العنوان جدل بالمغرب حول أطروحة «التخلي عن مواجهة التحكم»
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر الخميس 01-سبتمبر-2016
مشاهدات 56
نشر في العدد 2099
نشر في الصفحة 42
الخميس 01-سبتمبر-2016
عنوان المقال ومضمونه هو ما أثار ردود الأفعال القوية ضده خاصة أنه جاء قبيل الانتخابات التشريعية في أكتوبر المقبل
أكثر الجمل التي انتقدها معارضو جبرون اعتباره التحكم في القاموس السياسي الراهن وصفاً توصف به الممارسات والأفعال ويغفل عمداً الحديث عن الجهات التي تقف وراءه
يرى أحد شباب العدالة والتنمية أن دفوعات جبرون أرضية لصياغة أطروحة جديدة منافِسة للخطاب الرسمي لقيادة الحزب وعدد من مناضليه
أثارت مقالة الباحث الإسلامي المغربي د. إمحمد جبرون تحت عنوان «حزب العدالة والتنمية ومواجهة التحكم.. في الحاجة إلى التخلي عن أطروحة الانتقال الديمقراطي» ضجة كبير2sة، أعقبها نقاش مستفيض في المغرب، شارك فيه عدد من الكتَّاب والصحفيين وأساتذة العلوم السياسية، بل وانتقل الأمر إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وساهم فيه عدد من المناضلين من الصف الأول أو الثاني في الحزب ذاته وخارجه.
ولتقريب فهم هذا الموضوع، اخترنا في هذا التقرير عرض السياق وملخص فكرة د. جبرون مع فكرة مؤيدة له، ورد فعل معارض أول لباحث إسلامي، وثانٍ لباحث يساري، دون إهمالنا لردود فعل أخرى أنه غير ذات أهمية.
ونعتقد بداية أن عنوان المقال ومضمونه وخاصة تردد كلمة «التخلي عن مواجهة التحكم» هو ما أثار كل تلك ردود الأفعال القوية لمقالة جبرون، علاوة على ارتباطها بالذات بالزمن الذي كتبت فيه؛ أي قبيل الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في أكتوبر، وارتفاع حدة الخطاب السياسي للعدالة والتنمية ضد ما يراه معاكساً لتطلعاته في الفوز بهذه الانتخابات من جهة، ومن جهة ثانية سعيه المتواصل وبكل شجاعة ومسؤولية إلى «حشر» قوى التحكم في الزاوية، وتحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي في المغرب، أو بناء ديمقراطي كما يصفه البعض، مدعوماً بأصوات غير إسلامية لكنها منصفة ومتشبثة مثله بهذا الخيار الديمقراطي.
حجر في بركة راكدة
لعل أكثر الجمل التي انتقدها معارضو جبرون هي اعتباره التحكم في القاموس السياسي الراهن وصفاً توصف به الممارسات والأفعال، ويغفل عمداً الحديث عن الجهات التي تقف وراءه لأسباب يتفاوت الناس في إدراكها، فإن هذه الجهات لا تنفصل عن الملكية والجهاز المخزني، كما أن التحكم، في نظره، هو تعبير عن الخصوصية السياسية المغربية التي لم ينجح الزمان في إضعافها والتقليل من آثارها.
لكن أحد القيادات الشابة في حزب العدالة والتنمية، وهو المهندس إبراهيم بوحنش، اعتبر أن مقالة جبرون ألقت حجراً في بركة راكدة داخل تنظيم حزب العدالة والتنمية، ذلك أنه منذ سنوات غاب التأصيل الفكري والنظري للفعل السياسي بالحزب ومشروعه الإصلاحي، وانطلق الكل نحو العمل السياسي المباشر، ومجاراة عدد من التحولات في الرؤية والتكتيك دون سند نظري صلب.
وأضاف أن العديد من مناضلي الحزب يتذكرون النقاش الذي صاحب المؤتمر السابع عند عرض أطروحة «البناء الديمقراطي»، وضرورة عرض أطروحات متنافسة أمام المؤتمر لخلق محطة فعلية للنقاش والتنافس الفكري.
ورأي بوحنش أن دفوعات د. جبرون اليوم لها من الجدية ما يجعلها تكون أرضية لصياغة أطروحة جديدة لحزب العدالة والتنمية منافسة للخطاب الرسمي اليوم لقيادة الحزب وعدد من مناضليه، حيث يستوجب الأمر أن يصاغ في ورقة نظرية معززة بأدوات الحجج والبراهين.
3 أخطاء منهجية
لكن ردود الفعل المعارضة كانت أقوى وأشد، ومنها ما كتبه د. عبدالعالي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية والبرلماني عن العدالة والتنمية، حيث اعتبر أن د. جبرون سقط في ثلاثة أخطاء منهجية؛ أولها أنه خلط بين التحكم والمؤسسة الملكية والتي عليها إجماع المغاربة، حيث يرى حامي الدين أن مفهوم التحكم يستعمل للدلالة على مراكز نفوذ تحتل مكانة قريبة من المؤسسة الملكية، وتتمتع بهذا الامتياز لتمارس مهامها في الوساطة مع المؤسسات.
غير أن هذه الوساطة قد تنزاح في كثير من الأحيان عن وظيفتها الأصلية لترسم لها أجندات خاصة، وكمثال معبر على ذلك ما حصل مع العديد من المقربين للملكية في عهد الحسن الثاني، حيث إن رمز التحكم في تلك المرحلة كان هو الجنرال أوفقير، وقربه من الحسن الثاني لم يمنعه من أن يمثل التهديد الأول للملكية عبر محاولتين انقلابيتين.
الخطأ المنهجي الثاني، حسب حامي الدين، هو تضخيم الخصوصية المغربية وجعلها في حالة تناف مع الديمقراطية، وهي دعوة مباشرة للتسليم بهذه القدرية السياسية الجديدة، بل وجعلها جزءاً من الخصوصية المغربية، معتقداً - أي حامي الدين - أن هذا النوع من التفكير امتداد لبعض الفقه التراثي السياسي الإسلامي الذي يؤصل للاستبداد وللسلطة المطلقة تحت مقولات متجاوزة على غرار: «سلطان غشوم خير من فتنة تدوم».
أما الخطأ المنهجي الثالث؛ فهو تجاهل العمق الديمقراطي للحركة الوطنية، في أطروحة جبرون، فضلاً عن قساوتها غير المبررة في نقد أداء أحزاب الحركة الوطنية، حيث يعتبر حامي الدين أن الفكرة الديمقراطية كانت فكرة مختمرة في وعي الحركة الوطنية وليست فقط رد فعل عن الإقصاء من السلطة.
ويخلص حامي إلى أن دعوة جبرون حزب العدالة والتنمية للتخلي عن أطروحة البناء الديمقراطي هي دعوة في الجوهر للتخلي عن الديمقراطية كقيمة فكرية وسياسية تتضمن معاني الحرية والشورى، وتتوج مساراً من المراجعات الفكرية التي قامت بها الحركة الإسلامية، وهي دعوة للتراجع عن التراكم الواضح الذي عرفته بلادنا في مجال الديمقراطية وبناء دولة المؤسسات حتى أصبح الاختيار الديمقراطي من الثوابت الدستورية التي أجمع عليها الفرقاء السياسيون.
مخاض التحول المعقد
أما المفكر اليساري د. حسن طارق، فقد دوَّن ثلاث ملاحظات على مقالة جبرون؛ أولها وصفه بالهشاشة اعتبار «التحكم /الديمقراطية» ثنائية مهيكلة للحياة السياسية، وثانيها انتقاده لقدرية «التحكم» أو «عدمية التاريخ»، حيث خلص جبرون إلى أن تجاوز إشكالية التحكم والدخول في عصر الديمقراطية بالنسبة للمغاربة؛ نظاماً وأحزاباً، يبدو وكأنه مستحيل في ضوء مقولة «الانتقال الديمقراطي»، والتي لم تنجح الحركة الوطنية والفصائل السياسية المغربية المختلفة على مدى 60 عاماً تقريباً في تحقيق رهانها، ليقر بشكل حاسم بأن التحكم بهذا المعنى هو تعبير آخر عن الخصوصية المغربية السياسية.
واعتبر طارق أن هذه القراءة تحمل موقفاً عدمياً واضحاً من مسار تطور الحياة الديمقراطية ببلادنا، وهو تطور يذهب إلى العموم، بعيداً عن أي رؤية خطية لا تستحضر التعقد وممكنات التراجع، في اتجاه التاريخ.
ويرى جبرون أن الانتقال الديمقراطي مظهر من مظاهر الفشل الثقافي، لكن د. حسن طارق يرد عليه بملاحظة ثالثة تقول: إن هذا التحليل يقفز على فكرة التوافق السياسي بين الحركة الوطنية والديمقراطية والملكية، والتي طالما قدمها العقل السياسي المغربي، كتجاوز لحالة الصراع من جهة وكمرادف تاريخي لمقولة التحول الديمقراطي من جهة أخرى، وهي الفكرة التي تبدو في مقالة جبرون كما لو أنها اكتشاف جديد ومذهل.
ويرى جبرون أن خطاب التحكم لدى العدالة والتنمية لا يعني غير كونه مأزقاً سياسياً سيؤدي فيه الحزب نفس الثمن الذي سبق للآخرين أن قاموا بتأديته؛ فالتشدد في مواجهة التحكم لا يؤشر على فهم جديد ونوعي لظاهرة التحكم، ولا يؤسس لطور مختلف في العمل السياسي بالمملكة المغربية.
ويرد طارق أن تحليل جبرون يربط بشكل عائم بين النضال الديمقراطي ومنطق الصراع حول الشرعية، ويعتبر بشكل رجعي وفج أن النضال السياسي للحركة الوطنية فوت على بلادنا سبل التقدم والرخاء، ويقر بشكل «التاريخي» أن المكتسبات الدستورية الحالية نهائية، ثم يعتبر بسذاجة غريبة أن الطريقة الوحيدة لهزم التحكم هي عدم مواجهته بل وعدم الحديث عنه.
وأهم ما خلص إليه طارق هو دعوة جبرون إلى الانتباه إلى أن مواجهة العدالة والتنمية (أو بنكيران) للتحكم، تعني كذلك أن الحزب انتقل - رمزياً على الأقل - في ظرف 5 سنوات من شعار محاربة الاستبداد إلى مجرد مواجهة «التحكم»، وهذا وحده يدعو إلى التدبر والتأمل في مسار حزب سياسي في قلب مخاض التحول المعقد والصعب؛ فكرياً ومذهبياً وسياسياً، إلى قوة ديمقراطية.>