العنوان جذور العلاقات الإسرائيلية الأمريكية
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 83
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 18-يوليو-1995
أمريكا تنضم إلى بريطانيا لتأييد الدولة اليهودية في اغتصاب فلسطين من مطلع هذا القرن
عند الحديث في هذا الموضوع لا بد للباحث من أن يرجع إلي الوراء قليلًا، وذلك لإلقاء الضوء على طبيعة السياسة الخارجية للولايات المتحدة والفلسفة والسياسية التي تحكمها ممكن القول إن الولايات المتحدة تمثل الفلسفة «الذرائعية» القائمة على مبدأ الاهتمام بالمصالح العليا للدلة الأمريكية، دون اعتبار كبير للقيم والمثل الأخلاقية، وقد نشطت الفلسفة «الذرائعية» أو التي يحب الأمريكيون تسميتها بالعملية أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن بشكل كبير، مع ظهور فيلسوفين كبيرين، هما: وليم، وجون ديوي، وقد انتقلت هذه الفلسفة من الحقل الأكاديمي البحت إلى الحقل السياسي إثر الرسالة التي وجهها ديوي للرئيس الأمريكي ودرو ويلسون والتي عبر فيها عن ضرورة المحافظة على المصالح العليا للولايات المتحدة الأمريكية حتى لو استدعى الأمر التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى:
هذا المبدأ هو الذى يحكم في كثير من الأحيان السياسية الخارجية الأمريكية، وبالرغم من عدم استخدامه إلا في حالات قليلة، إلا أنه يبقى في صلب السياسة الخارجية الأمريكية، والعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تطبيق عملي لذلك المبدأ، فهي تقوم على أساس الدعم المطلق للسياسة الإسرائيلية بغض النظر عن المبادئ التي تنادي بها أمريكا من آن لآخر خصوصًا فيما يتعلق بموضوع حقوق الإنسان وحق تقرير المصير، فإسرائيل التي تمثل الكيان المغتصب للأرض الفلسطينية مثلث جانبًا مهمًا في السياسة الخارجية الأمريكية.
خلفية تاريخية:
يرجع تاريخ العلاقات بين اليهود والولايات المتحدة إلى أوائل القرن العشرين عندما أيدت الولايات المتحدة وعد بلفور الذى صدر عام ١٩١٧، والذى تضمن تأييد بريطانيا لاغتصاب فلسطين وإقامة الدولة العبرية على أراضيها، ففي برقية أرسلها الكولونيل هاوس -مستشار الرئيس الأمريكي ولسون- إلى وزارة الحرب البريطانية بتاريخ ١٦تشرين الأول أكتوبر ١٩١٧م أعلن فيها موافقة الرئيس ولسون والحكومة الأمريكية على نص تصريح بلفور، الذي رفع إلى الرئيس الأمريكي للحصول على رأيه فيه، وموافقته عليه، وفي٣٠حزيران عام ١٩٢٢ وافق الكونجرس تحت الانتداب البريطاني ووقع الرئيس هاردنج ذلك القرار في ٣٠ أيلول سبتمبر ١٩٢٢، وبذلك أصبحت سياسة إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين خطة التزمت بها الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي معرض رده على تقرير الجنرال باتريك هارلي الذي أرسله الرئيس الأمريكي روزفلت إلى فلسطين أجابه قائلًا: أنا أقدر كيف أن الشعب اليهودي قضى وقتًا في فلسطين دولة ديمقراطية وحرة، وإذا قدر لي أن أنتخب رئيسًا من جديد، فسأساعد على خلق هذه الدولة.
وقد استمرت الولايات المتحدة من خلال رؤسائها المتعاقبين على تأكيد ما قاله روزفلت؛ ففي عام ١٩٤٥ وضعت الخطوط الرئيسية لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من قبل حكومة ترومان في جو المواجهة والحرب الباردة في سنوات ما بعد الحرب العالمية الآنية.
كما أيد ترومان فكرة زيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأعلن تأييد الولايات المتحدة لمشروع التقسيم وإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين.
السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية:
يعتبر الحديث عن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية مدخلًا لفهم السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط عمومًا.
