; ثورة ليبيا، هل توقظ الشهية الاستعمارية لدى الغرب؟! | مجلة المجتمع

العنوان ثورة ليبيا، هل توقظ الشهية الاستعمارية لدى الغرب؟!

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1943

نشر في الصفحة 17

السبت 12-مارس-2011

  • ألمانيا ليست أقل خوفًا على مصالحها من الولايات المتحدة.
  • القوى الغربية لم تعلن عن إرسال قوات إلى ليبيا خوفًا من الوقوع في شرك مقاومة شعبية محتملة كما حدث في أفغانستان.
  • «شبيجل أون لاين»: ألمانيا تمارس دورًا نشطًا في البحر المتوسط، وتدخلها خطوة متقدمة نحو العودة لدائرة القوى العظمى.
  • قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى جانب التحركات العسكرية تشابه خطوات مرحلة ما قبل غزو العراق.
  • الحظر الجوي بحجة حماية المتظاهرين، قد يكون لمنع الطائرات الليبية من التعرض للقوات الغربية المهاجمة.
في الثالث من شهر مارس الجاري، كتب الألمانيان «بيتر شوارتز» و«أليكس لانتير» مقالة بعنوان: «الإمبريالية الألمانية والأزمة في ليبيا»، جاء فيها ما يلي[1]: «منذ عدة أيام مضت، وفي وقت لم تكن فيه الولايات المتحدة قد بدأت في الاستجابة للتطورات الأخيرة في ليبيا، أرسلت البحرية الألمانية ثلاث سفن حربية مع ستمائة جندي رست على حدود الشاطئ الليبي، كما أقلعت طائرتان مقاتلتان ألمانيتان من جزيرة «كريت» إلى ليبيا، وهناك وحدات متعددة من ناقلات الجنود قامت بالتدريب على إجراء عمليات سرية خلف خطوط العدو التحقت بالوحدات الموجودة في كريت.

كان التبرير الظاهر لهاتين العمليتين هو الاشتراك في عملية إخلاء المواطنين الأوروبيين من موقع حقل «النافورة» النفطي، بعد أن واجه العقيد «معمر القذافي» معارضة جماهيرية داخلية متزايدة، وانقلب بعض مؤيديه ضده. 

والحقيقة أن ألمانيا قد انتهزت هذه الفرصة لتظهر كشريك كامل مع القوى العظمى في عملية التدخل الاستعماري في ليبيا، ولاقتسام الغنائم مع هذه القوى. 

لكن الواقع أيضًا أن القوى العظمى لم تعلن صراحة أنها أرسلت قوات لها إلى ليبيا، فهي تخشى أن تقع في «شرك» لا تستطيع أن تخرج منه بسبب المقاومة الشعبية الليبية المحتملة كالذي وقعت فيه في أفغانستان، خاصة وأن جماهير «الشرق الأوسط» بدأت تنهض الآن ضد النظم الدكتاتورية التي تحميها القوى الاستعمارية الغربية. 

واندفع الإعلام الألماني للحديث عن الحظر الجوي المزمع فرضه على السماء الليبية، كما أكدت وسائل الإعلام كذلك تجميد الأموال الليبية في الخارج. 

وتبرر كل هذه الإجراءات على أسس إنسانية قوامها حرية التعبير وحماية المتظاهرين من نظام «القذافي» الاستبدادي، وهذا لا ينطلي على أحد؛ بل إنه موضع للسخرية، وليس هناك أي مصداقية لهذا القول.

مصالح مكثفة

الإجراء الذي قامت به الحكومة الألمانية لم يكن له شبيه في الحالات المماثلة في تونس ومصر واليمن والبحرين، فالنظام في هذه البلدان أطلق النار على المتظاهرين، ولم تتخذ الحكومة الألمانية من الإجراءات ما اتخذته عند حدوث الاضطرابات في ليبيا.

وهذا يطرح سؤالًا: لماذا تحرك الرسميون في الدولة وفي أجهزة الإعلام للدفاع عن هذه الإجراءات؟

إن ليبيا تحتفظ باحتياطي نفطي كبير وتصدر كميات كبيرة منه إلى أوروبا، ولهذا فهي فرصة متاحة لأوروبا التي مازالت تترنح بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية في نهب الثروات الليبية. 

أقامت الشركات الألمانية مصالح مكثفة في ليبيا بعد أن زار المستشار الألماني «جيرهارد شرودر» ليبيا في عام ٢٠٠٤م، ووصلت استثمارات شركة «باسف إنترناشيونال» إلى (۲) بليوني دولار. ودخلت الشركات الألمانية الصناعية مثل «سيمنز» إلى السوق الليبية، وحققت أرباحًا هائلة.

ليست ألمانيا أقل خوفًا على مصالحها من الولايات المتحدة إذا سقط «القذافي»، لكن المشكلة هنا هي أن القوى المعارضة لنظام «القذافي» ترفض بشدة التدخل الأجنبي للقوى الكبرى، وقد عانت ليبيا كثيرًا من الاستعمار الإيطالي، ولها خبرة طويلة في مقاومة المستعمر، وساعد «القذافي» على تغذية هذه المشاعر قبل أن يتصالح مع الإمبريالية الغربية.

دور نشط

إن الدفاع عن استثمارات الشركات الألمانية التي أقامتها في عهد «القذافي» يتطلب من «برلين» أن تكون قادرة على التهديد باستخدام القوة العسكرية للدفاع عن هذه الاستثمارات، وهذا في حد ذاته سبب قوي لإرسال الجيش والبحرية الألمانية قواتهما إلى حدود الشواطئ الليبية.

نقول بصراحة إن هذا الأمر يعني تأكيد عودة الشهية الاستعمارية لدى ألمانيا، وانبعاث روح التنافس مع القوى الاستعمارية الكبرى الأخرى لاقتسام الغنائم.

جاء على موقع «شبيجل أون لاين»: إن «ألمانيا تمارس دورًا نشطًا في البحر المتوسط، ولا تقدم تنازلات إلى فرنسا وإيطاليا بحكم رسوخ أقدامهما وصلاتهما السابقة في المنطقة، وإن تسرع النخبة الحاكمة الألمانية في استعراض عضلاتها العسكرية في ليبيا يعطي فرصة ثمينة، لألمانيا للتخلص من مخلفات ما تبقى من قيود مفروضة على الجيش الألماني بعد الحرب العالمية الثانية.

إن التدخل الألماني في ليبيا خطوة متقدمة نحو العودة الكاملة لدائرة القوى العظمى، وهذه الخطوة امتداد في الواقع لخطوتي مشاركة ألمانيا في كل من حرب كوسوفا، واحتلال حلف شمال الأطلسي «الناتو» لأفغانستان».

حملة منسقة

كل ذلك يتوافق مع الحملة المنسقة التي يشنها السياسيون الألمان للقضاء على مشاعر الشعب الألماني المضادة للعسكرة، وهو الأمر الناتج عن خبراتهم القاسية والمدمرة التي نسجتها النازية الألمانية في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وبعد أن استقال الرئيس الألماني «هورست كوهلر» في مايو الماضي «۲۰۱۰م» احتجاجًا على انتقاد مقولته: إن «انتشار القوات الألمانية في أفغانستان يهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية الألمانية»، دافع وزير الدفاع «كارل تيودور ذو جيتنبرج» عن استخدام القوات الألمانية للدفاع عن المصالح الاقتصادية للبلاد.

لقد كانت الحكومة الألمانية المحافظة قادرة على الحفاظ على هذا الاتجاه دون أن تواجه أي عراقيل، بسبب عدم وجود معارضة من الأحزاب السياسية المؤيدة لاتجاه البلاد نحو العسكرة والتوسع الاستعماري، وقمع مشاعر الشعب الألماني المضادة لهذا الاتجاه.

وما يؤيد ذلك، أن رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي في البرلمان الألماني، ووزير الخارجية السابق «والتر شتاينماير» عبرا عن ترحيبهما بالعقوبات التي فرضها مجلس الأمن على ليبيا، وأيدت الحكومة الألمانية ذلك، كما أيد «جيرنوت إيرلر» نائب الرئيس الألماني الحظر الجوي على السماء الليبية، وفقا للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، علما بأن هذا البند نفسه تم استخدامه من قبل الإدارة الأمريكية لتبرير الحرب على العراق.

خطة سريعة

نضيف إلى ذلك، أن زعيمة حزب الخضر «كلوديا روث» هاجمت الحكومة الألمانية بسبب موقفها المتساهل من ليبيا، وقالت: إن «العقوبات الأوروبية على ليبيا جاءت متأخرة، بل إنها أكثر من متأخرة».

كما انتقدت تقاعس الاتحاد الأوروبي إزاء ليبيا، ودعت الحكومة إلى المساعدة في صياغة سياسة أوروبية حازمة ضد «القذافي» مرتبطة بخطة واضحة فاعلة وسريعة وموحدة.

أما حزب اليسار، فقد وافق الأحزاب الأخرى وأحجم عن توجيه الانتقاد للحكومة الألمانية بسبب نشرها قوات بحرية على الشواطئ الليبية، ولم تظهر «كريستين بوشهولز» العضو التنفيذي للحزب أي معارضة ذات مبدأ للتدخل الألماني في ليبيا، وشددت على أن «التخلص من «القذافي» يقع على عاتق الشعب الليبي وليس القوى الاستعمارية».

فرصة سانحة

ويمكن حصر ما انتهى إليه الكاتبان فيما يلي:

أولًا: إنهما أكدا أن ثورة ليبيا قد جعلت الفرصة سانحة لغزو ليبيا ونهب ثرواتها، خاصة وأن الخطوات التي اتخذتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى جانب التحركات العسكرية تشابه خطوات مرحلة ما قبل غزو العراق، كما أن الحظر الجوي على السماء الليبية بحجة حماية المتظاهرين قد يكون لمنع الطائرات الليبية من التعرض للقوات الغربية المهاجمة.

ومن هنا، فإن كافة تبريرات التدخل المغلفة بالاعتبارات الإنسانية ليست ذات مصداقية، أما التردد في اتخاذ هذه الخطوة فيرجع إلى الخوف من أن تكون ليبيا «أفغانستان» أخرى بفعل المقاومة الليبية ذات التاريخ الجهادي ضد الإيطاليين. 

ثانيًا: إن هذه الثورة قدمت الفرصة الثالثة لألمانيا للخروج من القيود التي قيدتها بها دول أوروبا، وخاصة من الناحية العسكرية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، كما أن الخلاص من الحظر الأوروبي على عسكرة ألمانيا سيتيح لها الدخول في دائرة الدول العظمى واقتسام الغنائم معها وهذا ما تؤيده الحكومة ومختلف الأحزاب الألمانية بما فيها أحزاب اليسار.

لكن من المهم أن نعرف أن هذين الكاتبين من أصحاب الفكر اليساري في الأصل، كما يظهر ذلك في نهاية المقالة سالفة الذكر؛ حيث يقولان: إن «القضايا السياسية والاجتماعية التي دفعت الملايين للخروج إلى الشوارع في دول الشرق الأوسط والمغرب، وما ارتبط بها من الاحتجاج على الفقر، وعدم المساواة، والافتقاد إلى الديمقراطية، لا يمكن حلها في إطار النظام الرأسمالي». 

ويضيفان إن «الصراع من أجل الديمقراطية يرتبط بقوة بالصراع من أجل سلطة العمال، والتحول نحو المجتمع الاشتراكي في منطقة الشرق الأوسط وعبر العالم، وعلى العمال الألمان أن يتضامنوا مع العمال الليبيين والعرب المعارضة أي تدخل عسكري، والدعوة إلى التعبئة ضد مستغليهم في الداخل، ولكن على أساس سياسة اشتراكية دولية».[2]

راية الحق

ما نستخلصه من مقالة للكاتبين الألمانيين اليساريين، أن الغرب يسعى إلى احتلال أراضينا أو إقامة قواعد عسكرية فيها على الأقل، ونهب ثرواتنا تحت شعار الديمقراطية التي يروج ويخطط لها. 

ورغم سقوط الشيوعية، ورغم أن المسلمين ذاقوا الويلات في ظل الحكم الشيوعي؛ فإن أصحاب الفكر اليساري سواء في الداخل أو الخارج لا يزالون يدعوننا إلى سبيله نفسها، والمتظاهرون -سواء في مصر أو تونس أو ليبيا أو في العديد من البلدان العربية- يرددون دون أن يدروا شعارات هذا الفكر، ويعتقدون أنهم يدعون إلى الحق والعدل والمساواة ورفع الفقر والظلم، إلخ، وغابت عنهم الطريق الحقيقية التي يجب أن يسيروا فيها لتحقيق ما يهتفون به ويدعون إليه. 

يقول الأستاذ «أحمد بوادي»: «من قال: إن الحق ينصره الباطل -كالديمقراطية- وهو الذي يجادل لدحضه؟ ومن قال: إن راية الحق ترفعها عصابات الباطل -كأهل اليسار- وهي التي تخاصمه؟ إن كان لا بد من المناداة لهذه الثورات فينبغي أن تكون راياتها من أجل دين الله ليتحقق أمنهم وإيمانهم، وشرع الله كفيل بضمان معيشتهم الطيبة وحياتهم الآمنة»[3]

[1]  Peter Schwarz and Alex Lantier German Imperialism and the Crisis in Libya, Global Research March 3, 2011

[2] انظر: أحمد إبراهيم خضر، «في تعريف اليسار وخطر الفكر اليساري»، واليسار عدو خطر يدعو إلى تدمير الزواج والأسرة والدين والثقافة، قراءة في وثيقة أمريكية

www.alukah.net/Culture/023076/

[3]  أحمد بوادي، «الثورة التونسية والمصرية، وقيام الدولة الإسلامية»، موقع «بوابتي»

www.myportail.com/actualites-news-

web-20-.php?id=308

 

 

الرابط المختصر :