الثلاثاء 28-مارس-1972
حول حادثة القتل في مدرسة الرميثية
سياسة التدليل.. والقدوة السيئة
من أسباب الجنوح الخطر لدى الناشئة
تحقيق:
سياسة التدليل.. والقدوة السيئة
ـ ليست بالجريمة العادية التي يمكن المرور على أحداثها سراعًا دون توقف عند وقائعها ودوافعها... وليست بالجرم الهين الذي لا يستحق الدراسة...!! إنها أفظع جريمة يرتكبها بشر... إنها القتل... إنها إزهاق روح إنسان... إنها التعدي على حرمات الله... ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ فيها... إنها انتهاك لحرمة المجتمع الإنساني كله ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾
مبعث الخطورة
ـوتتعاظم خطورتها حينما تحدث من شباب لم يتعد العقد الثاني من عمره... وما زال يخطو أولى عتبات الحياة...!!
ـوتشتد في إثمها لما نراها تقع من فتى يتعلم وفي قاعة الدرس والتهذيب...!!
ـوتبلغ الاستهانة بالأعراف والتقاليد، والقوانين والسلطة، حينما يقترفها الجاني أمام أعين الناس وعلى أسماعهم، وفي مجتمع أقرانه وزملائه، وأساتذته ومربيه!!
ـوالمهم أن يتم ذلك في أمة يتحدثون عن أعلى مستوى اجتماعي وصلت إليه بين الأمم كلها...!!
تساؤلات حتمية؟
ـفلماذا وقعت هذه الجريمة بهذه الصورة البشعة؟!
ـوما هي البواعث والدوافع التي كمنت وراء ارتكابها؟!
ـومن المسؤول عن هذا الانحراف الذي أصاب فتى في ريعان شبابه واكتمال عقله؟!
ـوكيف تصور الجريمة الكبيرة بهذه الصورة البسيطة حتى أقدم عليها؟!
ـوما هي الأبعاد المترتبة عليها؟!
ـوكيف نحمي مجتمعنا وصغارنا وشبابنا من أمثالها؟!
تدليل الشباب
ـلذلك رحت أسأل ناظر إحدى المدارس المتوسطة عن الحادث فقال:
ـليس من شأني أن أتعرض للحادثة هذه بالذات وتفاصيلها وعقوبتها... فذلك أمر موكول للقضاء ونزاهته، والقانون وكفايته... إنما الذي أستطيع أن أوجز لك القول فيه على العموم:
أولًا:- إن سياسة التدليل حيث نفتقد هذين المبررين.
أفقد البعض الشعور بالمسؤولية... فطلبات الأولاد من ذويهم مجابة دون تردد حتى السيارات أصبحت في متناول المراهقين... حتى أني لأذكر -إن لم تخني ذاكرتي- أن ناظر الشويخ الثانوية في إحدى الأعوام السابقة حاول أن يمنع السيارات الخصوصية ودخولها ساحة المدرسة فجوبه بالرفض والامتناع... ولعلك لو قمت بإحصاء عن حوادث المرور في هذا الشأن لراعك التهور واللامبالاة وكثرتها من هذا الشباب الذي يتلذذ فعلًا بالسرعة الجنونية.
ازدحام الصفوف
ثانيًا: ضعف قدرة المدرسة عن التوجيه الأخلاقي نظرًا لازدحام الصفوف بعدد الطلاب بحيث لا يتمكن الأستاذ من دراسة تلاميذه وميولهم وإمكان توجيههم... وإذا جاز ذلك في بلاد مزدحمة بالسكان ومواردها قليلة... فلا يمكن أن يكون ذلك في بلدنا هنا حيث نفتقد هذين المبررين .
إهمال النشاط المدرسي
ثالثًا: عدم اتساع وقت الدوام المدرسي لاستنفاد طاقات الأولاد في النشاطات المختلفة... ولا أخفي عليك أن ظروف المدرسة قد تستدعي إهمال النشاط واستغلالها في دروس تقوية للتلاميذ في مواد الامتحان .
الامتحانات
رابعًا: نظام الامتحانات ذاته الذي لا يعبأ ولا يعتمد على آراء المدرس في تلاميذه مما يفقد المدرس سلطة قد يستغلها أحسن استغلال في التوجيه العلمي والأخلاقي.
الأكاديمية البحتة
خامسًا: اقتصار التربية الإسلامية على حصص محدودة جدًا مع بعد المناهج الأخرى عن سياستها وانحصارها في الناحية «الأكاديمية البحتة»
الرائد الديني
سادسًا: افتقاد المدرسة إلى رائد ديني واقتصارها على مشرف اجتماعي علما بأنه لا يجب أن تنفصل مهمة الاثنين عن بعضهما .
الأفلام وكتب الجنس
سابعًا: الفراغ الذي يعانيه الشباب بعد المدرسة فيقضيه مع أفلام الجريمة وقرناء السوء، وكتب الجنس، ومغامرات الأشقياء فيتم في العطلة هدم ما يكون قد بني في المدرسة على قلته .
أجهزة الإعلام
ثامنًا: أجهزة الإعلام من إذاعة «وتليفزيون» وهي تقدم مسلسلات الجريمة والرعب وحلقات تضفي على مرتكبيها بطولة تستهوي الشباب، وتبعث في نفوسهم روح التقليد بل والابتكار...
