; حاجة الخطاب الإسلامي إلى التجديد | مجلة المجتمع

العنوان حاجة الخطاب الإسلامي إلى التجديد

الكاتب سعيدي دحمان عبدالرحمن

تاريخ النشر السبت 26-يناير-2008

مشاهدات 61

نشر في العدد 1786

نشر في الصفحة 66

السبت 26-يناير-2008

تجديد الخطاب الإسلامي يكاد يكون من الموضوعات التي قل من يتطرق إليها بعمق وجرأة في ساحات السياسة والثقافة والفكر. فالخطاب ليس التعبير وتوجيه الحديث للأخر، ونقل الفكرة المكنونة في القناعة للآخرين، وإنما هو أشمل وأوسع مما يتصوره البعض، فهو بهذا الاتساع يتضمن قواعد ومبادئ وتصورات على صاحب الخطاب «الداعية السياسي، المثقف، والباحث» أن يراعيها، كما يتضمن طبيعة العلاقة التي يريد أن ينسجها المخاطب مع المخاطب ونوعيتها. وكيفية صناعة رأيه وتشكيل نفسيته نحو قضية معينة تشغله ويركز عليها بكل عمقه، ونرجع التقصير في مناقشة وتحليل هذا الموضوع إلى غياب الجوهرية في التصور، فينصرف النقاش إلى الخطاب المجرد عن سياقاته السياسية والثقافية والاجتماعية والأوضاع المحيطة به إقليميًا ووطنيًا ودوليًا، والقضايا ذات البعد الاجتهادي التي تتطلب معاملة في مستواها، أو يكتفى بالبحث في أساليبه ومواضيعه التقليدية، كما يجنحون به إلى دائرة الثوابت بدلًا من أن يكون في دائرة المتغيرات، فغلب على تصور الكثير أن الخطاب من الثوابت، واستعصت الرؤية التجديدية أن تلمسه.. حتى جاءت الأوضاع العالمية والضغوط الدولية والتحولات السريعة داخل المجتمعات الإسلامية في كل اتجاه، فصار كل ما كان مرفوضًا تناوله بالخطاب مرفوضًا للتعاطي الفكري والثقافي والسياسي. فلا يمكن ملامسة التجديد من جهة الخوف والريبة، إنما تناوله من جهة الشجاعة والقناعة بالإثراء والاجتهاد.

رؤية الإسلاميين

يرى الإسلاميون الخطاب على أنه وسيلة لنقل الفكرة ومخاطبة الناس بها ومن خلالها، ولا يركزون بوضوح على طبيعة الخطاب وموضعه وقدرته العلمية والفكرية على معالجة المستعصيات من الإشكالات والصعوبات والمستجدات المصاحبة والمتولدة من الحركة السياسية والثقافية والاجتماعية وإفرازات الأوضاع الاجتماعية والسلوكية والنفسية للمجتمع.

لذلك اتجه الخطاب الإسلامي إلى العمومية والإجمالية في الرؤية، فصار لا يتعدى القضايا التقليدية التي تحجب القضايا الأساسية. وبذلك حصر الإسلاميون تناول الخطاب في التعبئة والتجنيد للفكرة دون نقل هذا الخطاب إلى ساحات المحاورة والإقناع والفعل الفكري مما أعاق الإبداع والتطور والإثراء.

وليس الخطاب مجالًا للسجال والجدال العقيم وتبادل التهم والتقليل من شأن الآخرين فكريًا وسياسيًا وثقافيًا، والزج به في سياق ردود الأفعال والانفعالية المترتبة عن التشرذم الفكري والسياسي والخلط الثقافي، فيذهب الكثير من مروِّجي الخطاب الإسلامي إلى اعتماد منهجية الاستثمار في الصراعات والمواجهات المختلفة، والابتعاد به عن ساحات المساهمة في الحلول وتذليل الصعوبات والمعالجات الموضوعية لمختلف الإشكالات.

ضرورة لا مفر منها

لا يتأتى للخطاب الإسلامي الحضور في ساحة الفعل والقرار إلا بالتجديد والإثراء، وترقيته إلى مستوى النظر عند الإسلاميين، لتكون قناعة قائمة في منهجية المعالجة والحضور الكافي في ساحة الفعل الحضاري. وهذا يدفعنا إلى طرح السؤال التالي والإجابة عنه: لماذا نجدد الخطاب؟ وكيف تجدده؟ وفي أي سياق يكون التجديد ؟

ونجيب فنقول: إن تجديد الخطاب ينطلق من جهتين:

أولًا: جهة التصور.

ثانيًا : جهة الواقع.

من جهة التصور

أولًا: نرى أن التجديد سنة من سنن الله في الكون والحياة، فالإنسان والكون الذي يحيط به تجري فيه وعليه تغييرات، وتلمسه تطورات بحكم الفطرة أو بواقع الظروف الداعية للتجديد. قال الله تعالى في طبيعة الإنسان، ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ « نوح: ١٤»، فالإنسان إذا نظر في نفسه أو غيره فسيجد أن نفسه مرت بمراحل مختلفة ومتعددة. فهي أطوار ومراحل، تتكيف معها الأبعاد النفسية والعقلية والبدنية وتنسجم فيها.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم لعملية التجديد في المفاهيم والعودة بالناس إلى الفهم السليم للإسلام كلما اعتراه الفهم الخاطئ أو القاصر بقوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها». 

ثانيًا: ترك أو رفض التجديد وعدم الإقبال عليه يؤدي حتمًا ويقينًا إلى الجمود والانحباس في موضع محدد، وعدم التحرك إلى موضع آخر ومغاير، فالتجديد يعطي الحيوية للأشياء، ويدفع إلى الإبداع. 

ثالثًا: سنة التطوير والتجديد في الرسالات والأديان كانت قائمة وثابتة، حيث ظهرت جزئية ثم تكاملت وتعاظمت، ثم رأيناها توسعت وارتقت، ثم تمت لقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ ﴾ «سورة المائدة: ٣»، فالخطاب الإسلامي عندما نتابعه ونسمع له نراه يحتاج إلى التجديد والتطوير، وذلك بحكم ما اعترضه من خلل وجمود في بعض مفرداته وسياقاته وموضوعاته وتجاوزه للأحداث والمعطيات؛ خاصة مع القضايا المعقدة التي كانت نتاج التشابك الفكري والسياسي والعرقي والمذهبي والسيسولوجي داخل المجتمعات، والمستجدات التي لها علاقة بالتحولات العالمية.

الرابط المختصر :