; ثورة باسم الدين أم ثورة على الدين؟ (4) | مجلة المجتمع

العنوان ثورة باسم الدين أم ثورة على الدين؟ (4)

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1989

مشاهدات 76

نشر في العدد 904

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 14-فبراير-1989

يرفع اليسار الإسلامي شعاره البراق «الدين والثورة»، فيندفع الإسلاميون المتحمسون الثائرون على منظوراتهم القديمة، وينضموا تحت لواء هذا اليسار، ولا يدركون أن ثورة هذا اليسار الحقيقية إنما هي ثورة على الدين، وليست ثورة باسم الدين.

يستخدم هذا اليسار في هذه الثورة كل معاول الهدم التي استخدمها مفكرو الغرب وفلاسفته لهدم اليهودية والمسيحية؛ ليهدم بها الإسلام، يريد هذا اليسار تفريغ الإسلام من العقيدة، وتحويله إلى أيديولوجية وفق مبدأ «التنوير قبل التنوير». وباسم العقل يمضي هذا اليسار في تحطيم هذا الدين، فلا يعترف بالغيب ولا بالجن ولا بالملائكة ولا بالشياطين ولا بالجنة ولا بالنار، فكل ذلك عنده خرافة وأوهام وأساطير تند عن العقل، أو يطلقون عليه «بالنور الفطري».

 اليساريون لا يعترفون بالخوف والرجاء من الله ويعتبرون هذا الخوف ناشئ عن نقص في الشجاعة

 عبادة الله في نظر اليساريين كهنوت بأخذ شكل الشعائر والطقوس وهي أقرب إلى النفاق والنفعية إلى الدين.

يرى هذا اليسار أن التدين والعقل نقيضان لا يلتقيان، فالتدين عنده مجموعة من الخزعبلات التي يظنها المتدينون تعاليم إلهية، وإيمان المتدينين عند هذا اليسار يقوم على الأوهام والخرافات، لا يعترف هذا اليسار بالخوف والرجاء من الله، ولا يرون أن ذرف الدمع خشيةً ورهبةً من الله يجدي، ولا الدعاء أملًا ورجاءً يفيد. علمهم الغرب أن الخوف من الله ينشأ عن نقص في الشجاعة، وأن تأليه الله إنما ينتج من هذا النقص.

علموهم أن التدين ضعف في الإرادة، وأن الإيمان يرتكز على الكراهية والتعصب، وأن المؤمنين هم أكثر الناس قدرة على الكراهية والتعصب والحقد على البشر. علموهم أن التقديس ظاهرة نفسية ومرضية، وأن الإيمان بموجود متعالٍ خارج عن الطبيعة وثنية مجردة أو وثنية حسية.

 تعاليم هذا اليسار

لا شيء على ألسنة هذا اليسار يعبر عن الدين إلا الوهم والخرافة والأساطير، وأن الثورة لن تكون إلا إذا تم التنوير الذي يقضي على هذا الوهم وهذه الخرافة وهذه الأساطير وهذا السر الذي يند عن العقل.

علموهم ألا يفرقوا بين دين وآخر، بین دین موحى به وآخر تاريخي. علموهم ألا يفرقوا بين اليهودية والمسيحية والإسلام والبوذية والكنفوشيسية، فكلها عقائد لا تختلف عن بعضها، تنبثق من بناء إنساني واحد هو «التأليه»، ومن أساس نفسي واحد هو «الأسطورة»، وأنها من صنع الجماعات الدينية الأولى. علموهم أن الدين كله يعود إلى عوامل تاريخية وجغرافية محضة، وليس هناك وحي ولا إله، كل العقائد عندهم تضر أكثر مما تنفع. علموهم أن العقائد قانون مصطنع يتغير حسب الزمان والمكان، وحينها تتغير الحاجات تتغير القوانين. وكل المحرمات عندهم تتغير حسب الظروف، فآمن هذا اليسار بأن العقائد نتاج التاريخ، وأنها من صنع المجتمع ومن صياغة الفقهاء.

 علموهم أن الخرافة هي أصل من أصول التدين عند العامة، أما هم المفكرون والمثقفون والفلاسفة فعليهم أن ينبذوا كل ما خرج عن شهادة الحس والعقل السليم، فخرجوا لنا بأن الإسراء والمعراج خرافة، وكل ما يذكره الدين من معارج إلى السماء ومن الاطلاع على العلوم العليا خرافة أيضًا، اقتنع اليسار بأن بلاده لا زالت ترزح تحت العبء الأسطوري والعقلية الغيبية، وأن الأجدى لها أن تقترب من العقلية المضادة لها والعقلية التجريبية، كما اقتنع هذا اليسار أيضًا بأن بلاده لابد أن تتشبع بالنظرة المادية؛ حتى تحقق التوازن في بنائها النفسي، مثلما فعلت أوربا، وحتى تقضي على الأسطورة والدين، وتصبح التجربة عندها هي المصدر الوحيد للمعرفة.

 علموهم بأن هدم العقائد أو رفضها سهل، وأن ذلك قد تحقق في الحضارة الأوربية، فخرجوا لنا بأنهم لا يريدون هدم العقيدة رغم سهولة ذلك عندهم، أنهم يريدون إعادة بناء العقيدة؛ لكي تتفق مع روح العصر وليس لكي يتفق العصر مع العقيدة.

 علموهم أن النصوص الدينية تقضي على تجانس الفكر، وتنقص من يقينه الداخلي، فخرجوا لنا بأن الدين خیال ورمز، وأن الحقيقة الدينية هي للعامة، وليست للمفكرين أمثالهم. قالوا لهم: «اسحقوا الملعون»، ذلك الدين الذي يمثل الخرافة والجهل والوهم والإرهاب والتسلط والوصاية والنفاق والكذب والتضليل، فقاموا يدمرون الدين والعقيدة والكتاب والسنة.

 تمكنت أفكار علماء وفلاسفة الغرب من هذا اليسار، فاضطربوا في فهم الله، فمرةً يرون أن الله قد مات، ومرةً يرونه بأنه نظام الطبيعة الشامل، وثالثةً يرونه بأنه فرض إنساني، ورابعةً يرون أن الحقيقة هي وجود الإنسان.

علموهم بأن الدين كله أقوال ظنية، وأنه ليس هناك تفسير صحيح واحد للدين، وأن الدين في ذاته افتراض عقلي أو مجرد إمكانية، وأنه لا يوجد إلا من خلال تفسيراته الداخلية، وأنه مهما اختلفت تفسيرات الدين فكلها ردود فعل على بعضها البعض، يحكمها قانون الجدل، وأن الدين قد يكون تجربة محضة، أو إرادة للاعتقاد، أو خبرة صوفية، أو أنه تناقض، أو فضيحة، أو عار، أو لا معقول، أو عبث. واقتنع هذا اليسار - كما علمه الغرب - بأنه من حقه أن يفهم الدين كما يشاء، وأن يفسر الوحي كما يهوى، وأن لكل فرد أن يفسر كما يشاء، أو يؤمن كما يشاء، وأن يتصور كما يريد، بغض النظر عن صحة هذا الفهم وهذا التفسير وهذا التصور أو عدم صحته.

 علموهم أن الدين هو الأخلاق فقط، وأن عليهم أن يفرقوا بين الأخلاق والعبادة؛ لأن شعائر العبادة ما هي إلا جنون ديني، والجنون الديني عند الغرب مجموعة من العبادات الباطلة التي تدعي إرضاء الله، في حين أنها ضد مقاصد الله وعبادته. علموهم أن العبادة هي كهنوت يأخذ شكل شعائر وطقوس ومظاهر خارجية، وهي أقرب إلى النفاق والنفعية منها إلى الدين، وهي تقع في الجهل والخرافة. وبعد أن استوعب اليسار هذا الدرس جيدًا ساوى بين الذهاب إلى بيت الله الحرام والذهاب إلى الكنيسة، وضم الصلاة والصيام والأضاحي إلى قائمة الجنون الديني، واقتنع أن العبادات وقوع في الخرافة وتجارة خاسرة، لا يحتاج إليها الرجل الفاضل الذي يهتدي بنور العقل، ولا يمارس هذه الشعائر؛ لأن من يمارسها لا يبغى إلا مصلحة عاجلة من مدح أو تقرب أو زلفي أو تعويض أو نفاق، واقتنع اليسار - كما علمه الغرب - بأن ممارسة هذه الشعائر لا تفترق عن عبادة الحيوانات والنباتات، وأن ممارسة العبادات جرائم، من المفروض أن يعاقب عليها كل من يزاولها؛ لأنها تضر بالمجتمع، وخاصة إذا ما تمت في صورة أضاح وقرابين، وانتهى هذا اليسار إلى القول بأن الدين مسطور في القلب لا في المصاحف، وأن الدين في السلوك الفاضل، وليس في الشعائر والطقوس، وأن رعاية الإنسان أولى مما يسمونه بإقامة المراسيم الله.

 علموهم بأن أهم مكاسب الحضارة الأوربية هي نقدها للتوراة والإنجيل، فطبقوا ذلك على القرآن، وأنكروا على الله عز وجل حفظه له، ورفضوا إثبات المصدر الإلهي لكتاب الله قبل أن ينقدوه. علموهم بأن يتركوا إيمانهم جانبًا فالناقد يجب أن يكون عديم الإيمان؛ حتى لا يتدخل إيمانه في تزييف ما يسمونه بالبحث التاريخي.

 قالوا لهم: بأنهم رفضوا سلطة الكنيسة في التفسير، وأن التفسير لا يتطلب إلا النور الفطري الذي يستنبط الأشياء الغامضة من الأشياء الواضحة، فنصبوا من أنفسهم أئمة للتفسير، يفسرون القرآن على هواهم؛ حتى يتوافق مع منظوراتهم، فقالوا: إن الملكية في القرآن لم ترد بمعنى الملكية الخاصة مطلقًا، وأن الإرث والميراث في القرآن لم يردا بمعنى الإرث الشخصي ولو مرةً واحدةً، وأن آيات الميراث شرطية، وأنها حالات قد تحدث ولكنها لا تحدث بالضرورة.

 هذا اليسار وفلاسفة التنوير

أقنعتهم أفكار فلاسفة التنوير بأن ما في الكتب المقدمة ليس بعقائد أو بنصوص مقدسة، وأن نقدها أصبح علمًا، فانطلق هذا اليسار يعبث بكتاب الله وبأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، كما فعل أساتذة لهم من قبل. اكتشف فلاسفة وعلماء الغرب تصادم أديانهم مع عقولهم، وأن العقل لا يقبل ما فيها من خرافات، فحمل هذا اليسار نفس هذه الدعوة لهدم الجانب الغيبي في الإسلام، على أساس أن الإسلام دين العقل، ناسين أن الله تعالى داخل في الغيب، وأنه أثنى في كتابه على الذين يؤمنون بالغيب.

 علمهم الغرب أن الدين الشامل هو دين العقل، وأن الإنسانية بدأت بالشرك وانتهت إلى التوحيد بعد أن استنار العقل، وأن هذا الدين الشامل كان نتيجة طبيعية لتطور الوحي الذي بدأ بمخاطبة الإنسانية على مستوى تطورها البدائي بقانون الترغيب والترهيب ممثلًا في اليهودية، ثم خاطبها بالحب والدعوة إلى العدل والإحسان ممثلًا في المسيحية، وأخيرًا خاطبها بالعقل المستقل وهو مرحلة فلسفة التنوير، تارة ينكرون الوحي وتارة يعترفون به. وحينها اعترفوا بأن هناك وحي، وادعوا بأنه يتطور، ربطوه بفلسفة التنوير التي قال عنها هذا اليسار: إنها لعبت دورًا حضاريًّا من أجل القضاء على الوهم والخرافة، وبها استطاع العقل القضاء على ما يسمونه ببقايا السلطة والخرافة والعقائد الموروثة والتعصب. 

ومن الغريب أن يستخف هذا اليسار بالعقول، فيربط فلسفة التنوير بالإسلام. لم يذكر علماء وفلاسفة الغرب وهم يتحدثون عن مراحل ارتقاء الوحي الإسلامي مطلقًا، فهم لا يعترفون به لكن اليسار - لا نعرف عن جهل أو عن عمد - اعتبر أن الإسلام هو المرحلة الثالثة من مراحل ارتقاء الوحي الذي تحدث عنه الغرب، لكن هذا اليسار يفضح نفسه، فحينها علمه الغرب أن تطور الوحي يسير إلى الأمام لا إلى الوراء، وقف متعجبًا كيف أن الناس في بلادنا يدعون إلى عصر السلف الأول وأصوله الأولى ونقائه الأصلي؟ وكيف أن الناس في بلادنا يقفون عند النموذج الأول في تطبيق الوحي عندما تحقق لأول مرة في صدر الإسلام؟ فهذا يناقض ما تعلموه من الغرب.

 من هو الإله؟

 علمهم الغرب أن العقل هو الإله، وأنه يتمتع بكل صفات الله المطلقة من العلم المطلق والسيادة المطلقة، وأنه الحاضر في كل فرد، وأنه أعدل الأشياء قسمة بين الناس. علمهم الغرب أن التنوير قبل التنوير، وأن التنوير يعني إقامة الحياة في كل أنشطتها على العقل، فانطلق هذا اليسار يطالب بإخضاع الدين للعقل، وأن يكون الدين في حدوده فقط، ونادى بأن يكون العقل أساس الشرع، ولابد أن يؤول الشرع ليتسق مع العقل، وتطاولوا بقولهم: بأن العقل ما كان في حاجة إلى الشرع؛ لأن العقل فيه ما يفيه. وأيد هذا اليسار نظريات التأويل عند الفلاسفة القدامى، واعتبروا أن نظرية قدم العالم تعتبر ثورة في التفكير الديني، بالرغم من اعترافهم بأنها تتناقض مع ما يسمونه بالدين الموروث، وانطلق هذا اليسار يحطم كل شيء، واعتبر أن الفقه الأكبر للأمام أبي حنيفة نوع من التخبط في العقائد. لقد استوعب هذا اليسار كل ما تعلمه من القاموس الفلسفي للغرب، وآمن كما آمن الغرب برفض كل ما يتعارض مع العقل في ميدان العقائد وما يتعارض مع المنفعة في مجال السلوك، ورحم الله علماءنا الذين قالوا: نحن نؤمن إذا آمن الغرب، ونكفر إذا كفر الغرب.

 اعترف الغرب بأن العقل عنده في أزمة، لكن هذا اليسار قد كبر عليه ذلك، وكيف يتصرف والغرب عنده هو القدوة، فحول أزمة العقل في الغرب إلى بلادنا، واعتبر هذه الأزمة انتصارًا للعقل في الغرب. لقد وصل الأمر بالغرب في اتهامه للعقل أن جعله موضعًا للتهكم والسخرية، رفض هذا اليسار اتهامات الغرب للعقل بالصورية والمادية والخارجية والثبات والبرودة والمثالية.. إلخ قائلًا للغرب: إن حضارتكم أثبتت أن كفاح العقل الطويل ضد الخرافة والوهم لابد وأن ينتصر في النهاية. حول هذا اليسار أزمة العقل في الغرب إلى انتصار، فلو اعترف هذا اليسار بهذه الأزمة لأسقط من يده هذا السلاح الذي يعبث به بكتاب الله عز وجل، وبه يرفض القديم، وينقد الموروث، ولا يستعين بوحي ولا نبي. قال هذا اليسار للغرب: إن الأزمة الحقيقية للعقل إنما هي في بلادنا تلك التي تصر على الإيمان بالغيب، ويسود فيها الخرافة والوهم، وطلب هذا اليسار من بلادنا أن ترى انتصارات العقل في الحضارة الغربية، وأن تعتبرها نموذجًا لها إن أرادت أن تكافح باسم العقل ومن أجله.

 الإيمان والإلحاد الأوروبي

 وحتى مفاهيم الإيمان والإلحاد أعاد هذا اليسار بناءها؛ حتى تنسق مع مفاهيم الإيمان والإلحاد الأوربي، ولتكون أكثر طوعًا مع منظوراته الثورية التقدمية. ليس الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فهذه مفاهيم كلاسيكية لا تتسق مع العقل. علمهم الغرب أن الملحدين هم المشتاقون حقًّا لله، وأن الإلحاد هو الإيمان الحقيقي؛ لأنه هو الإيمان الخالص من كل مظاهر الوثنية التي هي إيمان العوام. علمهم الغرب أن الملحد هو المؤمن إذا كان إلحاده إثباتًا للحرية وتأكيدًا لوجود الإنسان في العالم، فانطلق هذا اليسار معلنًا بأن الإلحاد الأوربي هو الإيمان الحق، وأن الإلحاد في أوربا أدى إلى خير أكثر مما أراده الإيمان. 

الإلحاد الأوربي هو الذي أوصل أوربا إلى رفض الجوانب الأسطورية في فكرها، وهو الذي أدى إلى الالتصاق بحياة الناس وإلى تقوية الإيمان بالإنسان وبقدرته وفعله. الإلحاد الأوربي جعل الحياة أفضل من الموت، والدنيا أفضل من الآخرة. وإيمانًا بهذا الذي تعلمه هذا اليسار من مفاهيم الإيمان والإلحاد الأوربي، واتساقًا مع منظوراته الثورية التقدمية أعلن هذا اليسار أن كل من يلتزم بقضايا العصر، ومن يساهم في ثورات الشعوب، ومن يعمل على تحرير الأرض وإطعام الجوعى هو المؤمن حقًّا. أنه إيمان اليسار، إيمان المثقفين الثوريين، الإيمان بالتقدم وبمصلحة الشعوب، وكأنما لا تتحرر الأرض، ولا يطعم الجوعى، ولا تتقدم الشعوب إلا إذا ألحد الناس. ومن هذا المنطلق اعتبر اليسار أن تفكيرنا الديني هو الذي أدى إلى هزيمتنا في حرب ١٩٦٧.

مهاجمة النبوات

 هاجم الغرب النبوات والمعجزات، فهاجمها هذا اليسار أيضًا. علمه الغرب أن الأنبياء جهلوا الكثير من الحقائق، وأن النبوة ليست ذات مصدر إلهي، وأنها واقعة إنسانية، وأن الدليل هو وجود النبي وليس وجود الله، وأن النبوة لا تتطلب إلا خيالًا خصبًا، وأنه لم يكن للأنبياء فكر أكمل بل خيال أخصب. علمهم الغرب - وخاصة اليهود منهم - أنه لا يجوز لنا تصديق الأنبياء إلا في الأمور النظرية. وأنه لا فرق بين النبي والفيلسوف، وأن الفيلسوف يستطيع إدراك حقائق الوحي بالنور الفطري، وأن الفيلسوف لا يحتاج إلى الرواية التي هي ضرورية للعوام فقط.

 علمهم الغرب - وخاصة اليهود منهم - أن الأنبياء ساروا وراء خيالاتهم وانفعالاتهم، وأنهم كثيرًا ما فعلوا الشر، وأن الأنبياء بدءًا من إبراهيم عليه السلام لم يدركوا أوامر الله إدراكًا كافيًا، وأن المسيح عليه السلام لم يكن نبيًّا؛ وإنما كان فيلسوفًا، وأن المسيح قد أرسل للجنس البشري قاطبة.

 تعلم هذا اليسار من «فولتير» كما تعلم «طه حسين» من قبل أن إبراهيم عليه السلام لم يكن نبيًّا حقيقيًّا، أو أن حياته كانت تجري بعناية إلهية، وإنما هو شخصية تاريخية وجغرافية ونفسية بحتة، تخضع لنفس العوامل التي يخضع لها البشر جميعًا أنبياء كانوا أم غير أنبياء.

 وما أن وعى هذا اليسار هذا الدرس جيدًا حتى قلد النبوة نفسها لكل من «فولتير» و«روسو»، واعتبرهما من أنبياء العصر الحديث؛ لأنه إذا كان الوحي يهدف المصلحة البشر، فإن هذين النبيين يعملان أيضًا لمصلحة البشر. هذا الدرس الذي تعلمه اليسار من الغرب، جعله يتحسر على أن «الرازي» و «ابن الرواندي» لم يستكملا جهدهما في نقد النبوات، وأنها كنموذجين قد استئصلا من تراثنا القديم، وأن هذا الاستئصال قد تسبب في غيابهما عن وعينا القومي ووجداننا المعاصر.

 أصبحت النبوة بعد تصديق هذا اليسار الفلاسفة الغرب ومفكريه ملكًا مشاعًا بين من يستوفون المواصفات اللازمة لإرشاد الناس لما يتصورون أنه في صالحهم. وهم وإن كانوا يستهدفون تنزيل الأنبياء إلى درجة الناس العاديين، فإنهم يفتحون الطريق أمام أنفسهم لإحراز مرتبة النبوة، وهذا ما يسعى إليه «حسن حنفي» بأن يكون نبي الثورة ومفكرها وفيلسوفها. ورحم الله علماءنا حينما قالوا: «إن الذين ينشدون أنبياء طبيعيين، إنما يريدون أن تكون رسالتهم من الطبيعة لا من الله».

 انكسار المعجزات

 تعلم هذا اليسار من الغرب أن المعجزة ليست شيئًا خارقًا لعوائد الكون، وإنما هي عمل من أعمال الطبيعة. علمهم الغرب - وخاصة اليهود منهم - أن وجود المعجزات تجعلنا نشك في وجود الله، وأن الإنسان الساذج هو الذي ينسب الأشياء التي يجهلها إلى الله، وأن المعجزة التي تخرق قوانين الطبيعة لا تؤدي إلى معرفة الله، وأن الإيمان بالمعجزات يؤدي إلى الكفر والإلحاد، وأن كل واقعة مناقضة للطبيعة خرافة يجب اعتبارها زيادة في كتاب الله، وأن إثبات المعجزة يعني استحالة وجود الله.. وما أن تعلم هذا اليسار هذا الدرس من الغرب؛ حتى انطلق يعلن أن عصر المعجزات قد انتهى منذ عشرين قرنًا، وأن آخر المعجزات كانت ظهور المسيح عليه السلام، وأنكر هذا اليسار المعجزات؛ لأنها كسر القوانين الطبيعة، وأنه لا يؤمن بتدخل قوى مجهولة في الطبيعة لتأكيد المعجزات.

وحتى يعطي هذا اليسار مبررًا لمقولته في تطور الوحي، تلك التي استنبطها من الغرب، ادعى أن الإسلام الذي يمثل عنده آخر مرحلة من مراحل الوحي والمرتبط عنده بالتنوير يعتبر أقل الأديان ذكرًا للقصص والمعجزات، وأن الجانب الغيبي فيه يكاد يكون معدومًا.

 وهو قول يدل على أن هذا اليسار قد لا يكون قد استكمل قراءة سورة واحدة من سور القرآن. لا يميز هذا اليسار بين خارق العادة الممكن وخارق العقل المستحيل. يريد هذا اليسار الذي يتمسح بالإسلام ويدعي أنه يؤمن بالله، ثم ينكر المعجزات أن يقيد الله تعالى بالنظام الذي وضعه تعالى بإرادته وقدرته واختياره، وكيف يكون القادر المختار عاجزًا عن تغيير ما وضعه متى شاء ذلك، وهناك إحدى وثلاثون آية في القرآن تدل على معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن، تفاصيلها جميعًا أوردتها كتب الحديث والسيرة وكتب دلائل النبوة. 

نسي هذا اليسار أن العقل الذي يتكئون عليه في إنكار المعجزات هو أكبر معجزة في حد ذاته، والحماقة كما يقول علماء المسلمين: «هي أن يؤمن أناس بالله، ثم لا يعترفون بسعة قدرته التي وسعت خلق السماوات والأرض لخلق معجزة بتغيير أقل جزء من أجزائهما، وهي حماقة تختلف عن حماقة الإلحاد إن لم تكن أكثر منها كانت أظهر. وإنكار المعجزة يتضمن إنكار النبوة، فتشتد الحماقة وتتضاعف فيمن يؤمن بالأنبياء وينكر معجزاتهم؛ لأن نبوتهم تبدأ من الإيحاء إليهم الذي إن لم يكن معجزة لاقترانه بالتحدي، فهو معجزة من حيث إنه خارق للعادة؛ لأن منكر المعجزات ينكرها لخرقها للعادة».

 تعلم هذا اليسار من الغرب أن المعجزة عمل من أعمال الطبيعة، في حين أن الحكم فيها بالإمكان والاستحالة لا يدخل في اختصاص العلم الطبيعي، وأن كون المعجزات مخالفة لسنة الكون لا يمنع من وقوعها، بل إن هذه المخالفة لازمة مطلوبة؛ لتكون المعجزة معجزة.

 أحد المراجع

 وهذا اليسار معجب بالشيخ «رشيد رضا»؛ لأنه في نظرهم درس وقيم الأساليب الدينية، وحاول القضاء على الأسطوري منها، والرجوع إلى ما يسمونه بالأساليب الدينية البسيطة. ولا يمكن أن يعجب اليسار بأحد الشيوخ إلا إذا كانت لآرائه مطابقة لأهوائهم مخالفة لجوهر العقيدة.

 وقد بحثنا عن هذا السر الذي أعجب اليسار من أجله بالشيخ «رشيد رضا»، فوجدنا أن الشيخ في تفسير المنار لم يعترف بمعجزة انشقاق القمر، وفسرها بمعنى «ظهر الحق»، واعتبر الشيخ في كتابه «الوحي المحمدي» أن الخوارق الكونية شبهة عند علماء عصره، لا يؤمن بها إلا الخرافيون. وكان الشيخ «محمد عبده» قد سبقه في هذا المضمار حينما فسر سورة الفيل بأن جيش أبرهة قد أهلكه وباء الجدري من غير أن يكون هناك طير أبابيل ولا حجارة من سجيل.

 أعجب اليسار بالشيخ «رشيد رضا» حينما رفض اعتبار معجزات الأنبياء حجةً، رغم أن القرآن قد عبر عن تلك المعجزات مرةً «بالحق»، وثانيةً «بالبينات»، وثالثةً «بالآية الكبرى»، ورابعةً «بالبرهان»، وخامسةً «بالسلطان»، وسادسةً «بالفرقان».

 أعجب هذا اليسار بالشيخ «رشيد رضا»؛ لأنه استهان بالمعجزات الكونية، وأسماها «بالعجائب» التي لا يؤمن بها إلا الخرافيون، في حين أن الله تعالى في قوله: ﴿كَذَٰلِكَ نَسلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلمُجرِمِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِهِۦ وَقَد خَلَت سُنَّةُ ٱلأوَّلِينَ﴾ (الحجر: 12، 13) قد شبه الذين لا يؤمنون بالقرآن بالذين لم يؤمنوا بمعجزات الأنبياء السابقين.

 

الرابط المختصر :