ففي أعقاب الهزيمة التي منيت بها ألمانيا وحليفاتها في الحرب العالمية الثانية وخروج فرنسا وبريطانيا منهكتين من الحرب، برزت الولايات المتحدة الأمريكية كخليفة قوى لتلك الدولتين المستعمرتين في المنطقة العربية، حيث انقسم العالم إلى كتلتين رئيسيتين، هما: الغرب بزعامة الولايات المتحدة، والشرق الشيوعي بزعامة الاتحاد السوفييتي، هذا الانقسام أدى إلى ظهور الحرب الباردة بين المعسكرين، ومحاولة كل معسكر السيطرة على العالم وتوسيع رقعة نفوذه، وقد أصيبت الولايات المتحدة بنوع من الخوف المرضي من الاتحاد السوفييتي؛ حيث حاولت بكل الوسائل تبني سياسة الاحتواء والأحلاف، وهي سياسة قامت على منع الاتحاد السوفييتي من توسيع نفوذه في العالم خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط التي غدت من أهم مناطق العالم في رأي مخططي السياسة الخارجية الأمريكية، وقد كان تورمان سباقًا لإعلان مبدئه الذي أعلنه لحماية اليونان وتركيا والذي سرعان ما امتد ليشمل الشرق الأوسط كله، وقد تمثل ذلك بتقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية للدول والحكومات المعارضة للأيديولوجية الشيوعية.
وقد حاولت الولايات المتحدة إقامة قيادة الشرق الأوسط في أكتوبر١٩٥١، وكانت تهدف من وراء ذلك إلى ضم مصر إليها، وذلك لتقديم التسهيلات الدافعية والإستراتيجية وغيرها من التسهيلات فوق أراضيها، مما لا غنى عنه لتنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط في وقت السلم، والتعهد بمنح قوات القيادة المتحالفة للشرق الأوسط جميع التسهيلات والمساعدات اللازمة في حالة نشوب الحرب، أو التهديد بنشوب الحرب، أو قيام حالة طوارئ دولية بما في ذلك استخدام المطارات ووسائل المواصلات المصرية.
إلا أن رفض مصر الانضمام لهذه القيادة أحبط المشروع، وقد تبع ذلك الدعوة لإنشاء حلف بغداد التي شمل أولًا تركيا والعراق، وقد حاولت الولايات المتحدة ضم دولة أخرى له إلا أنها فشلت في ذلك، وقد انتهى الحلف بعد قيام الثورة العراقية ضد النظام الملكي في أواخر الخمسينات.
العوامل التي دفعت الولايات المتحدة لمساعدة إسرائيل:
ليس هناك خلاف بين الباحثين في هذا الموضوع حول العوامل التي دعت الولايات المتحدة لاتخاذ موقف منحاز لإسرائيل، ولكن الاختلاف ينصب على أولوية تلك العوامل، فبعض الباحثين يرون أن إحباط محاولات الاتحاد السوفييتي للحصول على قدر أكبر من النفوذ في المنطقة يشكل العامل الحاسم في دعم إسرائيل.
في حين يرى آخرون أن الصراع العربي الإسرائيلي وخدمة المصالح الأمريكية هما العاملان الحاسمان في اتخاذ ذلك الموقف، يقول الدكتور كامل أبو جابر: «لو تمكنا من تحديد أهداف ومصالح السياسة الأمريكية، لاستطعنا أن نفهم الأسباب التي تدعو أمريكا لمساعدة إسرائيل، والسؤال سيصبح عندئذ هل تخدم إسرائيل مصالح أمريكا؟ وهل أمريكا بعد ما حددت أهدافها ومصالحها في هذا القسم من العالم، وجدت أن ارتباطها بإسرائيل بالشكل الحالي هو أحسن وسيلة لخدمة هذه المصالح؟
وثمة عامل ثالث وهو عامل متعلق بالبعد الحضاري والتشابه بين الولايات المتحدة وإسرائيل في القيم الأخلاقية، فإسرائيل في نظر بعض الأمريكيين قوة غربية؛ حيث إن هناك تشابهًا كبيرًا بين المجتمع الإسرائيلي والمجتمعات الغربية عمومًا، والأمريكي خصوصًا، يقول نادف سفران «إن انتصار إسرائيل يحقق تميزًا للعالم الحر ضد القوى الاستبدادية».
أما جوزيف كلارك فيقول: إن الولايات المتحدة قد أثارها النظام الإسرائيلي بديمقراطيته النادرة وسط مجموعة من الأقطار العربية الناشئة، كما أثار بالقيم السائدة في المجتمع الإسرائيلي، وخاصة قيم الإنجاز والروح الوثابة والمغامرة الجريئة، وكلها قيم تعيد ذكرى شباب الولايات المتحدة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية كافة".
وقد لعبت وسائل الإعلام الأمريكية والتي تسيطر عليها الصهيونية في تصوير الإسرائيلي بهذه الصورة التقدمية والتي تتمشي مع الروح الثقافية الأمريكية، في حين أن العربي لا يزيد على شخص مختلف يحكم من قبل أنظمة دكتاتورية مختلفة، لا تعترف بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ويمكن القول بأنه الثقل الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية من رئيس الجمهورية وأعضاء الكونجرس يمثل عاملًا مهمًا في تبني المشروعات المقدمة للكونجرس والتي تدعم إسرائيل، إن إسرائيل استطاعت ومن خلال اللوبي الصهيوني أن تدخل في روع الأمريكيين، إن المصالح الأمريكية في المنطقة ستبقى مهددة من قبل الشعوب العربية ما لم تساعد الولايات المتحدة إسرائيل، حيث إن قيام تحالف بين الدولتين لحماية المصالح المشتركة كفيل بالقضاء على كل المحاولات الرامية إلى تهديد المصالح الأمريكية، هذا الوضع توج بعقد التحالف الاستراتيجي بين الدولتين في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريحان، ويهدف هذا التحالف إلى:
أولًا- إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة جنوب الاتحاد السوفييتي وقريبة من أراضيه دون أن ترتبط معه في حدود مشتركة؛ حتى لا يسهل على الجيش الأحمر اجتياحها.
وثانيًا- تحويل إسرائيل بالفعل إلى قوة تدخل سريع خاضعة لأمريكا، وتعمل بتعاون وتنسيق تأمين من البنتاجون، بهدف حماية المصالح الأمريكية في المنطقة، ومقاومة أية تحركات سوفييتية مدعومة من السوفييت مهددة هذه المصالح.
كل تلك العوامل جعلت الولايات المتحدة تلتزم بالخطة التي وضعت في أوائل هذا القرن، والتي أشرنا إليها آنفا، والتي تقوم على أساس الدعم المطلق لإسرائيل.
الولايات المتحدة وإسرائيل في ظل النظام الدولي الجديد:
ساهم سقوط الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية في تبلور نظام عالمي جديد قائم على القطبية الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية، حيث لم يعد الخصم اللدود لأمريكا، ونعني به الاتحاد السوفييتي السابق يشكل خطرًا على المصالح الأمريكية في المنطقة، كما أن سير البلاد العربية المعتدلة والراديكالية في مسيرة السلام قلل من مخاطر تعرض المصالح الأمريكية للخطر، فماذا بقي لإسرائيل من دور تلعبه للمحافظة على المصالح الأمريكية في المنطقة؟
إن بروز القوة الإسلامية في المنطقة كمعارض حقيقي للسلام جعل إسرائيل تركز على الخطر الإسلامي، وتخويف الولايات المتحدة من «الأصولية الإسلامية»؛ حيث ركزت أجهزة الإعلام الصهيونية والسياسيون الإسرائيليون على ضرورة التصدي لهؤلاء الذين لا يشكلون خطرًا على إسرائيل وحدها، بل على الأنظمة المعتدلة وعملية السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، ولهذا السبب فإن الولايات المتحدة لا تألو جهدًا في التنديد بكل من يعارض السلمية، سواء كانت تلك المعارضة مسلحة كما في حالة حماس، أو سلمية في حالة الأحزاب الإسلامية الأخرى، ففي خطابه في البرلمان وصف الرئيس الأمريكي كلينتون القوة المعارضة بأنها قوى الظلام والرجعية التي تريد إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء ، ولهذا استطاعت إسرائيل والقوى المؤيدة لها في أمريكا حشد التأييد ضد الحركات الإسلامية، ووضع بعضها على قائمة الإرهاب، كما أن استغلال إسرائيل لحادثة الانفجار في مركز التجارة العالمي في نيويورك جعل الولايات المتحدة تمضي قدمًا في دعمها اللامحدود لإسرائيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل