; ثمرات رمضان (أخيرة).. إصلاح.. إجابة.. غفران | مجلة المجتمع

العنوان ثمرات رمضان (أخيرة).. إصلاح.. إجابة.. غفران

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2008

مشاهدات 60

نشر في العدد 1821

نشر في الصفحة 54

السبت 27-سبتمبر-2008

شهر رمضان واحة غناء، بظلالها الوارفة، وثمارها الناضجة، وهذه الثمرات أكثر من أن تحصى في مقال ولا في كتاب، وقد ذكرت بعضها في المقالين السابقين، واليوم أسلط الضوء على بعضها، لعلنا نسارع بالقطاف.

منذ سنين طويلة لا يطيق زوجته، وهي تبادله الشعور ذاته، وتأتي مواسم ومناسبات، فتكون بمثابة الوقود الذي يزيد النار استعارًا واشتعالًا، وهذه المواسم والمناسبات هي تلك التي ترتبط بالاحتياجات المالية والمعيشية للبيت، وقد أقبل شهر رمضان هذا العام والبيت يحتاج إلى ميزانية. أو هكذا تعارف الناس في البيوت، وتزامن ذلك أيضًا مع فتح المدارس أبوابها أمام أفلاذ الأكباد من أبنائنا وبناتنا، فإذا استطاع رب الأسرة أن يغطي نفقات رمضان ومصروفات المدارس، فإن العيد يوشك أن يقبل، وله متطلباته أيضًا واحتياجاته.

هذه الحالة التي وصفتها في السطور القليلة الآنفة الذكر ليست من نسج الخيال بل هي حالة بيت يعج بالمشاحنات الزوجية والأزمات الأسرية، وقد وصلتني هذه المشكلة من صاحبتها، والحت علي أن أتدخل لدى زوجها لحلها، وقد كانت أمامي عقبة كؤود، لأن المشكلة وصلتني عن طريق بريدي الإلكتروني، وأنا لا أعرف صاحبتها ولا زوجها، وكنت أرد على صاحبة المشكلة عن طريق البريد الإلكتروني أيضًا .. كانت صاحبة المشكلة تلح علي لتعطيني رقم زوجها كي أكلمه، ولكن فقه إصلاح البيوت يستلزم أن يكون هناك قبول وجداني من طرفي المشكلة تجاه من يقوم بالإصلاح، فأنى لي بهذا القبول الوجداني وأنا لا أعرف الزوج؟ وماذا أقول له ؟! وكيف أتدخل في مشكلة خاصة كهذه دون دعوة منه، وهو لا يعرفني ؟!! بعد تفكير هداني الله الطريق، فقلت لها: فاتحيه في حوار هادئ، بعد أن تبرزي له حبك له وتمسكك به وإظهار محاسنه وإيجابياته وحرصك على بيتكما وعلى الأولاد، وأكثري من الدعاء بسعة الرزق وراحة البال، ونعمة الرضا، وتحقيق الوئام والانسجام.. واستثمري فرصة هذا الشهر الكريم في التقرب إلى الله والصبر والتسامح.

سألتها: هل لديك أولاد؟ قالت نعم قلت: كم أعمارهم؟ قالت بين العاشرة والعشرين. فقلت ما حالهم مع الله؟ قالت: بخير والحمد لله متدينون ملتزمون قانتون عابدون مثقفون بفضل الرحمن المنان، قلت: استثمريهم في الوساطة بينك وبين زوجك اجعليهم يذكرونكما - بأدب ولين - بأثر القرآن والصيام في رمضان، حيث ترق القلوب وتصفو النفوس فتتقبل العظة والنصح.. واذكري أنت وزوجك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان ينوي الصيام لأنه لا يجد طعامًا في بيته.

في البداية لم تقتنع هذه السيدة بما أقول، وكان مما قالته اعتراضًا: من ينصح من الوالدان ينصحان الأولاد أم العكس؟ قلت لها: جربي احصلي على شريط يتناول العلاقة الزوجية الحميمة في الإسلام، وآخر يتناول أثر القرآن في إصلاح الحياة الأسرية، وثالث يتحدث عن أثر الصيام في خلق المسلم والحياة الأسرية.. جربي هذا الإرشاد غير المباشر، فإن عمر بن الخطاب قبل إسلامه كان ذاهبًا لإيذاء أخته وزوجها بسبب اعتناقهما الإسلام، فهداه الله وأعز به الإسلام، وهذا رجل آخر هم باقتحام بيت ليسرقه، فسمع قول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: 16).

فلما سمع الآية تحول ۱۸۰ درجة - كما يقولون- وأجاب قائلاً: قد آن.. ما أدراك يا أختاه؟ لعل نصيحة تصدر من ناصح مخلص أمين يكون فيها الدواء والشفاء.. ذكري نفسك أنت أيضاً بأوامر الرحمن، سلي نفسك: ماذا طبقت من آيات القرآن التي واظبت على تلاوتها أو الاستماع إليها في أيام هذا الشهر الكريم ولياليه، وليذكر كل منكما الآخر، والحي على الله في الدعاء، ثم انظري النتيجة.

انتهى الحوار بيني وبين هذه الأخت، منذ فترة، ثم فتحت بريدي الإلكتروني إذا برسالة منها تحمل بشرى صلاح الحال، تقول: لقد بدأت أنا بآخر نصيحة، وهي جزء فقط مما أرشدتني إليه. فراجعت كل الآيات التي قرأتها في شهر رمضان، ووقفت عند الآيات التي تتناول مشكلتي وعرضت نفسي عليها. فوجدتني كأني أقرأها أول مرة، ولم أطبق إلا قليلاً منها، وتذكرت تعليق سيدنا عمر على الآية الكريمة التي تلاها سيدنا أبوبكر رضي الله عنه، عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر سيدنا عمر رضي الله عنه كأنه يسمعها أول مرة، فلقد شعرت بتقصيري الشديد وسوء تعاملي مع واقعي الأسري، فكنت أنا المبادرة، وتوالى الخير بعد ذلك، حيث تغيرت معاملة زوجي وازدادت اللحمة الأسرية بين أفراد البيت جميعاً وكان قلوبنا قد تبدلت ونفوسنا قد تغيرت بل الأعجب من ذلك زيادة الرزق، فقد كان الزوجي مبلغ كبير من المال في حكم المفقود فأعاده الله إلينا، وأنا واثقة في سعة رحمة الله في الأيام المقبلة.

قلت: سبحان الله !! أليست هذه ثمرة من ثمار رمضان.. لقد كنت أطالع وأنا طفل صغير كبار القرية وحكماءها، وهم يتخيرون هذا الشهر المبارك، فيسعون فيه إلى الإصلاح بين المتخاصمين على كل المستويات على مستوى الأفراد، والأسر، والعائلات، وكانت محاولاتهم غالبًا ما تنجح في هذه الأيام المباركة.

إجابة الدعاء

ففي هذا الشهر الكريم يستجيب الله عز وجل لدعاء عباده، وليس صدفة أن تأتي آية الدعاء بعد آيات الصيام في قوله تعالي: ﴿َوإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186).

وفي الحديث الشريف: «ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل، والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم».... (رواه ابن ماجه).

إدخال الفرحة

فقد أخبرنا رسولنا الكريم بأن للصائم فرحتين فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، فأما الفرحة التي عند فطره، فتتحقق لديه لشعوره بتوفيق الله تعالى له بالصوم وهو من أفضل العبادات وأعظم الطاعات، وأما فرحته عند لقاء ربه فتتحقق حين يجد ما أعده الله  عز وجل له من جزاء لصيامه وحسبه أن ينادي عليه المنادي: أين الصائمون ليدخلوا الجنة من باب الريان الذي لا يدخل منه أحد غيرهم.

الشفاعة

فمن ثمرات رمضان أن الصيام يشفع لصاحبه كما ورد في الحديث، فيقول الصيام: «أي رب منعته الأكل بالنهار فشفعني فيه»...

رقة القلب وغزارة الدمع

يقول القسطلاني - رحمه الله - معددًا ثمرات الصوم ومنها رقة القلب وغزارة الدمع، وذلك من أسباب السعادة، فإن الشبع مما يذهب نور العرفان ويقضي بالقسوة والحرمان. فتقليل الطعام والشراب يضيء العدة القلب، ويوجب رفته، ويزيل قسوته، ويهين القلب للذكر والفكر، فتتحقق طمأنينة القلوب وسكينتها .

يقول يحيى بن معاذ رضي الله عنه: «من شبع من الطعام عجز عن القيام ويقول ذو النون المصري وهو عبد صالح: تجوع بالنهار، وقم بالأسحار، ترى عجبًا من الجبار».

حفظ الجوارح

فالجوع يقود النفس إلى الإذعان وطاعة الرحمن، ومن ثم تسكن الجوارح، وتقلع عن المعاصي، ومن أهم هذه الجوارح اللسان والبطن والفرج واليد والرجل.

اتقاء المعاصي

فحرص المسلم على صيانة صومه وعدم إفساده يدربه على صيانة نفسه من الوقوع في الزلل، ويحصنه من الوقوع في المعاصي وخاصة أن الصيام يدرب على الإخلاص ويجعل العبد مطيعًا لربه في السر والعلن تستوي عنده الخلوة من تواجده على مرأى من الناس، ومن الكلمات البليغة في هذا السياق قول الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - «اتقوا معاصي الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم»، ومن أقوال ابن مسعود رضي الله عنه: «رب شهوة تورث حزنًا طويلاً»..

غفران الذنوب

فقد أخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وورد أيضًا: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» ومن هديه صلى الله عليه وسلم كذلك: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». (أخرجه البخاري (38)، ومسلم (760) مطولاً)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (رواه مسلم).

التسبيح والذكر

فرمضان شهر التسبيح والذكر، وهما ثمرتان عظيمتان يقول عبيد بن عمير - رحمه الله-: «تسبيحة بحمد الله في صحيفة مؤمن خير له من جبال الدنيا تسير معه ذهبًا«.

ومن كلام أبي حسين الوراق «حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت». 

فهل أضأنا صحائفنا بالذكر؟ وهل أحيينا قلوبنا بالذكر؟.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 197

79

الثلاثاء 23-أبريل-1974

الغذاء الروحي

نشر في العدد 1373

75

الثلاثاء 26-أكتوبر-1999

استراحة (1373)