العنوان جزر القمر: اتفاق غامض مع الانفصاليين
الكاتب محمد باشا
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
مشاهدات 45
نشر في العدد 1418
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
تشهد جزر القمر جدلًا واسعًا حول بيان «فمبوني المشترك حول المصالحة الوطنية»، الذي وقع عليه كل من العقيد عثمان غزالي الحاكم العسكري لجزر القمر، ورئيس المجلس التنفيذي الحاكم في جزيرة هنزوان سيد عبيد في ٢٦ /٨/ ۲۰۰۰م بعد مباحثات سرية وعلنية بدأت منذ وليو ۱۹۹۹م لأجل التوصل إلى حل للمشكلة الانفصالية في هنزوان التي بلغت عامها الرابع في إطار ما عرف بالحوار الوطني بين القمريين.
و«فمبوني هي عاصمة جزيرة موهيلي أصغر الجزر القمرية المأهولة مساحة وسكانًا»، وقد اتفق الجانبان على ضرورة إرساء كيان جديد يكون خاضعًا للقانون الدولي مع الاحتفاظ بحدود جزر القمر المعترف بها دوليًا، وحدد البيان المجالات التي يجب أن تخضع للكيان الجديد في خمسة أمور هي: الإسلام باعتباره دين الشعب القمري بأجمعه، والجنسية، والعملة، والعلاقات الخارجية، والدفاع (الأمن) الخارجي الحق بالبيان جدول يوضح مراحل تحقيق المصالحة الوطنية على النحو التالي:
1 - إنشاء لجنة متابعة مكلفة بتحديد الإجراءات العملية والعمل على تنفيذها من حين التوقيع على البيان إلى وضع المؤسسات الدستورية للكيان الجديد في حيز التنفيذ.
2 - إنشاء لجنة ثلاثية من «الجزر الثلاث» بالتعاون مع خبراء دوليين في صياغة مشروع النظام الأساسي للحكم خلال ثلاثة أشهر.
3- العمل على إجراء استفتاء عام على النظام الأساسي قبل العمل به يتم بعده إرساء المؤسسات الدستورية الجديدة في المرحلة الانتقالية من النظام الحالي إلى النظام الجديد على ألا تتجاوز الفترة الانتقالية ستة أشهر اعتبارًا من تاريخ التصويت على مشروع الدستور الجديد، وتستغرق مراحل تحقيق هذه المصالحة ۱۲ شهرًا على الأكثر.
وقد صاحب إجراءات التوقيع على البيان المشترك الذي لم يرق إلى درجة اتفاقية ممارسات استفزازية عديدة ألقت بظلال كثيفة من الغموض على سبب من ورائها وعلى مصداقية البيان ذاته، فقد سريت إذاعة فرنسا الدولية قبل أسبوعين من تاريخ التوقيع على البيان خبراً يقول: إن حكومة العقيد زالي وافقت في محادثاتها السرية مع الانفصاليين على قيام الحكم الكونفدرالي، وقد أدت إذاعة الخبر إلى احتجاجات واسعة من النقابات والأحزاب السياسية، وهددت نقابة المعلمين بالتوقف عن إجراء امتحانات شهادة الثانوية ما لم تقم الحكومة بتوضيح الأمر، فأصدرت وزارة الخارجية بيانًا بتكذيب الخبر وهذا ما حمل بعض المحللين إلى القول إن البيان قد صدر بدافع خارجي فرنسي تحديدًا، لتمرير الكونفدرالية بشكل مبتسر عائم في محاولة لترويض القوى المعارضة لها تدريجيًا.
وقد تعزز هذا الاعتقاد ببعض المواقف التي صاحبت مراسيم التوقيع على البيان، فقد كان من المقرر أن يتم التوقيع الساعة العاشرة صباحًا وتأخر إلى الثانية بعد الظهر بسبب أن كلًا من الرجلين العقيد غزالي، وسيد عبيد تأخر في الوصول إلى فمبوني، رجاء أن يسبقه صاحبه ليكون المتقدم في استقبال المتأخر وعندما وصل سيد عبيد إلى مطار فمبوني اعتصم داخل الطائرة مدة ٤٥ دقيقة عندما علم أن مراسيم الاستقبال تقضي بأن يكون محافظا جزيرتي القمر الكبرى وموهيل في استقباله، ولم ينزل منها إلا بعد استدعاء رئيس الوزراء يعارف ترمذي معه خارج المطار ليكون في مقدمة المستقبلين.
كما رفض الجانب الهنزواني رفع علم جمهورية القمر الاتحادية الإسلامية في الميدان الذي أقيمت فيه مراسم التوقيع على البيان، في حين كان كثير من أعضاء الوفد الهنزواني يرتدون البسة تحمل ألوان العلم الفرنسي الثلاثة، وآخرون ارتدوا طاقيات عليها العلم الذي اصطنعه الانفصاليون الدولة هنزوان المزعومة.
وفي مساء اليوم ذاته أعلنت إذاعة هنزوان أن الوفد الهنزواني عاد بخمسة أهداف مقابل صفر للطرف الحكومي.
ومع هذا كله فقد طالب البيان بضرورة رفع الحصار المفروض على الجزيرة من قبل منظمة الوحدة الإفريقية، وأعلنت الحكومة القمرية استئناف وسائل الاتصالات والمواصلات الجوية والبحرية من وإلى هنزوان في استعجال واضح.
وأكد مصدر قريب من المباحثات المجتمع: أن الطرف الحكومي أبدى مرونة وتفهمًا كبيرين لمطالب الإخوة في هنزوان فقد لمسنا منهم تغيرًا في المواقف القديمة، منها أنهم هم الذين طلبوا إدراج الدين الإسلامي كأحد مقومات الدولة القمرية الحديثة، في حين كانوا قد رفضوا ذلك في اتفاقية اتانا ناريف، والذي حملهم على ذلك هو أنه خلال خلال الأربع سنوات الماضية من عمر انفصال الجزيرة نشطت البعثات التنصيرية في طول الجزيرة وعرضها، وانتشرت المخدرات بين شرائح المجتمع بشكل لم يسبق له مثيل، كما ظهرت جوانب أخرى من الفساد.
وأضاف المصدر أن الإنجاز الكبير الذي تحقق هو النجاح في عقد المباحثات المباشرة دون وسطاء وكسر الحواجز النفسية التي تفاقمت مع الدور غير البريء الذي يقوم به الوسطاء.
ويعتقد المحللون أن الأوضاع المتردية والخذلان الذي منيت به الحركة الانفصالية في الظفر بالخبز والسمن الفرنسي، والالتحاق بالمحميات الفرنسية فيما وراء البحار كانا وراء تغيير الكثير من مواقف الحركة، ولعل هذا ما حمل الجانب الحكومي على إرجاء المسائل المهمة وتفصيلاتها إلى لجان العمل مثل الاسم الرسمي للكيان السياسي الجديد وصيغة الحكم الفيدرالية، أو الكونفدرالية المثيرة للجدل، ومؤسسة الرئاسة ....).
والملاحظ أن البيان المشترك لم يحظ بأي رعاية إقليمية أو دولية حتى إن البعثات الدبلوماسية المعتمدة في مروني لم تشهد المراسم تضامنًا مع منظمة الوحدة الإفريقية التي نددت بالبيان واعتبرته غير ملزم للهيئات الدولية والإقليمية التي رعت اتفاقية أتانا ناريف، وهو أيضًا رأي الأحزاب السياسية القمرية المعارضة لنظام العقيد غزالي.