العنوان جمال الدين الأفغاني أحد رواد تيار التجديد الإسلامي المعاصر
الكاتب عبدالحي محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1997
مشاهدات 58
نشر في العدد 1259
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 22-يوليو-1997
الذين يقلدون النموذج الغربي يفتحون الثغرات للهيمنة الغربية وهو ما نشاهده في حزب إسرائيل وحزب أمريكا وحزب فرنسا في بلادنا وما تمارسه العلمانية في تركيا
يمثل الإمام والمفكر الإسلامي جمال الدين الأفغاني نقطة فاصلة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، فالأفغاني يعد رائدًا وقائدًا لتيار الجامعة الإسلامية، وهو التيار الذي برز في منتصف القرن التاسع عشر لينفض عن الإسلام ركام التخلف ويواجه النفوذ الغربي في بلادنا، وقد ظل هذا التيار ينجب للأمة الإسلامية روادًا وقوادُا كان أبرزهم الشيوخ محمد عبده ورشيد رضا، وحسن البنا، وسيد قطب، والغزالي، والقرضاوي، الذين نجحوا في فك عزلة الفكر الإسلامي عن واقع الشعوب الإسلامية، وتحول الإسلام والفكر الإسلامي إلى حركة شعبية تنادي بتطبيق الإسلام في غالبية بقاع العالم.
وبمناسبة مرور قرن على وفاة رائد هذا التيار الأفغاني، وأبرز تلاميذه الأستاذ عبد الله النديم عقدت بالقاهرة ندوة للاحتفال به حاضر فيها المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة والكاتب الإسلامي د. محمد مورو، وقد تم تخصيص الندوة لفكر الأفغاني وآثاره في العالم الإسلامي.
افتتح الندوة الدكتور مجدي قرقر مؤكدا أن اهتمام الإسلاميين بالرموز الفكرية الإسلامية ضرورة وواجب الأربعة أسباب:
السبب الأول: أن الإسلاميين لا يهتمون برموزهم الفكرية، بل يتهمونهم، فهناك من يتهم الأفغاني بأنه ماسوني، ومن يتهم حسن البنا بأنه أصولي وسياسي... في حين أن التيارات الأخرى تهتم برموزها وتضخمها وتبرزها.
السبب الثاني: أن الحركة الإسلامية المعاصرة ليست متينة الصلة عن بدايات الحركة الإسلامية في القرن التاسع عشر فهناك تواصل دائم بينها.
السبب الثالث: مسألة التقارب الفكري بيننا كحركة إسلامية معاصرة والحركة الإسلامية في بدايتها وبخاصة في النضال السياسي لمواجهة النفوذ الأجنبي.
السبب الرابع: أننا نحسب الحركة الإسلامية المعاصرة بفصائلها المختلفة امتدادًا للأفغاني والنديم، فالأفغاني هو الأب لكثير من القيادات الإسلامية والوطنية، وبالتالي فالحركة الإسلامية ليست وليدة اليوم، ولكن لها امتدادات وجذورًا تاريخية فضلًا عن أننا يجب أن نسترشد بخبرتها السياسية والفكرية فالأخطار التي واجهتها مازال غالبيتها يواجهنا، وإن كانت تعددت الأشكال، لكن الأخطار الأجنبية تكاد تكون متشابهة.
وأشار الكاتب الإسلامي الدكتور محمد مورو إلى أننا نعاني في حياتنا الفكرية من تيارين الأول دعاة التخلف والثاني دعاة التغريب والتيار الأخير هو تيار العمالة للخارج بشكل أو بآخر، أما التيار الأول فإنه ينفذ المخطط الغربي للهيمنة علينا بدون وعي، محذرًا من وصف الأفغاني ومحمد عبده وحسن البنا ورشيد رضا بأنهم مجددون، فالنتيجة التي يخرج بها أي باحث أن التيار التغريبي تيار أصيل له جذور، بينما التيار الإسلامي تيار لقيط ليس له جذور.
وأضاف د. مورو أننا لابد أن تكون امتدادًا لهؤلاء العظماء المجددين أمثال الأفغاني والنديم والبناء والاهتمام بهؤلاء الرموز يحل لنا مشاكل كثيرة ويؤكد لنا أننا أبناء تلك الكوكبة، ويحقق لنا الاستفادة من تجاربهم وجهادهم وبالتالي تكون الحركة الإسلامية المعاصرة حلقة من حلقات الجهاد الإسلامي والوطني يسبقها حلقات وتتبعها حلقات.
وأشار مورو إلى أن أبرز مميزات الأفغاني أنه كان يجمع الأمة على الثوابت المتفق عليها ولا يعمل أو يشغل فكره بالخلافات وكان يعرف تمامًا حقيقة التحدي الذي يواجه أمتنا وكان يعلم أمته ويرشدها لهذا التحدي الذي تمثل في الهيمنة الغربية والتقليد الأعمى، وتذكر وقائع التاريخ أن الأفغاني كان حريصًا على تجميع كل قوى الأمة ضد النفوذ الأجنبي سواء كانت تلك القوى إسلامية أو علمانية أو مسيحية شريطة أن يكون هؤلاء مؤمنين بالمشروع الفكري الإسلامي، كما لم يتعال على الناس ولم يعتبر نفسه أفضل منهم بل كان معلمًا متواضعًا ومجاهدًا صلبًا أظهرت أفعاله صدق أقواله.
تيار وليس فردًا
وبدأ الدكتور محمد عمارة حديثه موضحًا أننا لا يجب أن ننظر إلى الأفغاني على اعتبار أنه علم منفرد في حياتنا السياسية والفكرية الإسلامية بل باعتباره رائدًا وقائدًا لتيار الجامعة الإسلامية والتجديد والإحياء في الفكر الإسلامي في مواجهة التخلف من ناحية وتحدي الهيمنة الغربية والزحف الغربي على البلاد الإسلامية من ناحية أخرى، وأهمية تيار الأفغاني - كما قال الدكتور عمارة - أنه صنع تحولًا جذريًا وعميقًا في تطورنا الحضاري، فقبل الأفغاني في مصر كان الإصلاح والتحديث بواسطة الدولة، لكن مدرسة الأفغاني جعلت حركت الإحياء والتجديد حركة شعبية فهي أول من أصدرت صحفًا غير حكومية، وعلى يد الأفغاني أصبح هناك حديث في العالم الإسلامي عن الشورى والدستور، وكان الأفغاني يقول: «إن الأمة تبايع الملك على احترام الدستور، فإذا احترم الدستور يظل التاج على رأسه، أما إذا لم يحترم الدستور، فإما أن يبقى رأسه بلا تاج، أو تاجه بلا رأس» كما مثل الأفغاني تطورًا وتحولًا جذريًا في العالم الإسلامي، فهو أول من أقام تنظيمات حزبية وتلك التنظيمات لم تكن معهودة في مصر قبل قدوم الأفغاني.
وأشار الدكتور عمارة إلى أن من أبرز مميزات تيار الأفغاني أنه تيار تجديد، وقال: نحن نضع مصطلح التجديد في الوسط بين مصطلحي التغريب والجمود والتقليد، وفي أيام الأفغاني كان هناك تيار تقليدي في الأزهر، والفكر الديني جامدًا على الموروث، ولم يكن الموروث جامدًا عند هذا التيار على عصر الحضارة الإسلامية الزاهر بل كان جامدًا على عصور الجمود والانحطاط في تلك الحضارة، وكان رد الفعل على هذا التيار الجامد هو التيار المستغرب، والتغريب بدأ كلون من الاجتهاد الخاطئ، فقد تصور البعض أن الإسلام هو هذا الركام الذي تبلور في عصور التراجع الحضاري فينسوا من هذه الصورة وحسبوها هي الإسلام، وكان البديل الغربي في ذلك التاريخ بديلًا متألقًا ولم تكن أمراض الحضارة الغربية قد عرفت في ذلك الوقت، وبين هذا التيار التقليدي الجامد وتيار التغريب المنهزم أمام الحضارة الغربية كان تيار التجديد الذي قاده الأفغاني، ومدرسة الأفغاني كانت تهدف إلى العودة إلى الثوابت، ثم تجدد في المتغيرات وتحدث الإمام محمد عبده عن هذه المدرسة بقوله: إننا كنا شيئًا جديدًا بين طلاب علوم الدين ومن هو في جانبهم وطلاب علومهم المدنية ومن هو في جانبهم وكنا سلفيين في الدين، ولكننا مجددون في العلم والمدنية، وهذا التيار هو الذي أعاد للثقافة الإسلامية مرة أخرى خصيصة من أعمق خصائصها وهي الجمع والتأليف ما بين النص والعقل والقلب.
فصام نكد
وفصل الدكتور عمارة حديثه قائلًا: إن من أبرز آفات الثقافة الإسلامية في عصور كثيرة خاصة عصور التخلف وجود فصام نكد بين العقل والقلب والنص، فعندما نقرأ القرآن سنجد الحديث عن العلاقة الزوجية بين الرجل وزوجته في كلمات مثل الميثاق الغليظ والمودة والرحمة والسكن والإفضاء، وهي مصطلحات شديدة الرقي والعمق والجمال، ولكن لننظر ماذا حدث في الكتابات الفقهية عن هذه العلاقة الزوجية عندما حدث هذا الفصام النكد، فالكتابات الفقهية تصف العلاقة الزوجية بأنها «عقد تمليك بضع المرأة» أي كلام شديد السخف من هذا؟ وكذلك عندما يتحدث القرآن عن الصلاة لا يقول أداء الصلاة ولكن يقول إقامة الصلاة، فالفرق كبير بين الأمرين، فالأداء مثل التمرينات الرياضية لكن الإقامة فيها حضور وخشية، لكن لو نظرنا إلى الركوع والسجود في كتب الفقه لوجدنا السجود هو اطمئنان الأعضاء فلا هم للفقهاء إلا الحديث عن الشكل وحينما جاءت مدرسة الأفغاني محمد عبده، كان فيها البعد الصوفي مع البعد العقلاني فالأفغاني أعاد إلينا مرة أخرى البعد العقلاني والفلسفي، وهكذا عاد مرة أخرى اللقاء والالتقاء بين النص الديني وبين العقل الذي يفقه هذا النص الديني وبين القلب الذي يستخدم البعد الصوفي المعتدل في فهم هذا النص حتى يصبح عندنا فقهاء لهم قلوب وصوفية لهم عقول.
وأشار د. محمد عمارة إلى أننا في مدرسة الأفغاني وجدنا إعادة التأليف بين دوائر الانتماء للمسلم، ففي ذلك التاريخ أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت مفاهيم للوطنية لا تعرف للوطن امتدادًا خارج حدود الإقليم ومفاهيم للقومية لا تعرف للقومية امتدادًا خارج حدود اللسان أو العنصر، ومفاهيم للجامعة الإسلامية - تهمل أحيانا هذه الدوائر الوطنية والقومية، ولكن في تيار الجامعة الإسلامية الذي قاده الأفغاني نجد كلامًا عن مصر ودور مصر ومركزيتها، ونجد كلامًا عن اللغة العربية ودورها في تحديد نظام الأمة وجغرافيتها، ونجد كلمة الجامعة الإسلامية هي العنوان على هذا التيار، فكأن الأفغاني أعاد التأليف بين دوائر الانتماء الثلاثة الوطنية والقومية والإسلامية وركز الأفغاني على أن جنسية المسلم هي دينه وعقيدته، وأن نظام الجنسية الذي عرفته الدولة القومية الأوروبية مرفوض، والأفغاني كان بذلك يلمح لبوادر الشقاق التي بدت بين الجامعة العربية والجامعة الطورانية، فأراد سد هذه الثغرة بدعوة السلطان عبد الحميد الثاني إلى مشروع السلطان سليم وهو تعريب الدولة العثمانية، لأنها لو اتخذت لغة القرآن لسانًا لها فسوف يزول التناقض، وبذلك نقضي على مأرب الاستعمار.
عملاء الغرب
واستطرد. محمد عمارة قائلًا: إن الأفغاني اعتبر أن الذين يقلدون النموذج الغربي هم عملاء للغرب وأنهم هم الذي يفتحون الثغرات للاحتلال الغربي، وهم الذين يثبتون اقدام الاستعمار الغربي في بلادنا، وهذا هو الذي نشاهده في حزب إسرائيل وحزب أمريكا وحزب فرنسا في بلادنا، وهو الذي نراه في العلمانية التركية التي تتحالف مع الصهيوني في مواجهة ما يسمونه الأصولية الإسلامية، فإن كنت ترى الغرب هو النموذج للتقدم، فأنت والغرب والصهيونية في خندق واحد، والأفغاني له لمحة عميقة حينما يفسر متى ولماذا بدأ الانحطاط والتدهور في الأمة الإسلامية؟ إن بعض الناس يرجعون ذلك إلى الحروب الصليبية أو حكم العسكر والانقلابات العسكرية، لكن الأفغاني أرجع ذلك إلى ظهور الفكر الإلحادي الذي ظهر في الفكر الباطني والإسماعيلي منذ الدولة الفاطمية، لأنه في ظل هذا الفكر الذي عزل الدولة عن الأمة حدث التمزق الذي فتح الأبواب للحروب الصليبية، ثم بعد ذلك لعسكرة الدولة والمجتمع.
شبهات حول الأفغاني
وناقش د. عمارة الشبهات التي يرددها خصوم الأفغاني وخصوم الحركة الإسلامية وحصرها في اتهامين:
الاتهام الأول: اتهام الأفغاني بأنه كان إيرانيًا وشيعيًا وهذا زعم باطل، والمستشرقون والصهاينة وخصوم الإسلام الذين اتهموه بذلك، دللوا على أن شاه إيران أخرج الأفغاني من إيران بطريقة غير كريمة، وعندما أرادت السلطات أن تقبض عليه أثناء إقامته بالأستانة بجوار السلطان عبد الحميد أرسلت للسلطان طلبًا بتسليم الأفغاني لها باعتباره مواطنًا إيرانيًا وافتعلوا لذلك وثائق مزورة، لكن السلطان رفض طلب إيران، وهكذا فالذي ابتدع أن الأفغاني إيراني هو الشاه الذي أراد أن يقتله، والعجيب أن من كتبوا ذلك عن الأفغاني وزعموا أنه إيراني لم يستندوا إلى مرجع علمي سليم، وأشار عمارة إلى أنه لم يجد نصوصًا في مؤلفات وخطب الأفغاني تقطع بأنه كان شيعيًا، بل إنه يرفض في مؤلفاته قضية العصمة، وذكر أن الشريعة ليست في حاجة إلى معصوم.
الاتهام الثاني: أن الأفغاني كان ماسونيًا والحقيقة أن الأفغاني انضم للماسونية في وقت كان للمحافل الماسونية لون من الحماية والحصانة الأجنبية حتى لا ينالها الاستبداد المحلي، وكان أعضاء الماسونية يمارسون نشاطًا قد لا ترضى عنه الدولة، والأفغاني أراد أن يستفيد من هذه الميزة وأن يطوع المحفل الماسوني لدعوته بالإضافة إلى أن الماسونية في ذلك الوقت كانت حسنة السمعة، ولم تكن قد نشأت بينها وبين المشروع الصهيوني أي صلة، حيث لم تكن الصهيونية الحديثة قد تكونت بعد، فقد تأسست في أعقاب مؤتمر بازل عام ١٨٩٧م، والأفغاني مات في نفس هذا العام، وقبل انعقاد المؤتمر هذا بالإضافة إلى أن الحركة الماسونية ظهرت في العصور الوسطى في أوروبا معادية للبابوات وحكم الكنيسة وكانت ترفع شعارات الحرية والإخاء والمساواة التي هي شعارات الثورة الفرنسية، وكانت شعارات حسنة السمعة في ذلك التاريخ، وقد طلب الأفغاني من المحفل الماسوني في مصر أن يقف في مواجهة التدخل الأجنبي والاستبداد الداخلي، إلا أنه رفض وانكشف سوء حاله، وقال أعضاؤه هذه ليست مهمتنا ولا دخل لنا بالسياسة، فخطب الأفغاني في مؤتمر المحفل الماسوني وفي حضور ولي عهد إنجلترا خطبة نارية ضد الماسونية والمحفل الماسوني، وقال: لم يبق من الماسونية إلا بعض الطلاسم التي تفسد عقائد الناس، ولا يفهمها الإنسان الذي يدخلها واستقال الأفغاني من الماسونية وخرج منها وبدأ يهاجمها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل