العنوان جذور كارثة سد زيزون
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر السبت 29-يونيو-2002
مشاهدات 93
نشر في العدد 1507
نشر في الصفحة 36
السبت 29-يونيو-2002
قائمة طويلة من التجليات ذات الطابع السيئ أحاطت بالوضع السوري منذ منتصف الستينيات.
ويسألونك عن السد... سد زيزون السوري، كيف انهار وهو في عز طفولته؟ كيف حدث له ما حدث وهو ابن الخامسة من عمره؟ بينما متوسط عمر السدود في العالم ٦٠- ٧٠ عامًا، لا تنهار بعدها، بل تصبح غير صالحة.. لأن الطمي يملأ ساحاتها مع مضي الزمن... وليس لأن جدرانها تشققت وأجسامها تهاوت.. فلماذا يحدث مثل هذا في سورية بالذات؟ بل لماذا يتبين الآن- حسب معلومات رسمية- أن واحدًا وثلاثين سدًا آخر أصغر من زيزون منتشرة في مختلف أنحاء البلاد مهددة أيضاً بمصير مثل مصير زيزون إن لم يتدارك أمرها فتجرى عملية دعم وصيانة لها؟ ثم لماذا يترك المفسدون طلقاء لا يحاسبون حتى تحدث الكارثة فتأتيك الأخبار عن توقيف خمسين مسؤولًا من بينهم وزير الري السابق، الذي قامت وزارته في حينه بالإشراف على البناء؟
لماذا تنتظر حتى تضيع بضع عشرات الملايين من الدولارات صرفت على بناء السد؟ هذا مع العلم أن قسمًا كبيرًا من هذه الملايين دخل في حساب المسؤولين خلسة أو علانية، بعد مشاركة مسؤولين أكبر منهم في الاختلاس شرط سكوتهم، فتأتي أقدار الله فتفضح الفاعلين.. ثم يجري البحث عن أكباش فداء. لیست هذه هي المصيبة الأولى في سورية التي تثير زوبعة في فنجان، ثم تمضي الأيام بظلالها، فتمحو الحدث من الأذهان، وتغيب المسؤولية خلف كبش أو أكثر، توضع الجريمة في عنقه، وقد يكون الكبش في حالتنا هذه المسؤول عن إدارة المشروع الهارب، فمنذ أربعين عامًا مضت انصبت على سورية الكثير من المصائب نتيجة الفساد الذي جلبه الاستبداد ولكنها اختفت من ذاكرة الشعوب.
وظلت الأسئلة قيد القلوب والضمائر المقهورة المكبوتة أو المقبورة في السجون المتناثرة على وجه الوطن كبقايا بثور الجدري في وجه شائخ.... والتي تديرها وتدير من بعدها مصير الوطن والشعب تلك الأجهزة الأمنية التي غطت أفق سورية بحمرة الدم البريء الذي سفح على الجدران وفي الشوارع والدوائر والجامعات والمدن والأرياف، دون أن يلقي في وجه هؤلاء المديرين السفاحين السؤال الأكبر القائل: لمصلحة من يدمر الإنسان السوري؟ لمصلحة من يدمر الاقتصاد السوري؟ لمصلحة من تدمر القيم تحت وطأة الفساد؟ لمصلحة من يصر المتصدرون على أنه لا عمل سياسيًا إلا للحزبيين أو الفئويين أو الفاسدين مع حصر هذا العمل بالتصفيق والتأييد؟ من أين نبدأ بالأسئلة حول مسلسل الانحدار الذي لا يتوقف؟ هل نبدأ من انقلاب الثامن من آذار واستئثار حزب واحد بمصير البلد؟ أم نبدأ من مصيبة فرض قانون الطوارئ عام ١٩٦٣م ليستمر ظله حتى اللحظة جاثماً على ضمائر الناس وحياتهم فيسحقها دون معارضة ولا حتى سؤال جريء حول مصلحة الوطن في تطبيق مثل هذا القانون؟ بل أين تقع نكسة الخامس من حزيران ١٩٦٧م وتسليم الجولان والقنيطرة بلا قتال؟ أين تقع هذه الكارثة في مسلسل المصائب التي حلت بسورية؟ هل تقع في مقدمة المصائب؟ أم هي من الدرجة الثانية أو الثالثة؟
إن ما حدث للوطن والبلد والشعب والقيم من انهيار جعل الحليم حيران، يتساءل في هذا الجو الملوث أين موقع كارثة مثل كارثة احتلال الجولان من قبل الصهاينة بلا قتال من الجيش الذي أكل الإنفاق عليه ٧٠% من ميزانية الدولة على مدى عشرات السنين؟
لقد لحق بذلك الجيش من الفساد الكثير تحت مسمى الجيش العقائدي بحيث أفرغته الفئوية والمحسوبية، وانضمام أهل الولاء إليه من كل إمكانية للدفاع عن الوطن وحدوده وأرضه وشعبه وتفرغ لحماية النظام والحاكم الفرد والكرسي المستبد.
هل نسأل في هذا المسلسل العجيب عن مصائر حرية الشعب وحقوقه الإنسانية والديموقراطية وتداول السلطة سلميًا؟ تلك التي دكت كلها بمدفعية الفردية وحكم الحزب الواحد وتأليه الفرد وإعطائه من الألقاب والصفات التي تفوق قدرات أي بشر ؟
هل يمكن أن ينسى الشعب السوري رد السلطة والنظام في سورية- منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي- على مطالبه في الحرية والتعددية والمشاركة والمواطنة الحقة؟
ذلك الرد الذي استخدمت فيه كل أدوات القمع من اعتقال وتعذيب وقتل وبطش في الشوارع والبيوت وأحياء المدن والأرياف.
وإذا كان له أن ينسى كل ذلك فهل ينسى محاربته في لقمة عيشه؟ سواء كان ذلك في الوظيفة العامة التي أصبحت حكرًا على الموالين فقط أم في تكبيل يد الإنسان السوري وكبح إرادته وروح مبادرته في تفعيل نشاطه الاقتصادي الخاص الذي واجه مسلسلًا من العوائق، بدأ أولها في التعقيدات البيروقراطية، ولم ينته بالمحسوبيات والرشاوى والقوانين المتخبطة والمشاركات السلطوية الفردية المشبوهة في المشاريع، وقطاع عام خاسر منهوب في كل تشكيلاته، مما حول الاقتصاد السوري إلى ركام من الأخطاء والارتباكات والإحباط.
ماذا نقول ونقول عن أصول وجذور كارثة سد زیزون؟
إنها قائمة طويلة من التجليات ذات الطابع السيئ، أحاطت بالوضع السوري منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين أنتجها فكر العين الواحدة والساق الواحدة، واليد الباطشة الواحدة، والاتجاه الواحد المفرد الذي لا يرضى بأي نظر آخر، متسلحًا بدستور أعرج وقوانين استثنائية قاهرة، وبانطلاق دائم من نقطة الشك والاتهام لكل ما هو شعبي، فانجلى غبار المعركة عن اقتصاد مدمر، وعملة متدهورة وبطالة طامة جعلت مليوناً ونصف المليون من اليد العاملة السورية تنزح إلى لبنان وحده كي تجد لها هناك مكاناً يحقق بعض الكسب الذي يحفظ النفس والأهل، وسياسة متراجعة عن شعار التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني، إلى شعار «السلام خيار استراتيجي»، وقطاع عام اقتصادي خاسر بكل الاعتبارات ومتخلف ومكبل للمبادرات الشعبية محشو بالفساد التي تنشر غسيله وسائل الإعلام المختلفة كل يوم، حتى إن الصحافة السورية لم تستطع رغم كل تخلفها وضيق أفق الحرية المتاح لها أن تتجاهل هذا الموضوع فراحت صفحاتها تمتلئ بقصص الاختلاسات والمشاريع الحكومية الفاسدة نتيجة النهب.
وها هو سد زيزون اليوم يقف شاهدًا بلا قناع أمام العالم على ما فعلته يد الفساد المنطلقة بداية من فساد الأجهزة والأنظمة والقوانين والسياسة.. فهي التي عملت على إيجاد طبقة منتفعة متسلقة أثرت على حساب جوع الشعب وفساد المشاريع وانهيار الاقتصاد الوطني، وأمسكت هذه الطبقة منذ البداية بمفاصل النظام الأمنية والعسكرية والسياسية، وبعد أن تغولت وغيبت الشعب، فهي تستمر اليوم في الدفاع عن امتيازاتها، وقد لامس الرئيس بشار أطراف هذه الصورة الخربة لوضع البلد في خطابه الذي ألقاه يوم انتخب رئيسًا منذ عامين تقريبًا.. ووضع بعض الملامح المقاربة للعلاج... إلا أن القليل من ملامح هذه المقاربة أخذ طريقه للفعل على استحياء، وبقي معظم الوضع على حاله، والذي ينظر إلى الإعلام السوري بمناسبة مرور عامين على وفاة حافظ أسد التي حلت في 2002/٦/10م، وما يجري فيه من تثمين لكل ذلك الفساد والظلام الذي جرى في عهده، والذي أتينا على ذكر بعضه... لا بد أن يستخلص استنتاجًا واحدًا يقول: إن نهار الانفراج في سورية ما زال بعيد المنال... إلا أن يرحم الله الأمة بفرج من عنده، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل