العنوان حادثة "شارلي إبدو" في إطار الصراع الثقافي
الكاتب خيري عمر
تاريخ النشر الأحد 01-فبراير-2015
مشاهدات 63
نشر في العدد 2080
نشر في الصفحة 24
الأحد 01-فبراير-2015
تعكس حادثة "شارلي إبدو" عن الكثير من جوانب التوتر في العلاقة بين الإسلام والغرب، فمن خلال متابعة الأحداث يتضح أن ثمة تركيزاً على بعث التناقضات والخلافات الأيديولوجية باعتبارها الإطار الحاكم لأبعاد العلاقة الثقافية والسياسية، وهنا تبدو الأسئلة المهمة مرتبطة باتجاهات قراءة الحدث وردود الأفعال التي تجاوزت نطاق فرنسا، ليس فقط باعتبارها مشكلة أخلاقية ودينية وثقافية تنعكس سلبياً على المسلمين، ولكن في وجود توجهات بإساءة التوظيف السياسي للخلافات الدينية.
الحادث.. ومشكلات الهوية الفرنسية
وقع الاعتداء على صحيفة "شارل إبدو" بعد نشرها أوصافاً مسيئة للرسول محمد عليه الصلاة والسلام، ومن الواضح أن استهداف الصحفيين لم يرتبط فقط بنشر تلك الرسوم الصحفية، ولكن بإصرار الصحيفة على نشرها كسياسة تحريرية؛ وهو ما يعني أن هناك توجهات لإثارة الخلاف لأطول فترة ممكنة، ويمكن وصف الهجوم المسلح على الجريدة بأنه كان تعبيراً عن الاستياء من السياسة التحريرية وتبني توجهات معادية لعقيدة المسلمين.
ولعل التوجهات الفكرية والتحررية للصحيفة جعلتها تتناول الموضوعات بطريقة مجردة ودون قيود فكرية أو عقدية، وكما يقول محررو الصحيفة، بأن السياسة التحريرية تقوم على أساس نقل الحقائق وعدم الكذب على الجمهور، غير أن التناول يأتي في سياق تبني العلمانية المفرطة، وهنا تبدو إشكالية تصوراتهم عن الانضباط والمصداقية في ظل الانفلات التحرري، وهنا يمكن التمييز بين حالتين؛ الأولى تتعلق بتناول ما يتعلق بالمجتمع والأفراد من وجهة النظر المادية وبشكل مجرد وبعيد عن التدين، أما الثانية؛ فهي تتعلق بأن نقد الأديان يكون في إطار الفكر التحرري والمنفلت من القيود.
ويتلاقى هذا التوجه مع توجه التيارات اللادينية التي ظهرت في فرنسا في القرن الماضي، وهي اتجاهات لا تقتصر فقط على اتساع حرية النقد، ولكنها تتجاوز إلى إنكار الألوهية؛ وبالتالي، يكون تقييم الجريدة أو اتخاذ موقف منها يرتبط بمدى جدوى إجراء تصحيح لسياسة النشر، ويرتبط أيضاً بحجمها بين المنشورات والصحف الفرنسية، ووفق هذين المعيارين، نكون أمام حالة هامشية متصلبة، وهذا ما يرجع لصعوبة وجود انفتاح لمناقشة سياسات الصحيفة، وخصوصاً أن حجمها يعد صغيراً مقارنة بمؤسسات صحفية وبحثية أخرى تشكل المحتوى الأساسي للسياسة والمجتمع في فرنسا، وهو ما يفرض ضرورة تقييمها في سياق التحرر من فكرة الدين وليست فقط ضد الإسلام.
ما يثير الكثير من القلق، هو أن هذه الحادثة جاءت في سياق مرحلة طويلة من القلق الفرنسي حول تهديد العلمانية، وهذا ما دفعها للتحوط ضد ما تعتبره تهديداً لهويتها، ولذلك اتجهت السياسات والتشريعات نحو ضبط المظاهر الدينية في المجتمع وفي المؤسسات العامة، ولكنه كان من الملاحظ أن الإسلام (مسلمي فرنسا) لقي النصيب الأكبر من القيود التي فرضتها الحكومة على حريات الأفراد، وهذه الجزئية يمكن إرجاعها لعوامل كثيرة، لكن ما يهمنا في هذه المرحلة، هو ما تتبناه فرنسا من استبعاد للدين ومظاهر التدين باعتبارها تفكيكاً للعلمانية، ولكنها لم تستطع إيجاد تفسير لكيفية ضمان الحرية وفرض القيود على بعض فئات المجتمع.
مواقف الإسلاميين
في سياق مناقشة ردود الأفعال في العالم الإسلامي، يمكن ملاحظة أن مواقف الحكومات كانت أقرب للتضامن مع الموقف الفرنسي، كما لم تكن تقدم التيارات الإسلامية رؤية واضحة للتعامل مع هذه النوعية من الأحداث المتكررة، ويلاحظ أن الخطاب السياسي لكثير من المنظمات الإسلامية كان متذبذباً، حيث كان هناك نوع من الإدانة المزدوجة لكل من السياسة التحريرية للصحيفة، وإدانة الاعتداء على مواطنين فرنسيين.
وإزاء غموض في تقييم الموقف السياسي، لم يكن أمام كثير من الإسلاميين سوى تكرار ردود الأفعال التي اكتسبتها من التجارب السابقة، تجاه نشر رسوم مسيئة في الدنمارك في عام 2008م وغيرها من الأحداث.
وكانت الدعوة للتظاهر والاحتجاج هي السمة الغالبة في كثير من البلدان، وذلك دون إدراك لحجم الظاهرة ومدى تأثيرها في الحيز الثقافي الغربي، وبشكل عام تشير البيانات التي صدرت خلال هذه الفترة إلى وجود ارتباك في التعامل مع الظواهر والأحداث المعقدة، وغلبت الطبيعة الانفعالية دون طرح ابتكاري للتعامل معها، ولعل تذبذب مواقف الحركات الإسلامية يرجع، في جزء منه، إلى احتدام الصراع السياسي في البلدان العربية، واتساع نطاق سياسة مكافحة الإرهاب، ولهذا انتهت للتركيز على إدانة الإرهاب دون مراعاة للعوامل التي شكلت خلفية الحادثة وتوظيفها بطريقة سلبية.
ورغم تكرار هذه الأحداث المسيئة، لا يبدو وجود جهد مبذول لفهم هذه الظواهر ووضع تصورات للتعامل معها، وخصوصاً مع وضوح أن العامل الأساسي في ظهورها يرتبط بالتوجهات المتطرفة؛ اليمينية والصهيونية، وهي اتجاهات لا تشكل التيار الأساسي للسياسات الغربية، وهذا ما يعكس ضعف الإلمام بالظواهر السياسية في البلدان الغربية.
كما أنه على الوجهة الأخرى، لم تكن السياسات الغربية جادة في احترام الليبرالية والديمقراطية، حيث ساندت الإطاحة بالقانون والديمقراطية، وتسعى لإعادة ترسيخ التبعية والغزو والاستعمار على حساب الإسلام أو الحركات الإسلامية، وهنا تتراجع أهمية الاختلاف حول طريقة النظر لمعالجة الحادث، سواء برد فعل عنيف أو عن طريق الحوار السياسي والاجتماعي.
التناول الفرنسي
وتبدو السياسة الفرنسية مثيرة للجدل لتسرعها في نقل الحادث من الأبعاد الداخلية لمصاف قضية تهدد الأمن العالمي دون الاهتمام بخلفيات ظواهر العنف الاجتماعي في المجتمع الفرنسي، فقد اتجهت الحكومة الفرنسية لاعتبار الحادث جريمة إرهابية عابرة للحدود، وهنا يمكن القول: إن التوجه السريع نحو ربطها بالإرهاب الذي تمارسه الحركات الإسلامية - كما تدعي - كان اتجاهاً نحو تصدير الأزمة للخارج، ودعم التحالفات الدولية ضد "الإرهاب"، وهذا ما أثار الجدل حول الطبيعة التآمرية للحادث، لكنه، على أية حال، يعكس وجود سياسات جاهزة لتفسير ظواهر العنف على أنها أعمال إرهابية؛ مما يعزز استمرار السياسات التدخلية في البلدان الأخرى.
فما يثير الجدل حول التعامل مع هذه الحادثة، هو ما يتعلق بتكييفه على أنه أزمة عالمية أو خارجية، رغم أنه جرى على أرض فرنسية وبين مواطنين فرنسيين، وهذه المسألة تبدو على قدر من الأهمية في فهم خلفيات التناول الفرنسي للأزمات الداخلية في الوقت الراهن، فقد تراجع الوضع الدولي لفرنسا، خلال السنوات الماضية؛ بسبب تصاعد الموجة الأمريكية وانحسار الفرانكوفونية، وقد أدت هذه التغيرات لتأرجح الفرنسيين بين الاندماج في الهيمنة الأمريكية، وبين الاستمرار في تطوير دورها في السياسة العالمية.
ولذلك حرصت فرنسا على توسيع سياساتها الخارجية في منطقة المتوسط والصحراء الكبرى الأفريقية، وكانت الأكثر قلقاً من التغيرات في البلدان العربية، ولهذا يمكن تفسير سرعة تدخلها في مالي بأنه محاولة لتثبيت نفوذها في إقليم الصحراء، كما تبنت حملة سياسية وإعلامية لدعم التدخل الدولي في ليبيا في عام 2014م؛ حيث تعتبر أن استمرار مشاركة ثوار ليبيا في السلطة يعد من العوامل التي تهمش نفوذها في هذه المنطقة، ورغم طرح الكثير من السياسات، لم تحقق فرنسا إنجازات واضحة في سياستها المتوسطية، وهو ما ظهر في تضاؤل مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط" وتراجع أهميته السياسية والإستراتيجية.
ورغم التصعيد الفجائي لتداعيات الحادث وتصويره على أنه تهديد مباشر للأمن العالمي، فإنه سوف لا يتخذ مساراً مستقلاً عن سياسات التدخل الغربي في العالم الإسلامي، وهذه السياسة تساهم في عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، حيث إن المشكلة الأساسية تتعلق باتساع نطاق الصراع وتنوع أبعاده، مما يؤدي إلى تزايد التطرف لدى كل الأطراف؛ الإسلامية والعلمانية.