مع أستاذ علم النفس
ـواكتفيت من السيد ناظر المدرسة بهذا التلخيص الجامع لأصل إلى أستاذ في علم النفس كنت على موعد معه حيث قال:
ـقبل أن نسرح في كيفية وقوع الحادث، ونوضح علاجه لا بد أن نعرف لماذا قام الشاب بهذا السلوك الذي نراه جرمًا وانحرافًا؟!
ونظرتنا إلى الانحراف تتأثر بالمجتمع الذي نعيش وقيمه الأخلاقية وقوانينه المحلية... وإذا ما أصبح الفرد مخربًا بحيث يتعارض سلوكه مع مصالح الغير يجب أن يهتم المجتمع بهذا الانحراف فما بالك إذا ما وصل إلى حد الاعتداء على الغير...!!
ـفمن الأسباب التي أراها دافعة لمثل هذا السلوك أحيانا «المنافسة» التي قد يندفع إليها الشاب عن طريق الأسرة إذا ما حاولت أن تثير في نفس أحد أبنائها العزيمة علي التقدم والتفوق وهي في هذا المجال –بدافع الحرص وحسن النية- تضرب له الأمثال بالأقران والزملاء... حتى يتولد في نفسه نوع من الغيرة الحاقدة على كل متفوق... وبدلًا من أن يغذ السير للحاق بهم يحاول تحطيمهم والاعتداء عليهم وإزالتهم كعوائق ماثلة أمامه لإبراز شخصيته وقدرته... وقد تنتقل هذه الطريقة إلى المدرسة...!!
ـفإذا لم تحسن ضبط المنافسة، وتقدير الأعمال البسيطة عند الضعفاء وتشجيعهم، حدث انحرافهم واعتداؤهم على غيرهم...!!
ـولقد قرأت في الصحف أن وراء حادث «الرميثية» حب فتاة... فشل القاتل حيث كان ينافسه المقتول عليها...!! وأن القتيل كان رياضيًا وأحد أبطال ناد من النوادي... وإنه استعمل عضلاته في المشاجرة مع زميله مما أدى إلى إغمائه وسقوطه أمام زملائه...!!
ـلذلك أرى أن تقوم المدارس بمراقبة التنافس البناء ودعم شخصية الضعفاء، وإبراز قوتهم في بعض النشاطات وهم أولى بالتشجيع من المتفوقين... وتقسيم الصفوف حسب القدرات بحيث لا يظهر البون الشاسع بين طالب وآخر... كذلك توجيه الأسرة عن طريق مجالس الآباء وملاحظة أخبار الآباء أولا بأول عن مدى قوة أولادهم وأسلوب توجيههم ورعايتهم...
ـوعلى أجهزة المسرح والتليفزيون المساهمة بدور فعال في هذا المضمار... وإن كنت أرى أن الجريمة في عمومها لا يمكن القضاء عليها، وإنما تقلیل نسبتها، ونوعيتها، وآثارها...!!
ويساعد على ذلك تركيز الإيمان بالله في نفوس الناشئة ومحاربة موجة الإلحاد الطاغية وتطهير المجتمع من كتب الأدب الرخيص، والصحف الماجنة، وإشاعة المحبة لله والناس، وضبط عمليات الطلاق، وتعدد الزوجات في إطار من أوامر الإسلام الذي قال رسوله عليه الصلاة والسلام «أبغض الحلال عند الله الطلاق» ولعنته على الذواقين من الرجال والذواقات من النساء بحيث يستقيم أمر الأسرة ويستقر وضعها خصوصًا في مجتمع مثل مجتمعنا كانت المادة سببًا في مخالفة هذه القواعد الشرعية وإيجاد الخلل الأسري مما يولد عند الشباب المراهق نوعا من الشعور بالاضطهاد، ويفقده حب الوالدين ورعايتهما له... فيثير في نفسه الأحقاد التي تتلمس ثغرات لظهورها في صورة جرائم... فالإنسان لم يولد مجرمًا بل ولد على الفطرة السليمة... والانحراف يأتيه عن طريق البيئة بجميع ميادينها ...
مع والد الطالب
ـوعلى باب المدرسة وجدته واقفًا بجوار سيارته زائغ العينين يدور بهما في جموع التلاميذ الخارجين من المدرسة حتى إذا ما رأى ولده استقبله بفرحة وأسرع بإدخاله السيارة وكنت على مقربة منه فاستوقفته محاولًا أن أشده إلى الحديث عن رأيه في جريمة طالب الرميثية... إلا أن الوالد بعصبية قال:
ـلقد كنت أمنع ابني عن المدرسة... ولكني سلمت الأمر لله... وكل يوم أزوده بنصائحي: كن في حالك... العلم فقط... إياك والتشاجر كن متسامحًا... إلخ.
فقلت له: وهل هذا هو الصحيح؟! إنك تعزله عن الناس، وتربي فيه روح الجبن وتهدم شخصيته...!!
قال: ماذا أفعل؟
قلت له: إن الشذوذ بجريمة فردية لا يعني انتشار الشر... فما زال الخير أصيلًا والاستقامة والفضيلة غالبتان وواجبك أن يفهم ابنك ذلك وينطلق مع زملائه بهذا المنطق وأن يختار أصدقاءه من التلاميذ ذوي الأخلاق الحسنة مع بيان الأسباب الواضحة لانحراف مثل هذا الشاب... وأن تغرس في قلبه محبة الناس وأن ترشده إلى الإيمان بالله والاعتماد عليه فهو الحافظ من الأشرار...
وأدار سيارته وهو بين مقتنع وغير مقتنع...!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل