العنوان ثورة مصر, صناعة إلهية
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 05-مارس-2011
مشاهدات 58
نشر في العدد 1942
نشر في الصفحة 34
السبت 05-مارس-2011
- في ثورتنا المباركة كان يرافقنا جنديان من جنود الله, جندي «الغباء» وقد سلطه الله على «مبارك» وأعوانه, وجندي «الإصرار» وقد امتلأت به إرادة الشعب.
- كان الجميع ينزل من أجل الشهادة فكأننا في فريضة الجهاد.
- أحببنا هذه الحروف وتعايشنا معها: «ث و ر ة».
- بعد ارتقاء الشهداء واغتسال الأرض بدماء الجرحى انتفضت مصر من غيبوبتها وقامت مدافعة عن أبنائها.
- ليلة السقوط خرج «مبارك» على الناس والكل مشدوه لسماع إعلانه الرحيل لكنه صدم الجميع صدمة فجرت كل ما تبقى من إرادة وطاقة لدى الشعب مرة واحدة.
في ثورتنا المباركة، كان يرافقنا جنديان من جنود الله، جندي «الغباء» وقد سلطه الله على «مبارك» وأعوانه، وجندي «الإصرار» وقد امتلأت به إرادة الشعب بجميع الفئات والأعمار، وأسقط سبحانه بقدرته وإرادته ديكتاتورًا تهاوى كالشمع المحترق، واندهشت العقول على سهولة انهياره عندما أذن مولانا سبحانه وتعجب كيف رأته عقولنا كبيرًا جبارًا.
ولا نقول: إن هذه هي أولى محاولات إزالته، فالسجون المصرية المكتظة تشهد أن المحاولات كثيرة، وكان كل فرد يحتج ويعترض ويتصور أنه هو المحتج الوحيد، حتى حدثت ثورة تونس المباركة حينها شعر كل مصري أنه ليس وحده ، وفي يوم « 25 يناير» تصورنا أن المشاركين سيكونون قلة، ولكن سبحان الله خرج كل مصري وكأنه مشارك للشعب التونسي ثورته، وأنه ليس وحيدا ومعه شعب من الشعوب يقول: لا للظلم ويعمل لإزالته. وتعاملت السلطة بغباء شديد مع المتظاهرين بعنف وشدة، نفس الأدوات التي اعتادوا عليها وقهروا بها شعبا قوامه أكثر من ٨٠ مليونًا، كانت المفاجأة إصرارًا على المضي قدما في ثورة عارمة، وجاء يوم الغضب، ليخرج الشباب من المساجد مهللين مكبرين لا يستعينون إلا بالله العظيم وارتقى الشهداء واغتسلت أرض مصر بدماء الجرحى، فانتفضت من غيبوبتها وقامت مدافعة عن أبنائها، وشعرنا وكأن الهواء يتفجر منه الرجال والنساء والأطفال وخصوصا الشباب.
الجميع تكاتف وتعاون على أمر واحد: «سقوط هذا النظام»، الكل يساهم بعد أن فجرت دماء أبناء الشعب الطاقات، وأصر الجميع في ميدان التحرير على النصر، وكلما شعر المجتمعون بالحزن بعث الله لهم من يجدد الأمل.
ليلة سقوط الطاغية
وسأسلط الضوء على ما حدث ليلة السقوط، فقد خرج الطاغية على الناس والكل مشدوه لسماع إعلانه الرحيل بعد ما أصابه من خزي وبعد انتصار الثورة, فقد كنا نشعر بارتعاش مفاصلهم ودقات قلوبهم المتسارعة، ولكنه خرج على الناس وبصحبته الغباء، وتكلل خطابه بالفشل، ولكن سرت روح التحدي والإصرار بجانب الثوار، فقد صدم الجميع صدمة قوية صدمة فجرت كل ما تبقى من إرادة وطاقة مرة واحدة.
صرخ كثير من الشباب بهستيريا الغضب التي قادتهم إلى قصر «العروبة» سيرًا على الأقدام لشباب منهك أصلا من الاعتصام، وشباب هرولوا إلى «ماسبيرو» مبنى الإذاعة والتلفزيون وفي البيوت اندفع الناس إلى الشوارع يرفضون كل ما جاء بالخطاب، ويحاول الشباب الذي كان كامنا في بيته اللحاق بالمتظاهرين، وكانت ليلة يعد الله فيها الشعب إعدادا ليسدل الستار على حكم الظالم الطاغية.
وفي اليوم التالي من الصباح، ذهبت إلى میدان التحرير، وشعرت وكأن الأرض تتفجر بالشباب، فذهبت إلى «ماسبيرو» للمساعدة في محاصرته، فوجدت عددا من الشباب لم تستطع عيناي حصره وهم يكبرون الله ويسألونه: يا رب يا رب, فك الكرب»، منظر اقشعر له بدني، وذرفت عيناي فرحة بوجود الله في قلوبنا وعلى ألسنتنا، واستبشرت خيرًا، سألتهم: هل من معونة؟ قالوا: يا أماه، لا تحرمينا من الدعاء، توجهت صوب النيل ورفعت يدي إلى الرحمن الرحيم أثني عليه وأدعوه.
«يا مجري هذا النهر، ورافع هذه السماء يا من بيدك القدرة وبأمرك تتغير الأحوال فك كربنا هون علينا أمر هذا الطاغية وثبتنا».
منظر مهيب
سرتُ في طريقي وأنا أردد ما كان يدعو به الشيخ محمد جبريل في صلاة الجمعة التي شهدناها معهم، وكان المنظر مهيبًا، يجعل القلب يفرح والعين تدمع والأمل يكبر، اتجهت إلى ميدان التحرير وإذا بامرأة تخاطبهم قائلة: إن لي في الحياة ما يزيد على خمسين عاما، وبمعرفتي لربي طوال عمري أستطيع أن أقول بيقين: نحن منتصرون وتجدد الأمل وهتفت الحناجر «مش هنمشي, هو يمشي», «مش هنمشي, هو يمشي».
كانت القلوب والألسنة تتوجه لله بالدعاء، واكتظ الميدان بالناس بشكل غير مسبوق، ولم أجد موطن القدم، وسبحان الله في هذا الحشد الهائل لم يحدث ما يخدش الحياء لأي امرأة ولم تحدث سرقة واحدة، كان الجميع ينزل من أجل الشهادة؛ فكأننا في فريضة الجهاد جميعا متعبدون الرب عظيم يرانا ،ويسمعنا كنا نرى الشباب وهو يقرأ ورد قرآنه والفتيات مرددات أدعية الصباح والمساء، الجميع يتعامل مع الله، وبالطبع, مع هذه المشاعر تتحسن الأخلاقيات إلى أعلى درجاتها، وشعرت وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير بيننا بأخلاقياته التي نادى بها وحثنا عليها، أراها متمثلة في كل من حولي، وسبحان الله! تيقنت أن الشعوب عندما تقهر تُخرج أقبح ما فيها، وعندما تتحرر تُخرج أروع ما فيها، وهذا ما رأيته بأم عيني وما سمعته أذناي في شعبي.
أيام فارقة
أيام قليلة كانت فارقة، استطعت وقتها استيعاب قدرة الله في مساندة «صلاح الدين الأيوبي» في تحول الشعب المصري من حال إلى حال؛ ليقودهم في حرب كتب الله لها النصر، فقد تغير كل شيء إلى أروع ما نحب.
وجاء المساء، وقد تم الإعلان عن بيان يلقيه «عمر سليمان» نائب الرئيس عبر التلفاز بعد قليل، استقبلنا ذلك بفتور عجيب استفادة من كثرة الصدمات التي أصبنا بها مع كل بيان من بياناتهم التي كانوا فيها مغيبين ولذلك كانت الفرحة عارمة عندما أعلن تنحي الرئيس، فقد خرجت النساء إلى الشرفات يكبرن ويلوحن بالأعلام، وخرج الشباب إلى الشارع يكبرون ويطلقون طلقات «صوت» تعبيرًا عن الفرح الشديد، ووزع الناس «الشربات» بالشوارع، وذبح آخرون الذبائح، وبكى الكثير من الشباب فرحًا، وللجميع أن يتصور فرحة شعب محروم من الفرحة من عقود طويلة، فله سبحانه الحمد حمدًا يليق به ربًا كريمًا عظيمًا يدوم بدوامه ولا يفنى بفنائنا ونزل الناس إلى ميدان التحرير سعداء بتحررهم، وكانت ليلة صورها التاريخ لتظل في ذاكرة من عايشها تُروى للأجيال القادمة.
ومن الصباح الباكر، كان الشباب يحيون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم «نظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود»، وأخذوا في كنس ومسح ميدان الشهداء «التحرير»، بل لن أكون مبالغة إن قلت: إن أسَدَي قصر النيل كانا في أجمل صورة رأيتها لهما في حياتي، فقد أخذ الشباب في تلميع النحاس الذي لم نكن نراه من قبل، بل لقد ذهل الكثيرون عندما علم أنهم من النحاس أصلًا، وكانت لفتة لها دلالاتها الحضارية في طاعة رسول الله ﷺ، وقال عنه الآخرون حضارة, وهل يمثل الإسلام إلا أرقى حضارة مرت على البشرية جمعاء؟!
ظللنا نحتفل مع المحتفلين، ثم ودعنا كل بقعه من الميدان فقد كان لنا فيها جولات وصولات، وقلنا له: إلى الملتقى؛ فإن لم تتحقق مطالبنا إلى حضنك فإنا مجتمعون نسأله تعالى أن تمر الفترة المقبلة على خير فهي ثورته التي صنعها واستخدمنا فيها وهو سبحانه راعيها.