العنوان حاجة المسلمين إلى اقتصاد إسلامي
الكاتب عمار محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1988
مشاهدات 109
نشر في العدد 856
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 01-مارس-1988
إن العالم اليوم
بشقيه الغربي والشرقي، يعيش في أقسى أيامه وأتعس أحواله، مما يعانيه من تضخم كبير،
وكساد مخيف.
فالتاريخ يعيد
نفسه، والدورات الاقتصادية تتعاقب بين رواج وكساد، وانتعاش وانكسار، وما تجلبه من
نتائج اقتصادية متغايرة بين زمن وآخر، لكن ما نلاحظه في عالمنا اليوم من نتائج
اقتصادية، تُعتبر غريبة نوعًا ما، تحتاج إلى بيان، ذلك أن العالم اليوم يعاني من
«الكساد التضخمي»، فهناك كساد يقابله ركود وبطالة، وهذا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار،
ثم زيادة المعروض عن المطلوب من السلع الاستهلاكية والخدمات الإنتاجية مما يؤدي
إلى التضخم.
فقد صاحبت ظاهرة
التضخم العالمي ظاهرة الكساد التضخمي «Stagnation»،
وهما ظاهرتان متناقضتان جمعتا بين نقيضين، وهما: ارتفاع أسعار السلع من جهة،
وزيادة المعروض منها بدون الطلب عليها من جهة أخرى.
وقد ظهرت عملية
التضخم العالمي في العقدين الأخيرين، ثم كان الكساد بسبب ذلك التضخم، وكثر الإنتاج
وتعددت أصنافه، وزادت الأسواق من عملية عرضه، مع رفع أسعاره بشكل ملحوظ، فقل الطلب
على المعروض المتزايد من تلك السلع الغالية الثمن، مما أدى إلى عدم رواجها وكسادها
وهذا نتيجة تضخم الأسعار.
ثم تدخلت الدول
جميعها لإبعاد العالم عن شبح الكساد، وقالوا: هل تتكرر المأساة الكبرى؟ وهي مأساة
الكساد الكبير التي حدثت في العالم الغربي، وفي أمريكا بالذات، ثم انتشر إلى بقية
أوروبا، وذلك في عام 1929. وكان نتيجة مباشرة لآثار الحرب العالمية الأولى التي
حدثت في عام 1914-1918، حيث تضررت دول كبرى بتلك الحرب، مثل ألمانيا الغربية، فقد
حكم عليها مؤتمر فرساي الذي عقد في عام 1919 بأن تدفع تعويضات كبرى للدول المتضررة
بالحرب، مما أثر هذا جدًا على الاقتصاد الألماني، وأصاب ألمانيا بكساد كبير، وذلك
في عام 1923، وكانت البذور الأولى للكساد الكبير عام 1929 الذي أصاب أمريكا.
ومن طبيعة
الدورات الاقتصادية المتعاقبة بين رواج وكساد أن تتعاقب بين فترة مدتها 40-50 سنة.
فهل الاقتصاد العالمي مهدد بالانهيار بعد مضي هذه المدة؟!
إن معظم حل
المشكلات الاقتصادية يكون بتدخل القرارات السياسية، لأن ثمة ارتباطًا عضويًا بين
السياسة والاقتصاد ومعدلات الأسعار والأمن. فنجد أن سعر برميل الزيت في حرب مصر
وإسرائيل، كان في عام 1972 (1.75 دولار)، وفي عام 1973 (5 دولارات)، وفي عام 1974
(25 دولارًا)، وفي عام 1978 كان (40 دولارًا).
فنحن إذا تأملنا
واقعنا المعاصر اليوم، وجدنا ظاهرة واضحة لا تخفى للعيان، وهي ظاهرة التكتلات
الاقتصادية العالمية كظاهرة عالمية، حيث أثبتت الحرب على الصعيدين: العسكري
والاقتصادي، أن الكيانات الهزيلة لا وجود لها في ظل عهد العمالقة، ومن ثم كان
السعي للتكتلات الاقتصادية كظاهرة هامة جدًا للبحث والدراسة، وتحليل أبعاد
أهدافها، ونتائجها لكي لا تكون الدول النامية المسحوقة المتخلفة لقمة سائغة
للأقوياء، يستغلون مواردها ويستثمرون طاقاتها للمصالح الاستعمارية.
فمن مظاهر تلك
التكتلات الغربية السوق الأوروبية المشتركة التي تضم: «فرنسا – إيطاليا - ألمانيا
- بلجيكا - هولندا - بريطانيا - لوكسمبورغ»، ودول الكوميكون وأعضاؤها: «النمسا -
النرويج - السويد - الدنمارك - سويسرا - فنلندا». وهناك منظمة التجارة الحرة
الأوروبية، وهناك مجموعة المنظمات الدولية في إطار الأمم المتحدة، وتضم سبع منظمات
وهي: منظمة الجات «للتجارة والعلاقات الدولية»، ومنظمة الأونكتاد «للتجارة
والتنمية»، ومنظمة الفاو للأغذية، ومنظمة اليونسكو للمجالات الثقافية، واليونيسيف
لرعاية الطفل، واليونيدو ومنظمة الصناعة العالمية، والأونروا وهي هيئة مساعدة
اللاجئين في العالم.
وهذا النمط من
التكتلات يهدف إلى خلق تكتل قوي، وذلك للوصول إلى ما يسمى بالتكامل الاقتصادي، أي
التعاون الاقتصادي الكامل بين دولتين أو أكثر، للاستفادة من عناصر الإنتاج ومزايا
الإنتاج الكبير، ومن الاندماج الاقتصادي الذي يجعل عددًا من الدول كالدولة الواحدة
ولتحقيق وفورات من الحجم الإنتاجي الكبير، وللاستفادة من الخبرات الفنية، وزيادة
استغلال الموارد الأولية المتاحة، ولإيجاد فرص عمالية أكبر، وزيادة قدرة المساومة
في الأسواق العالمية، وزيادة قدرة الدول وطاقتها وفعاليتها بين الدول الأخرى، كذلك
الاستفادة من خلال إقامة مشروعات ضخمة حيوية هدفها توسيع الرقعة الاستعمارية
وزيادة الأطماع الغربية، وتحقيق أهداف سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية.
فتلك التكتلات
الرأسمالية، والمجموعات الفريدة التي تعيث فسادًا بهذا الكون، وتتحكم بخبرات شعوب
أخرى، وتسيطر على السياسات المالية والنقدية والمصرفية والاقتصادية، أصبح لها
الثقل الأكبر في السياسة الاقتصادية الحالية العالمية.
ومع أن مكونات
كل سوق مشتركة، أو مجموعة من الدول المتعاونة اقتصاديًا، هي دول تختلف عن الأخرى
في الدين واللغة والمزاج وتاريخ شعوبها وماضيها، نجدها مع ذلك قد وصلت بعضها إلى
أعلى مراحل التكامل الاقتصادي، وهو الاندماج الاقتصادي، الذي يأتي بعد مرحلة
الاتحاد الاقتصادي مع اختلاف تلك الدول المندمجة اقتصاديًا في الدين واللغة
والتقاليد، فقد سطرت تلك التجمعات أرقى مدارك النجاح الاقتصادي. ومضى أصحاب تلك
التجمعات متكاتفين متوحدين، لم تفتر عزائمهم، وأصبحوا قوة اقتصادية كبرى تتحكم في
الاقتصاد العالمي وموارد الشعوب النامية.
فلماذا لا تتحد
شعوب الدول العربية المسلمة التي تجمعهم أواصر الدين والعرق والنسب والتقاليد؟
وأين الوعي الاقتصادي الحكيم الذي يجعل الدول العربية كافة تسير في درب الوحدة
الاقتصادية، وتتطور عبر مراحل التكامل الاقتصادي حتى تندمج في دولة واحدة مصيرها
واحد وهدفها واحد وكيانها واحد وشعبها واحد ويجمع زعماءها مصالح واحدة، وأهداف
مصيرية واحدة؟
إن الاقتصاد
الإسلامي كفيل بإذن الله أن يحل مشاكل العالم الاقتصادية؛ إن طبقته تكتلات عربية
إسلامية، هدفها إعلاء كلمة الله، واتباع منهج الله حياة ودستورًا وشريعة.
فما يعيشه
العالم اليوم من دمار وخراب وحروب وكساد وتضخم إن هو إلا نتيجة واضحة وطبيعية
لمبادئ الاقتصاد المادي الرأسمالي والاشتراكي الملحد. فالاقتصاد الوضعي بشكل عام
ليس له مستقبل آمن في حياتنا الحاضرة، لأنه يقوم على فلسفة مادية سخيفة من وضع
البشر، تحكمها النوازع والنقائض والأطماع، ويقوم على الاحتكار والاستغلال والحرية
اللامحدودة، وتحكمه النزوات والأفكار المحدودة والشهوات المنحرفة والعقول المريضة
التي لا يهمها مستقبل الشعوب ولا حياة الأمم، ولكن هي الأطماع الرأسمالية
والتوسعات غير المشروعة، واستعمار الدول الفقيرة، أو مساعدتها وتقديم الخدمات لها
بهدف النيل من خيراتها وعقول شعوبها.
فلماذا لا يعود
العالم اليوم إلى الاقتصاد الإسلامي؟
وهو الحل الناجع
والأسلوب الرشيد والعادل لقيادة المجتمعات وحل المشكلات، فهو نظام انبثق من الكتاب
والسنة، شمل كل معالم الحياة ودقائقها، ولم يترك جانبًا مهمًا عظم شأنه أو صغر إلا
وتكلم عنه، وشرع لكل شيء قوانين ثابتة، لا تتغير حسب أهواء البشر ونزواتهم، كما تتغير
القوانين الوضعية وتتبدل آلاف المرات بين وقت وآخر، وإنما هناك تشريعات ثابتة
محترمة لا تقبل الجدل والنقاش، كما أنها لم تقبل التحريف والتزييف.
إن الاقتصاد
الإسلامي هو الحل الوسط لمعظم المشكلات التي نمر بها اليوم، والمشكلات الاقتصادية
تظهر وتؤثر على ميادين أخرى فتخلق المشكلات السياسية والاجتماعية والأدبية، وذلك
لابتعاد العالم العربي عن الصراط المستقيم والأسلوب العادل لحل مشكلاته الاقتصادية
والسياسية والاجتماعية والعسكرية.
إن مجلس التعاون
الخليجي ليسير في مضمار التكامل الاقتصادي السليم، وإن كان في أولى خطواته، لكن
تجمع الدول الغنية بالبترول لا يكفي، بل لا بد من تجمع الدول العربية الإسلامية
الأخرى في مضمار التكامل الاقتصادي. ومن جملة أسباب تخلف العالم النامي أن مجموعة
الدول البترولية مجموعة مستقلة، والتكامل الاقتصادي لا يتحقق إلا بتقارب الدول
الخليجية والعربية اقتصاديًا، حتى يتم التكامل الاقتصادي بين الجميع.
والاقتصاد
الإسلامي وهو الذي يستهدي بهدي الكتاب والسنة الطاهرة، وهو الاقتصاد البعيد عن
المطامع والأهواء، والنزعات، حري بأن يُطبق في هذه الآونة الخطيرة التي تعيشها
الأمة العربية الإسلامية اليوم، والمؤامرات الكبرى تحاك لها من كل دائرة بنسيج من
الغدر والخيانة والقضاء على الإسلام والمسلمين وإبعادهم عن التقدم، أو السير في
مجالات التنمية الاقتصادية.
فالمؤامرة اليوم
واضحة المعالم وهي القضاء على الدين، بإبعادهم عن اقتصادهم الإسلامي وطمس معالمه
الطاهرة المضيئة، ولكن ذلك بعيد إن صحا المسلمون وتنبهوا لتلك المؤامرات.
وإن المسلم
الغيور على أمته ومصيرها ومستقبلها ليتساءل:
لماذا لا يكون
العالم الإسلامي قوة اقتصادية كبرى بما حباه الله من ثروات طبيعية وثروات بشرية،
ينبثق عن هذه القوة الاقتصادية قوة سياسية وقوة عسكرية؟
لماذا لا تتحد
صفوف المسلمين، وتعتصم بحبل الله المتين، وتُعد العدة والقوة، وتتمسك بكتاب الله
وسنة رسوله، وتستهديهما في بناء اقتصادها الإسلامي الأصيل وتحقيق شخصيتها المسلمة،
وبذلك تتخلص من حياة الذل والخضوع؟
ألا من حل لتلك
المآسي التي يعاني منها المسلمون، إلا بأن يسود الاقتصاد الإسلامي المجتمعات
الإسلامية، لكي يطهرها من الصراعات الرأسمالية، والأحقاد الدفينة، والأطماع
الدنيئة، ويحولها إلى مجتمعات إنسانية راقية، يسودها الإخاء والرحمة والعدالة
والحق والمساواة، وبذلك تتغير أوضاعها الاجتماعية المريضة الفاسدة، وتصبح مجتمعات
متقدمة في كل ميادين الحياة.