال الزوج وقد بلغ الضيق به المدى هيا بنا لم يعد هناك وقت أرجوك دعي عنك هذه العواطف الزائدة ليس هذا أوانها، هيا!
مسحت دموعها وحملت طفلها وهي تشد عليه دثاره وخرجت.
في المدرسة لاحظت صديقتها انفعالاتها فسألت خيرًا إن شاء الله. قالت: إنه صغيري، يصعب علي تركه كل صباح، هو أولى بي وبحناني من كل طالبات المدرسة قالت إلهام فأين ذهب ذلك الحديث عن واجبنا نحو المجتمع بل والأمة ونحو بنات جنسنا تعلمهن وتربيهن؟ فمن لهن إن قعدنا أنا وأنت وهذه وتلك؟ قالت: أليس من حق المجتمع أن أخرج له عضوًا سويًا شبع من الحنان في محضنه؟ ما ذنب هذا الطفل ليحرم من أمه ساعات طويلة كل يوم وقد قضى في رحمها تسعة أشهر في أمن وسلام؟ ثم ما ذنبي أنا؟ أنا أعاني حرمانًا أشد ألا تدركين ذلك؟ تحسست صدرها در منه الحليب ولوث بلوزتها الصوفية الأنيقة، قالت بكلمات يقطر منها الأسى هنا أهدر رزقه الذي جاء معه سدي، وهو هناك يشرب ما أنتجته أبقار الغرب قالت إلهام هل ستكونين أحسن حالًا فيما لو كانت هناك حضانة في المدرسة؟ قالت وهي تمسح دموعها: ربما، قالت إلهام مشفقة: يبدو أنك في غاية الانفعال، اجلسي سأشغل الحصة بدلًا منك، قالت: وهذه مشكلة جديدة أيضًا. أقصر في حق طفلي من أجل طالباتي وأقصر في حق طالباتي من أجل طفلي، ثم حق الزوج بل وحق نفسي أنا، إني أعيش في تشتت أتدرين؟ أنا كمسافر طلب منه أن يمشي في كل الاتجاهات معًا، ترى ماذا يفعل؟ وأين سيصل؟
استأذنت رجاء من مديرتها في العاشرة من صباح ذلك اليوم، خرجت واتجهت مباشرة إلى منزل الحاضنة، وما إن نزلت من السيارة حتى تناهى إليها صوت طفلها يصرخ بشدة. أخذت تطرق الباب بعصبية. سمعت صوت الحاضنة تقول في قلق من بالباب؟ تأخرت بضع دقائق ثم فتحت الباب وهي تحمل الطفل بيدها، وقالت معتذرة كنت أغير ملابسه جاملتها رجاء بابتسامة بلهاء، وكلام أجوف وتظاهرت بأنها لم تدرك شيئًا، أخذت طفلها، قبلته وضمته إلى صدرها وخرجت به.
بعد الظهر عاد زوج رجاء إلى منزله فوجي برجاء تستقبله بسعادة عند الباب، وكان غالبًا يجدها- عند عودته- تركض ما بين المطبخ وغرفة الطفل، فإذا سلم بادرته مشتكية ثم فوجئ بغداء منزلي دسم، وقد اعتاد أن يأكل الوجبات السريعة أو الجاهزة خاصة منذ قدوم الطفل الجديد، وتفقد طفله فإذا هو الآخر ينام في هدوء وسكينة فقال في رضا يشوبه تعجب: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، (سورة الكهف: أيه رقم39) ضحكت رجاء ملء قلبها.
في المساء دار الحديث بين الزوجين عن طفلهما الجديد، قال الزوج: هلا أفصحت؟ أرى بعينيك كلامًا كثيرًا، قالت باسمة: نعم هناك كلام طويل لكني سأختصر، قال كمن يتوقع تفجير قنبلة هات، قالت: قررت ألا أذهب للعمل قبل أن يتم طفلنا حولين كاملين. أدرك الزوج أنه قرار لا رجعة عنه، قال: أتستقيلين أم تأخذين إجازة؟ قالت وهي تنظر ناحية المهد: أي شيء.. أي شيء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل