العنوان جذور العلاقات التونسية الإسرائيلية
الكاتب منصف محروق
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1996
مشاهدات 62
نشر في العدد 1187
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 06-فبراير-1996
« لم يكن إعلان تونس وإسرائيل في ٢٢ يناير الماضي في واشنطن افتتاح قسمين لرعاية المصالح في كل من البلدين قبل 15 إبريل القادم قرار وليد اللحظة الراهنة، وإنما كان وليد علاقات سرية قديمة يتحدث عنها الصحفي التونسي منصف محروق في هذا المقال الذي نشرته مجلة «جون إفريك» الفرنسية بتاريخ 21/12/1995 م وقد ترجمه وأعده للنشر في المجمع الباحث التونسي عز الدين الراشدي.
لم يعد الزمن هو ذلك الزمن الذي تقف فيه البلدان العربية وقفة رجل واحد، ويغادرون القاعة بمجرد أن يستعد مندوب «الكيان الصهيوني» لأخذ الكلمة خلال اللقاءات الدولية، ولا شك أن الباجي قائد السبسي وزير الخارجية التونسي قد أحدث يوم الثالث من أكتوبر ١٩٨٥ م في الأمم المتحدة شرخا في هذا التقليد الذي صنعته حالة الحرب، ولكن ذلك لم يكن إلا بسبب أن بلاده كانت معنية بشكل مباشر بنقاشات مجلس الأمن، وكانت المناسبة يومها معالجة الشكوى التي تقدمت بها تونس ضد إسرائيل بخصوص القصف الذي تعرض له الحي السكني الذي يقطنه موظفو منظمة التحرير الفلسطينية بحمام الشط «بالضاحية الجنوبية لتونس العاصمة»، وقد مثل ذلك العدوان سببا لأول لقاء تونسي- إسرائيلي غير مباشر، وقد اقتضت المطالبة بتعويضات الأضرار الناجمة عن ذلك العدوان من تونس أن تدخل في محادثات مع الطرف المقابل، ثم تواصلت المحادثات بعد ذلك في نيويورك بين دبلوماسي البلدين بفضل وساطة المغرب، وهو ما كشف عنه آنذاك راديو إسرائيل، وبعد عشر سنوات استغنى الطرفان عن الوسيط، فمنذ اتفاق السلام الإسرائيلي- الفلسطيني في ١٣ سبتمبر ۱۹۹۳م بدأت تونس وتل أبيب مسار تقارب قدر له أن يفضي في النهاية إلى إقامة علاقات دبلوماسية، ومع ذلك شهدت نهاية تلك السنة نوعا من الفتور، وفي سنة ١٩٩٤ م اتفق على أن يتم في مرحلة أولى تعيين ممثلين عنهما في سفارة بلد ثالث، وفعلا فقد تم اختيار دبلوماسي إسرائيلي كان يعمل ببروكسل ليلتحق بالسفارة البلجيكية في تونس بمهمة رسمية كدبلوماسي بلجيكي، غير أن تونس أخطرت إسرائيل أنها لم تستعد لذلك بعد، وكان لتأخر تنفيذ إتفاق واشنطن علاقة مباشرة بهذا القرارحيث اشترط الطرف التونسي ربط كل تقدم في مسار التطبيع مع إسرائيل بالتقدم الذي يحصل في الاتفاق المذكور إلا أن الرغبة الإسرائيلية في توظيف كل مقابلة أزعج -دون شك- التونسيين الحريصين على الحذر والسرية في هذا الملف، ويعزو الإسرائيليون الجلبة المثارة حول هذه العلاقات إلى تسريبات يقوم بها خصوم مسار التسوية، ولكنه مفهوم جدا أن يعمل أنصار السلام على إبراز مكاسبه حتى يبينوا للرأي الداخلي صحة سياستهم، ويفهم التونسيون هذا الموقف، غير أنهم يذكرون بانشغالاتهم الخاصة، ومن هذا الجانب أيضا فإن اعتبارات السياسة الداخلية ليست غائبة، فواضح أن العلاقات مع الدولة العبرية يمكن أن تستغلها بعض المجموعات الراديكالية في صراعها مع السلطة الذي أصبح متكررا للإسرائيليين في تونس.
وليس «بني غاوون» رجل الأعمال الذي واكب أشغال المؤتمر السابع لاتحاد الأعراف التونسي أول إسرائيلي يكون حضوره علنيا ف «رافي إدري» النائب العمالي ونائب رئيس الكنيست -على سبيل المثال- أكد حضوره نفس المعنى، كما أن رئيس الوفد الإسرائيلي الذي حضر أشغال «الأيام السنوية للمؤسسة» التي نظمها في الثامن والتاسع من ديسمبر بسوسة معهد رؤساء المؤسسات العرب «نسى» معها أن ينزع شارته، التي تحمل -بطبيعة الحال- اسم إسرائيل، «لقد لاحظ لي النادل ذلك مباشرة» كما يروي «ثم قدم لي ما طلبت، وأعلم أصدقاءه في القاعة بوجودي، فالتفوا حولي، وتناقشنا طويلا، وفي الأخير وجدت نفسي محاطا بحشد حقيقي رافقني بعد ذلك!».
يبدو أن التونسيين بدعوى فعلا يتعودون على زوارهم الجدد، وأصبحت طلبات المنظمات والجمعيات بالترخيص لها في استضافة إسرائيليين إلى تظاهراتهم تزداد شيئا فشيئا، سواء للاستفادة من خبرتهم في بعض المجالات المتميزة، أو لأن تلك المبادرات ينظر إليها بتقدير من قبل هذه المنظمة الدولية أو تلك، وبالتالي فهي مفيدة سياسيا.
وإذا استجابت السلطات، لذلك فهي تخشى من إنکشاف علاقاتها الناشئة مع إسرائيل، وذلك أيضًا لأسباب تتعلق بسياستها الخارجية، فتونس تريد في الحقيقة مجاملة جارتها ليبيا الغاضبة والتي لا تعلم ردودها غير المتوقعة، دون الوصول طبعًا إلى الإعتراف لها بأي حق في الرقابة على السياسة التونسية، وكانت تونس قد أعلمت ليبيا بذلك منذ أن كان السيد أبو زيد عمر بوردة ما يزال مسئولا للجنة الشعبية العامة «رئيس الحكومة»، وكان قد سمح لنفسه أثناء زيارته إلى تونس منذ سنتين أن لام الطرف التونسي بسبب اتصالاته مع إسرائيل، فذكرته تونس بأن البلدين كانا قد اتفقا على عدم تدخل أي طرف في الشأن الداخلي للطرف الآخر، ولا شك أن تونس تسعى إلى تجنب كل ما من شأنه أن على على وجود مواطنيها الذين يشتغلون بالجماهيرية، أو لهم أعمال هناك.
والجديد في الأمر أن وسائل الإعلام التونسية لم تعد تتحدث عن العلاقات مع على على أنها فضيحة، وأن التطبيع مع «العدو الصهيوني» يعتبر عارا، غير أن يومية «الشروق» الناطقة بالعربية والتي كانت قد نددت في سبتمبر الماضي بلقاء صحفيين تونسيين مع آخرين إسرائيليين في القاهرة خلال اجتماع شارك فيه صحفيون من مصر والمغرب والأردن، أعادت الكرة إذ قاطعت مؤتمر الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية «UTICA» بسبب حضور وفد إسرائيلي، وفي مقابل ذلك فإن صحفا أخرى قد غطت مشاركة الإسرائيليين في أيام المؤسسة بسوسة تغطية إشهارية واسعة، وأجرت معهم مقابلات متعددة.
ولا شك أن العديد من هذه المبادرات، والتي تبدو في الظاهر غير موجهة، ما كان لها أن تحدث لولا ترخيص السلطات، و-على أية حال- فإن حصول بعض التردد لا يعني تغيير في الموقف، ذلك ما أكده وزير الخارجية التونسي الحبيب بن يحيى لنظيره الإسرائيلي ليهود باراك لدى التقائهما نهاية نوفمبر الماضي في برشلونة على هامش الندوة الأوروبية- المتوسطة تلك المقابلة التي تقلل تونس من أهميتها، إذ تنفين أن تكون «مقابلة عمل وإنما هي مقابلة من ضمن مقابلات أخرى»، بطريقة لا تريك الموقف التونسي برغم الضغوط التي «يواصل الإسرائيليون ممارستها من أجل دفع حكومة تونس إلى تسريع وتيرة التطبيع»، وهذه كلامية ليست كلامية فحسب فقد منعت تل أبيب مؤخرا محمد المنجي لجنف من دخول غزة، وهو الدبلوماسي التونسي الذي ينتظر أن يفتح ويدير مكتبًا للعلاقات التونسية لدى السلطة الوطنية الفلسطينية، ويشترط الإسرائيليون رفع الفيتو على ذلك بالفتح المتزامن المكتبين مشابهين، أحدهما في تونس والآخر في تل أبيب، وقد أكد مسئول إسرائيلي مؤخرًا لدى مروره بالعاصمة التونسية أن الحكومة الإسرائيلية تتمتع بدعم الولايات المتحدة في هذه المسألة، وليس ذلك مستبعدًا بإعتبار أن واشنطن المحامي الرئيسي لإسرائيل في قضيتها مع البلدان العربية، حيث تصر أمريكا بقوة على أن يقيم العرب علاقات مع موكلها، وكان روبرت بيلليترو نائب -وزير الخارجية- الأمريكي في زيارته لكل من المغرب وتونس بين ١٠ و ١٤ من ديسمبر الماضي قد أكد هذا المعنى.
فهل نحن على أبواب مشاهدة قفزة جديدة في العلاقات التونسية- الإسرائيلية؟
«*» كاتب تونسي والمقال نقلا عن «جون أفريك» الفرنسية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل