الثلاثاء 04-أبريل-1978
كما أشرنا فقد انعقدت الدورة الثالثة للمجلس الأعلى للمساجد في مكة المكرمة في الفترة من 16 إلى 20 ربيع الثاني 1398 الموافق من 25-29 مارس 1978م، وقد وصلتنا بعض البحوث والكلمات التي ألقيت في المجلس الأعلى، وتعميمًا للفائدة ننشر اليوم كلمة الأستاذ طفيل محمد أمير الجماعة الإسلامية بباكستان عن الجهود المبذولة لتطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان واقتراحاته بصدد ذلك.
مرت باكستان في السنوات الأخيرة بظروف كانت الاشتراكية تسود فيها بجميع مظاهرها من تأميم الصناعات والتجارات والتعليم، وهدم العقيدة الإسلامية والعادات الإسلامية، ونشر الانحلال الخلقي، وتقليص دور الدين في الحياة الاجتماعية، وإطلاق عنان المارقين والمنحرفين والمشبوهين، وكبت أفواه المسلمين، وفرض الرقابة الشديدة على الصحف، وإعداد القوات البوليسية والمليشيا على طراز الحرس الأحمر، وتعبئة الدوائر الحكومية بمديرين موتورين حاقدين على الإسلام، وإعطاء أزمّة التوجيه الشعبي لرجال الحزب الانتهازيين، وتوزيع المواد الغذائية والمؤن بالبطاقات وبأيدي الأوباش، واستخدام المرأة في جميع المجالات لتمزيق النظام العائلي، واستخدام الأقليات في قمع الأغلبية، واستخدام كل الوسائل الإعلامية من الإذاعة والتلفزيون والصحف والمسرح والنوادي لتعميق الجذور الاشتراكية وبث العصبيات الإقليمية، وإحياء الحضارات الجاهلية البائدة.
وكان رئيس الحكومة السابقة على رأس هذه المهمة البغيضة. يدعمه في ذلك الشيوعيون من جميع أنواع الولاء والانتماء. ومن الغريب أنهم كانوا ينادون بالإسلام عند اللزوم. غير أن الاشتراكية هي ديدنهم وغايتهم النهائية.
وإزاء هذه الفتنة الجديدة، ومظاهر المكر والخدعة والتضليل أصبح الشعب الباكستاني المسلم في حيرة من الأمر، يبكي على مصيره ومصير دولة أنشئت للإسلام لا تربط بين أجناسها المتنوعة ولغاتها المختلفة إلا رابطة العقيدة، التي إن استحكمت توطدت دعائم الدولة وإن انحلت تفرقت الدولة أيدي سبأ.
وعلت الشكاوى إلى القوي العزيز، وتعالت الصيحات إلى ذي العرش المجيد، وارتفعت الأيدي بتضرع وجزع إلى منقذ ذي النون من بطن الحوت. هذا في جانب، وفي الجانب الآخر لم يقف الزعماء المخلصون من الأمة وذوو العقول الراجحة من أبناء البلد مكتوفي الأيدي، بل ظلوا يشجعون الشعب المخنوق على مجابهة الأوضاع بالصبر: يرفعون معنوياته، وينتقدون الفساد والدمار ويبثون الأمل في القلوب البائسة، ويعيدون الحرارة في العروق المتجمدة وينذرون قومهم بما يساقون إليه من مهاوي الهلاك، وينصحونهم بالوقوف في وجه غطرسة السلطات غير آبهين بما يصب عليهم من الظلم، ولا متخاذلين تجاه التهديدات الصادرة من الظالمين كالرعد والبرق.
وطبعًا قوبل موقف الزعماء المخلصين بمزيد من الظلم، وبوسائل الحديد والنار، حيث أصبح كل من كان ينطق بالحق يساق إلى السجن. فكم من شريف قبض عليه بتهمة السرقة، أو ارتكاب جناية، أو غير هذا النوع من التهم المضحكة المبكية، وزج به في السجن، وعومل معاملة لا يقدر القلم على التعبير عن شناعتها، وكان هناك في البلد برلمان كما يقال، ولكن نوابه من المعارضة أهينوا وديسوا تحت الأقدام حتى في داخل البرلمان، وحصل مرة أن دخل رجال البوليس البرلمان وأخذوا نواب المعارضة إلى خارج البرلمان وهناك نبذوهم نبذ النواة، أمر لم يعرفه تاريخ البرلمان في العالم.
ولما جاء موعد الانتخاب العام في الأسبوع الأول من شهر مارس عام 1977م كونت الأحزاب والجمعيات الإسلامية والوطنية تحالفًا حتى تدخل في الانتخاب متضامنة متماسكة. وما إن سمع الشعب الباكستاني بهذا التحالف حتى انفجر فرحًا وسرورًا، وأيده بشكل منقطع النظير لم يكن يدور بخلد الحاكم وأعوانه، ولما رأى الحاكم فشله في الانتخاب لجأ إلى تزويره بل إعلان نجاحه وأعوانه في الانتخاب قبل أن تتم عملية الانتخاب؛ فثار الشعب الباكستاني المسلم على هذه الفرية، وقدم ما قدم في هذه السبيل من تضحيات رائعة في الأنفس والأموال، ونال ما نال من المحن والشدائد إلى أن أنعم الله عليه بالفرج؛ فقد هوى صنم الاشتراكية ورمز الفساد والدمار، وانهار الطاغوت وتولت أمور البلاد القيادة العامة للجيش الباكستاني مؤقتًا، وأعلنت أنها ستعيد الانتخاب من جديد، وتسلم الحكم إلى ممثلي الشعب الشرعيين، وقبل إجراء الانتخاب تريد القيادة الجديدة أمرين، الأول: تطبيق القوانين الإسلامية، والثاني: تحسين الأوضاع الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالأمر الأول فقد شكل مجلس باسم مجلس العقيدة الإسلامية، يضم العلماء والمشايخ ورجال القانون والفقه والاقتصاد مهمته إعداد القوانين الإسلامية، واستبدالها بالقوانين الحالية المدنية والمالية والجنائية المتعلقة بالحدود والقصاص والتعزير، كما أن المجلس شكل لجنة اقتصادية تعتني بإعداد النظام المصرفي غير الربوي لتطبيقه في باكستان مكان النظام الربوي بأقرب فرصة. وكذلك نظام جباية أموال الزكاة وصرفها بموجب الشريعة الإسلامية، والذي ... هو أن مجلس العقيدة الإسلامية يعاني مشكلات كثيرة في ... إعداد التشريعات الإسلامية، واستبدالها بالتشريعات الوضعية. أهل العلم في باكستان يتعاونون ... في هذه المهمة الشاقة حتى ... التشريعات إسلامية النص والروح، ومستوعبة الحلول والأبعاد منسجمة مع ظروف المجتمع.
ومع ذلك فإن الظروف في باكستان ... على الاستعانة بالكفاءات الإسلامية في خارج باكستان، وأصبح رجال القانون والفقه يناشدون عقد مؤتمر إسلامي يشمل ثلة مختارة من رجال القانون والفقه في العالم الإسلامي. وأخيرًا أصدر رئيس المحكمة العليا في لاهور القاضي مشتاق حسين تصريحًا أشار فيه إلى نفس الضرورة، وكما يطالب بذلك المحامون والحقوقيون والعلماء والخبراء.
ومما لا شك فيه أن الحاكم العسكري الجنرال محمد ضياء الحق شمر عن ساق جده لتطبيق الإسلام في باكستان، وجماعة كبيرة من الجيش الباكستاني تسانده على تحقيق هذه الرغبة. ولكن هناك في باكستان ثلاث فئات تحاول إبطال هذه الجهود:
الفئة الأولى: العصريون الذين افتتنوا بالأنظمة الغربية، وانغمسوا في مظاهر الترف والبذخ والانحلال الخلقي، لا يريدون أن يتخلوا عنها، وهم وإن كانوا قليلي العدد لكنهم يعدون في الطبقة الرائدة.
الفئة الثانية: عدد من موظفي الحكومة- وحسب المصطلح الحديث جماعة البيروقراطيين- تدربوا على إدارة النظام الباطل، وتعودوا على الارتشاء، والتحكم في رقاب الناس على هواهم. هؤلاء أيضًا يعرقلون المسيرة الإسلامية، وينشرون في قلوب الناس الرعب بأن النظام الإسلامي عبارة عن: قطع الأيدي والأرجل وإرغام النساء على لبس الحجاب والقرار في البيوت.
الفئة الثالثة: جماعة من رجال حزب الشعب: حزب ذي الفقار علي بوتو، وهؤلاء الناس حكموا هذه البلاد ست سنوات فنهبوا أموال الناس، وهتكوا أعراضهم، وعاثوا في الأرض فسادًا وصاروا رأسماليين وإقطاعيين، رغم ادعائهم بأنهم اشتراكيون تقدميون، فقراء وأصدقاء الفقراء، وبدأت الحكومة الحالية محاسبتهم تحت مبدأ: من أين لك هذا؟
ومن الجدير بالذكر أن هذه الفئات الثلاث التي تحارب القوانين الإسلامية اندست فيها العناصر القاديانية والشيوعية وأصحاب المذاهب الهدامة الأخرى، ولكن ما عدا تلك الفئات الضئيلة فإن جميع المسلمين في باكستان من العسكريين والمدنيين، من العمال والفلاحين، من القضاة والمحامين، من رجال التعليم والتربية ورجال الصناعة والتجارة، ورجال الاقتصاد والفن، والمثقفين والأميين يريدون تطبيق القوانين الإسلامية، وينتظرون ذلك اليوم السعيد بفارغ الصبر.
ولذلك نقول إن الظروف ملائمة جدًّا لاتخاذ الخطوات الحاسمة في سبيل تطبيق القوانين الإسلامية في جانب، وفي الجانب الثاني للقيام بمهمة شاملة مدروسة لتطهير المجتمع الباكستاني من الأوساخ والأرجاس، والقضاء على التناقضات التي تسودها، بوسائل التبليغ والتربية؛ لأن القانون وحده لا يكفي لإصلاح المجتمع، ما دام لا يقترن بجهود مركزة تحضر المجتمع بقبوله واحترامه والعمل به بالشوق والرضاء.
ونرجو من الإخوة الكرام أعضاء المجلس العالمي الأعلى للمساجد، والأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي أن يجعلوا باكستان في طليعة اهتماماتهم؛ فنجاح الإسلام في باكستان سوف يفتح أبوابًا لنجاحه في البلدان الإسلامية الأخرى، ولهذا أقترح على المجلس العالمي الأعلى للمساجد ما يلي:
1- بعث برقيات تأييد ومساندة إلى الفريق أول محمد ضياء الحق الحاكم العسكري في باكستان، وإلى رئيس مجلس العقيدة الإسلامية القاضي محمد أفضل جيمه، وإلى رئيس محكمة النقض والإبرام القضاء العالي القاضي أنوار الحق، برقيات تتضمن تحبيذ الجهود التي تبذل في سبيل تعديل القوانين الوضعية بالقوانين الإسلامية، وتقديم المساعدات اللازمة في إنجاح هذه المهمة الجليلة.
2- تأييد فكرة عقد مؤتمر إسلامي يناقش القوانين الإسلامية وطرق إعدادها في العصر الحاضر، وكيفية تطبيقها والخطوات اللازمة لإعداد الجو الملائم لها، إذ أن مثل هذا المؤتمر في باكستان سوف يرفع معنويات المسلمين، كما يدحر المحاربين للقوانين الإسلامية.
3- بعث وفد من المجلس العالمي الأعلى للمساجد إلى باكستان، يقابل الفريق أول محمد ضياء الحق الحاكم العسكري وزملاءه من العسكريين والمدنيين في الحكم، ويتباحث معهم في موضوع ما هو فيه من إعداد للنظام الإسلامي، والعقبات التي تعترضهم في هذا السبيل ويمكن أن يخاطب الجماهير المسلمة أيضًا في الاحتفالات التي تقام له، ويؤكد عليها وعلى زعمائها ضرورة التضامن والتكاتف، وضرب الخلافات السياسية أو الفرعية البسيطة عرض الحائط، تفاديًا للمؤامرات السرية والعلنية التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين في داخل باكستان وخارجها.
هذا وأخيرًا ندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه.