العنوان جزار الصرب.. وكبير مجرميها
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993
مشاهدات 80
نشر في العدد 1042
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 16-مارس-1993
·
جزار الصرب ينفي وجود معسكرات اعتقال أو تطهير عرقي أو حوادث
اغتصاب في البوسنة ويدعي أن الصرب يدافعون عن أنفسهم ضد هجمات المسلمين.
إننا لن نتخلى عن حق
تقرير المصير وإقامة الدولة الصربية في البوسنة في خطوة للانضمام إلى اتحاد
البلدان الصربية، وإن موافقتنا على خطة فانس - أوين ليست سوى خطوة مؤقتة
بسبب الضغوط الدولية غير أننا لن نلتفت إلى الإنذارات الغربية».
كان هذا تصريحًا أدلى به
في الأسبوع الماضي جزار الصرب وكبير مجرميها رادوفان كاراجيتش ذلك الرجل الطويل
القامة والضخم الجثة ذو الشعر النافر بطريقة شيطانية- على حد وصف صحيفة «الإندبندنت»
البريطانية.
وإذا كان بعض السياسيين
أو قادة الأحزاب يلجأون أحيانًا للمراوغة أو التهرب أو الصمت حيال بعض الأسئلة
المحرجة التي يتعرضون لها فإن كاراجيتش لم يعرف في تصريحاته ومقابلاته الصحفية
واتفاقاته سوى الكذب حتى إن وزير الخارجية الأمريكي السابق لورنس إيجلبرجر وصفه في
يناير الماضي قائلًا: «إن كاراجيتش كذاب ولا يوثق به». أما الصحفيون الذين التقوا
به في جنيف في يناير الماضي فقد وصفوا تصريحاته بأنها مثل فقاعات الصابون وأنهم لا
يعولون عليها كثيرًا ويقولون إنه كذاب. وأبسط مثال على ذلك أنه قبل أن يتوجه للقاء
فانس وأوين أعرب عن أمله في نجاح خطتهما للوصول إلى تسوية، لكنه داخل الاجتماع رفض
الخطة! وقد وصفه أحد الدبلوماسيين البريطانيين بأنه «أحد الشخصيات التي لا يُؤتمن إليها
في معادلة البوسنة إنه شخص يستطيع أن يدور على رأس دبوس». ووصفه دبلوماسي غربي آخر
قائلًا: «إنه كذاب كبير والكذب عنده مثل التنفس».
أما قدرته على تدمير
الحقيقة وتزييفها فلا حصر لها ولا نهاية، وقد أجرت معه مجلة «تايم» البريطانية
حوارًا في فبراير الماضي كانت نبرة الأكاذيب ولوي عنق الحقيقة فيه لا تُصدق، وكان
مما قال فيه: «إن سراييفو ليست محاصرة وليس هناك شيء اسمه التطهير العرقي في
البوسنة، إننا فقط نقوم بحماية مواطنينا من الهجمات الوحشية التي يتعرضون لها من
المسلمين الذين يهاجموننا طوال الوقت فهم يريدون تطهير البوسنة من الصربيين
وملاحقتهم حتى صربيا».
ويرد على سؤال آخر لأحد
الصحفيين حول الدور الذي يقوم به قناصة الصرب فيقول: نحن صرب البوسنة ليس بين
مقاتلينا قناصة ولا نقوم بأي اعتداء على المسلمين فمدفعية المسلمين الثقيلة تقصف
مواقعنا وقواتنا ليل نهار فلا نجد ملجأ سوى أن ندافع عن أنفسنا. وينفي كذاب الصرب
وكبير مجرميها أن تكون قوات الصرب قد قتلت ما يزيد على مئتي ألف إنسان في
يوغسلافيا السابقة من جراء الجرائم البشعة التي ارتكبتها، كما أنه ينفي وجود حالات
اغتصاب بين النساء المسلمات على أيدي الصرب رغم أن عدد المغتصبات حسب كثير من
التقارير وصل إلى خمسين ألف امرأة مسلمة، وأن أوامر الاغتصاب قد صدرت من كاراجيتش
نفسه، حتى إن وكالة رويترز ذكرت في الأسبوع الماضي أن مجموعة من المحاميات في
الولايات المتحدة تقدمن بدعوى قضائية ضد جزار الصرب رادوفان كاراجيتش بسبب ثبوت
إصداره أوامر إلى قواته باغتصاب النساء المسلمات في البوسنة على نطاق واسع وقد
رُفعت القضية أمام محكمة «مانهاتن».
وينفي كاراجيتش كذلك
وجود معسكرات اعتقال، غير أن أكبر كذبة لجزار الصرب في البوسنة أنه ليس بوسنيًا
وإنما ولد في الجبل الأسود عام ١٩٤٦ وانتقلت عائلته إلى سراييفو وهو فتى فحمل
إليها أحقاد الصرب التي مارسها ضد المسلمين حتى من خلال وضعه كطبيب أمراض نفسية (متخصص
في الإحباط النفسي) الذي سببه لعشرات الآلاف من المسلمين في البوسنة رجالًا ونساءً
وأطفالًا.
ففي بداية عام ١٩٩١ جمع
كاراجيتش الذي لم يكن معروفًا في البوسنة من قبل أوباش الصرب ومجرميهم حوله ووَزَّع
عليهم كميات كبيرة من الأسلحة التي أمَدَّه به الجيش اليوغسلافي والحكومة الصربية
وبدأ حملة منظمة للتطهير العرقي وحرب الإبادة ضد المسلمين بشكل لم يسبق له مثيل،
ورغم أن الخارجية الأمريكية قد صنفته ضمن عشرة من مجرمي الحرب الصربيين الواجب
محاكمتهم إلا أنها استقبلته في نيويورك في فبراير الماضي، وعُومل مثله مثل رئيس
البوسنة علي عزت بيجوفيتش، بل إن الأمم المتحدة أصبحت تخدم خطط التطهير العرقي
التي يقوم بها كاراجيتش حيث تقوم بإجلاء المسلمين من المناطق التي تهاجمها قواته
حتى إن الطمع قد دفعه في فبراير الماضي إلى توجيه رسالة إلى أوجانا تورنيليو
سوماروجا رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر يقول له فيها: «إن إخلاء سراييفو هو
السبيل الوحيد لإنقاذ سكانها».
ومع حجم الجرائم البشعة
والأكاذيب المهولة التي يقوم بها جزار الصرب وكبير مجرميها فإن الكل في انتظار
كلمته وسماع رأيه في كل ما يتعلق بالبوسنة والكل يتعامل معه كرجل دولة سواء اعترف
الغرب أم لم يعترف بدولة صربية في البوسنة، بل إن كاراجيتش يتحدى المجتمع الغربي
بقوة ويقول إن الغرب وأوروبا خاصة لا تستطيع أن تقوم بالتدخل في البوسنة لأن كل
الدول الأوروبية تُدرك أن تدخلها سيؤدي إلى إثارة نزاعات كبيرة بشأن المصالح
الأوروبية القديمة، ثم يلوح كاراجيتش لهم بأكثر حلفائه دعمًا له ويقول: «كما أن
روسيا حليفتنا الرئيسية لن تقف مكتوفة الأيدي وإنما ستَهُبُّ بالتأكيد لمساعدتنا».
مفارقات مفزعة في
السياسة الدولية العوجاء.. أليس كذلك؟!
واقرأ أيضًا: